نصوص

في أكبر كنيسة بايطاليا... لا تخطئ الفهم !

منذ الصباح لم ير هاتف صاحبي النور ، لم أره ولم يرني وربما لم يخرج من جيبه بالمرة ، لأنه بقي بلا صوت ، محتفظاً بمفاجأته الجميلة داخل الكنيسة لنا. وفي داخل أكبر ثالث كنيسة في العالم وعلى غير موعد، وإذ أعيد النظر مرة بعد مرة ، في المبنى الكبير ، وأقتنص بعض الفرص لتصوير هذه اللوحة والاقتراب من ذاك التمثال ، رن هاتف رفيقي سعيد، إلى هنا

0
15 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

منذ الصباح لم ير هاتف صاحبي النور ، لم أره ولم يرني وربما لم يخرج من جيبه بالمرة ، لأنه بقي بلا صوت ، محتفظاً بمفاجأته الجميلة داخل الكنيسة لنا.
وفي داخل أكبر ثالث كنيسة في العالم وعلى غير موعد، وإذ أعيد النظر مرة بعد مرة ، في المبنى الكبير ، وأقتنص بعض الفرص لتصوير هذه اللوحة والاقتراب من ذاك التمثال ، رن هاتف رفيقي سعيد، إلى هنا لا يبدو أن في الأمر طرافة، لكن انتظر لأسرد القصة.
ماذا كانت نغمة الهاتف يا ترى؟؟؟ ونحن أمام صمت رهيب داخل الكنيسة التي هي موضع للسياحة اليوم، كما أنها مكان للعبادة ، وثمة خاشعون وخاشعات يجلسون على مجموعة من الأرائك ويبدون في حالة دعاء أو ما أشبه، ولا شك أن رجال الأمن ينتشرون في كل زواياها، منهم من كان بشكله الرسمي وآخرون بزي مدني متخفي يكشفه الجهاز.

 


جاء الدور على استفزاز الجميع ، وإدخالهم في حالة حيص بيص ، لا أظن أنها مرت عليهم سابقا ، كانت النغمة في هاتف سعيد عبارة عن نشيد إسلامي رنان وبصوت عال ، ربما يسمعه من هو في خارج الكنيسة حتى ، وتقول عباراته وهي باللغتين العربية والانكليزية ، بمعنى أنه من لا يفهم العربية تسعفه الانكليزية في الفهم أو معرفة ما الذي يجري على أقل تقدير ، فتقول الكلمات التي هي بالأصل نشيد إسلامي للمنشد المعروف سامي يوسف وعباراته كالتالي : (لا إله الا الله ... محمد رسول الله ... محمد إز ذا مسنجر ...الله إز ذا كريتر ..) ويمكن أن تستمع اليه من :




الهاتف يرن ، والناس حولنا مندهشون ، ورجال الأمن يقتربون ، والآن أجعل نفسك معي وتخيل كيف ستتدارك الموضوع ففي عيون القوم استفسارات وتحليلات لما سمعوا.


وقد قدرت في العيون تلك التحليلات ، فمن تحليل أن القادمين مسلمون، يريدون نشر رسالة الاسلام في داخل الكنيسة. تفسير آخر .. إنها عبارات لعمل عنف متوقع ، ولك أن تحلل كما تشاء ..لكن زميلي في النهاية ، وبعد البحث عن هاتفه في جيبه لوقت تمكنت الأنشودة من التكرار ثلاث مرات ، أجاب وتحدث فصارت الأنظار أكثر لأنه تحدث باللغة العربية، وهكذا اقترب بعض رجال الأمن بهدوء دون أن يبدو ذلك .

 


 قلت لصاحبي يبدو أننا شاهدنا ما فيه الكفاية وما هي إلا دقيقة حتى سحبنا أنفسنا وكنا في الخارج، أو قل خرجنا من عتمة الكنيسة المقصودة إلى النور في الخارج لتكون جولة جديدة مع الحمام ، نعم الحمام المسالم والموجود في الساحة الواسعة أمام البناية الكبيرة إنه لمنظر ممتع ، أن تراقب الحمام ، وتعود معه الى صباك ، فتراقبه وربما يراقبك ، وتعطيه فيأكل، وكأن الدنيا تتوقف ساعتها بين عينيه ورجليه ، ثم تعود يوم يصفق بجناحيه طائرا.

 



لا شك أن شكل البناية من الخارج مبهر، و فيها زخم من العمارة بين الأعمدة المدببة يصل عددها بالمئات، ومهما وقفت لتحسب عددها لن تستطيع ، فإنه تأتي من الوسط الى الجهة الخلفية للكنيسة في حشد كبير ، مع حشد من التماثيل التي تجمعت على الأطراف والنوافذ والأبواب الضخمة وتعتلي كل عمود مدبب ، ليكون أبرزها ذلك القابع في الأعلى والمطلي من الذهب ، والذي اشتهرت قصته جرت له أكثر من التمثال نفسه ، إذ قامت المافيا ذات يوم بسرقته من خلال طائرة عمودية ، ثم باعته إلى الحكومة بأسعار مرتفعة.  

 

 

وتعتبر تلك التماثيل الكثيرة امتداداً لحركة فن النحت التجسيدي، ذاك الذي منعه الاسلام، لأنه ارتبط بتجسيد تماثيل تعبد من دون الله ، يتخذها العرب حينها لتقربهم الى الله زلفى كما قالوا ، لذلك اكتفى القران الكريم بالتعبير عن تلك اللوحات المجسدة بتعبير اللغة العربية، لغة الفصاحة والبيان ، فإن لدلالات العبارة العربية في عقول أهلها في ذلك الوقت تأثير التماثيل الشارحة في عيون باقي الأمم. فكانت عندنا في اللغة بيان العبارة .. مع منظور عملي آخر تمثل في تجسيد حركات النبي صلى الله عليه وسلم ، من خلال أنه كان مفسرا وباعثا لحقيقة التشريع ، من خلال أعماله بين الناس .

 

 

لكن الفن لا يقتصر على التجسيد النهائي للأشكال ، فثمة معان أخرى دون التجسيد، كميدان الخط العربي ، واحد من أصعب الفنون وأكثرها دقة في القياسات والأبعاد ، ويأخذ من ما تسمى بالنسب الذهبية الحظ الأوفر في توزيع الحروف والجمل على صفحاتها بقياسات أقرب لقياسات النسبة الذهبية .

والعمارة الإسلامية والحدائق وغيرها ، تجسيد للفن الإسلامي وعلاقته مع البيئة الحاضنة ...ورب زيارة سريعة لقصر الحمراء في غرناطة اسبانيا دليل حي على علاقة المسلمين المتمكنين في صناعة ما هو إنساني وجمالي إذا فقهوا ، فقد عمد المعماريون الى الإبقاء على ثلاثة أمور في قصر الحمراء دائما ، أن تشم على طول الوقت رائحة الورود والأشجار ، وأن تسمع دائما صوت المياه ، وأن لا تقع عينك إلا على ما هو جميل ، وكانت هذه نابعة من فهم الحياة عندهم .

لكن حاضرنا يتيه أبناؤه في تفاصيل يوميات الأمني والسياسي في بلادنا بعيداً عن تلك المعاني التي يجب أن تغير من الذائقة العامة عند الناس ... وتصر قناة الجزيرة ومثيلاتها على ذلك انطلاقا من رؤية خبرية معقدة تجعل من تراكم السوء حالة يومية.

ولذلك ضمرت عند الأمة هذه الرؤى التي تشيع معاني التطوير والغوص فيما هو انساني وجمالي.

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©