في أكاذيب المعارضة الوظيفية ., المعيق الأخلاقي للطبقة السياسية التونسية .
حبيب بوعجيلة
لا يتعلق الأمر في هذا المقال / التدوينة أن ندخل في التنافس على " باتيندات" النضال الديمقراطي بل ان المقصود هو أن نفكك عملية الاستبلاه حتى تقام السياسة في تونس القادمة على اسس ثابتة من الوضوح.
الاستبلاه وتوهم الفهم والتذاكي لا يمكن أن يقوم عليه عمل سياسي وطني بناء وفعال .
نكتب لنقول نحن نفهم ما يفعله البعض ويمكن ان نتفهمه بمحض ارادتنا "التكتيكية " اذا رأينا فيه مصلحة وطنية ولكننا نستهجنه حين نراه استعادة لأساليب لم تعد مجدية في بناء حياة سياسية وطنية مستقبلية قابلة للحياة.
ونقول اننا نزدريه حين نكتشف انه اعادة فاشلة لاليات عمل تم تجريفها مع كل المشهد السياسي القديم وقد كان تجريفه بايجابياته وبأساليبه القذرة بمثابة الضارة النافعة لمستقبل الديمقراطية في البلاد .
المؤرخون الجدد للشجاعة
منذ ايام ، يردد كثيرون ، من احزاب وقيادات سياسية وصانعي رأي،من المتصدرين حاليا لمعركة التصدي الخجول والمتأخر " للانحراف التسلطي " لنظام 25 جويلية ، ان مسيرة 17 اكتوبر 2026 هي الأكبر في مواجهة "السلطة القائمة" ويجعلون ،بثقة ودون ان يرف لهم جفن، تاريخ الدفاع عن الديمقراطية ومناهضة التسلط الخمسعشريني يبدأ مع حراك المطر الأخير تحت مظلة "الاتحاد" العائد للمشهد السياسي ضمن اطاره التنسيقي مع المحامين .
هذا الكلام الذي ردده المحازبون ومناضلو المجتمع "المدني" الراكبون في قطار الاطار التنسيقي شجع الأمين العام (الجديد) لمنظمة عموم الشغالين الى المجازفة بالقول أصلا " ان حاجز الخوف والصمت" قد ارتفع بفضل " مظاهرتهم" وهو ما فهمنا منه انه يقصد طبعا خوفهم وصمتهم هم وباقي الراكبين معهم في عربة منظمتنا الشغيلة وهيئة المحامين اثر اعلان ولادة "الاطار التنسيقي" لأننا نعلم ،كما يعلمون، أن حاجز الخوف والصمت قد ارتفع منذ الاشهر الاولى بعد 25 جويلية بفضل جماهير نوعية ومستضعفة ملأت الشارع السياسي الذي سميناه بجدارة " الشارع الديمقراطي" بقيادة شخصيات مستقلة وذات اصول نقابية او يسارية او ليبيرالية او اسلامية بعضها يقبع الان في المعتقلات.
يعرف الأمين العام للاتحاد ( لولا الحماس الذي اوقعته فيه تحاليل المؤرخين الجدد للشجاعة ) ان حاجز الصمت والخوف قد تجاوزته منذ سنوات جماهير وقيادات حراك مواطنون ضد الانقلاب ثم جبهة الخلاص وباقي المبادرات التي انبثقت عنها او بالتوازي معها وحاولت بعد ذلك تجميع الطيف السياسي لاسترجاع المسار الديمقراطي وهي جماهير وقيادات معلومة صفاتها وانتماءاتها .
ما يعرف "ذكاء" المعيز الا سارحها
نقدر طبعا ان " الجميع " يعرف تماما السياقات التي ولد فيها "الاطار التنسيقي" بين القيادة (الجديدة) للمنظمة الشغيلة والقيادة (الجديدة) للمحامين .
وندرك جيدا ان " الجميع " يعلم انه ما كان لمنظمتي الشغالين والمحامين ان تتجدد قياداتهما وان تتطور تموقعاتهما في المشهد السياسي لولا المراكمة التي انجزها " الشارع الديمقراطي" الذي ذكرناه اعلاه ولولا رصيده الانتخابي في مفاصل وقواعد هاتين المنظمتين .
و ندرك جيدا ايضا ان " الجميع" يدرك ان اتحاد الشغالين مثل هيئة المحامين لا يستطيعان التشوف لمستقبل فاعل وريادي لهما في تعديل المشهد الوطني وموازين قواه الا اذا قطعا مع معوقاتهما السابقة من أطياف غير ديمقراطية كانت تسيطر على قيادتيهما وانه لن يكون للهيكلين عذين دور مهم الا اذا قطعا مع اساليب التيارات الوظيفية التي كانت في صفوفهما الاولى والا اذا راجعا كيفية تعاطيهما مع حقيقة منخرطيهما الناخبين والمعبئين والفاعلين والوعي بالاوزان الحقيقية للقوى الحقيقية المكونة لقواعدهما الحقيقية .
ونجزم طبعا ان " الجميع" يعرف لماذا تم توسيع "الاطار التنسيقي" تكتيكيا لبعض الجمعيات والمنظمات الصورية دون غيرها لتظهير "الطابع المدني والعلماني واليساري بل والوظيفي المسقوف" للاطار وتجنب كل ما يمكن ان "يصمه" سياسيا اوحزبيا بالوسم النهضاوي او الراديكالي او القريب منهما .
ونتصور طبعا ان " الجميع " يعرف لماذا سارعت احزاب ثمانية باعلان ركوبها في العربة " غير الرسمية" للاطار التنسيقي دون ان يجيب الاطار بالرفض او الموافقة .
ونعلم يقينا ان "الجميع" يعرف لماذا كان اعلان "النهضة " وجبهتها للاسناد الموضوعي لهذا الاطار على طرف اللسان وبشكل متحفظ لا يحرج احدا او يجبره على التبرؤ من هذا الاسناد كما فعلت سابقا "شبكة الحقوق والحريات" او بعض مكونات "نفس" .
وندرك دون شك ان "الجميع" يعرف وبعد عقد ونصف من اختبار موازين القوى الحقيقية على الارض من يقدر على التعبئة وعلى اللعب الرئيسي في الاوضاع الديمقراطية الانتخابية السليمة ومن يجب بالتالي ان يفهم ضرورة تحجيم نفسه وفسح المجال لاشكال اخرى من الالتقاء شرط ان لا تستعيد رداءة الممارسات السابقة التي تعيد مشهدا غير قابل للاستعادة .
ولكننا نعرف ايضا ان "الجميع " يعرف من كان وسيبقى يسارع الى عرض نفسه لأداء الدور الوظيفي حين يحتاج مهندس مزعوم الى تسريع او ابطاء او تعثير او حرف وجهة او اجهاض اي انتقال سياسي نحو الديمقراطية حقيقية كانت او محدودة .
ونعرف جيدا أن " الجميع" يعرف من يتم اخراجه دائما من جديد لاعادة "التحريك" ووضع النفس على الذمة لممارسة دور جدران الصد والتحجيم وضمان الترتيب المسقف والموجه والمحكوم بأجواء الاستقطاب المبرمج .
هذا نعرفه و"الجميع" يعرفه وسنتفهمه ونصمت لو صمت الاخرون ولم يصدقوا "الكذبة البيضاء" بشكل يتحول فيه تصديق الكذبة الى افساد للسياسة وتزييف " غير نافع وغير وظيفي" لها .
لا نريد اذن بما قلناه أكثر من تذكير الواهمين بأننا يمكن أن نقبل " كذبة" للتوظيف الايجابي ولكننا لا نقبلها حين تصبح للتصديق ويكبر الوهم بمن صدقها الى درجة ظنه بامكانية استبلاه التاريخ وسننه لصناعة مشهد اقصائي ارادوه بعد 25 جويلية حين توهموا ان الرئيس قيس سعيد قد اوقف "النهضة" لا الديمقراطية وانه سيسلمهم الحكم او سيحكم معهم قبل ان يستفيقوا على وهمهم فخرجوا اليوم لازاحة "حاجز صمت وخوف" لم يعد موجودا اصلا اذ لا حاجة الى الحواجز بعد ان تم التجريف الذي برروه قبل ان يشملهم .
" الجميع" الذي يعرف طبعا نقصد به "كلنا" ...نحن و هم و اولئك .اي السارح والنعاج وما بينهما من الذكاء المستعمل كفازلين سياسي لاعادة اعمار خراب .
هو ذكاء أكاذيب بيضاء نقبل بها للتوظيف لا أن تصبح حقائق للاستبلاه.
هو " الذكاء" الذي تمارسه النعاج و يفهمه السارح والذال قاف والكاف حاء والهمزة باء .
البناء على الصح هو ما يدوم
نقول هذا الكلام لنؤكد على ميثاق اخلاقي في ممارسة السياسة وهو شرط لاقامة ديمقراطية قابلة للحياة.
اهم بنود هذه "الايطيقا" اننا نذهب الى مشهد سياسي تونسي قابل للحياة ومنجز للتنمية وحام للبلاد من التدخلات في قرارها الوطني، حين تكون الحيلة هي في ترك الحيلة .
ليس فقط ترك الحيلة بين الدولة ومجتمعها السياسي ولكن ايضا بين مكونات الحركة السياسية التونسية .
حين نقيم الفعل السياسي على الكذب وتزييف التاريخ والحقائق وعلى التذاكي والاستبلاه فعندها لا نفعل غير ان نحاول استعادة اساليب فعل سياسي هي التي دمرت التجربة التونسية .
اذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى .
هات الحقيقة واترك الحيلة
الدفاع عن الديمقراطية ،باعتبارها اقل اساليب الحكم وادارة الاختلاف سوءا، مارسه مدافعون معروفون زهدوا في غنائمها اثناء عشرية المستفيدين منها في الحكم والمعارضة وهم اولئك الذين كانوا يقولون لفاعلي العشرية جميعا حكاما ومعارضين ترفقوا بالانتقال فكسره ليس انتصارا لأحد.
وحين خرق هؤلاء اللاعبون السفينة بممارساتهم التي رذلت الديمقراطية وانهكتها وجاء قرار الدولة بايقاف المسار يوم 25 جويلية 2021 ، كان المدافعون الاوائل عن الديمقراطية هم نفس اولئك الذين دافعوا عنها وزهدوا في غنائمها اثناء العشرية .
حشدوا اكبر شارع ديمقراطي لما يقارب الستة اشهر او يزيد ضم المواطنين المستضعفين ممن لم يستفيدوا بدورهم من العشرية الا بالحرية وكان التحشيد طبعا بدعم من أحزاب قد تكون حكمت او عارضت ولكنها ادركت خطر استهداف الديمقراطية و على رأس هذه الاحزاب النهضة ولا ينكر احد ذلك ولكن الاحزاب فسحت المجال لشخصيات مستقلة من اطياف مختلفة لقيادة مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب".
ثم تشكلت بعد ذلك "جبهة الخلاص" وبعدها كل مبادرات توحيد المعارضة بأسماء معلومة لن ينساها التاريخ .
ذلك هو التحشيد الديمقراطي الأكبر قبل "سبعطاش اكتوبركم" يا سادتي وذاك هو التحشيد النضالي الذي بدا معه التاريخ الشريف للدفاع عن الحرية ومقاومة التسلط.
ذاك التحشيد هو الذي دفعت من اجله ضرائب موجعة تقدمها اليوم قيادات مستقلة او اسلامية اويسارية اوليبيرالية ديمقراطية قابعة حاليا في المعتقلات او مهجرة في المنافي او تتكلم بتحفظ في الداخل لحفظ التاريخ وتجنبا لمزيد الضرائب المنهكة والمجانية.
جزء كبير من الحركة السياسية التونسية التي تريد الان اعلان بداية التاريخ الديمقراطي " للشجاعة "كان يوم 17 اكتوبر 2026، كانت في صيف وخريف 2021 وفي شتاء 2022 تحترف تبرير ايقاف المسار الديمقراطي وتمارس الانسحاب من المعارك المكلفة وتنتظر الرئيس قيس سعيد لاشراكها في الحكم ولكن ذلك لم يكن. وهذا من حسن حظ البلاد وحصافة بعض عقل للدولة كان قرر ان التجريف يجب ان يشمل الجميع بما في ذلك المنغصات الوظيفية لعشرية الحرية الذين لن يكونوا حكاما لخماسية ما بعدها .
هذا ما يجب،ان يقال حتى لا يظن العائدون للمزايدات حين ينخفض خطر الضرائب الموجعة ان ترتيب المشهد القادم هو ثمرة ستسقط في جرابهم ...لم يفهموا شيئا اذا كانوا يتوهمون ذلك ولن يكون ترتيبا قابلا للحياة اذا بني فعلا على هذا التمشي ولا نظنه يكون .
ما يعلمه الجميع انه ما كان سيكون اطار تنسيقي ولا عودة لتصدر الاتحاد والمحامين وانه ما كان سيكون ركوب وارتفاع صوت ل"معارضة وظيفية" لولا ان مياها كثيرة جرت في نهر خطه مناضلون وشخصيات ديمقراطية حقيقية لم تتلعثم حين وجب نطق الجملة الديمقراطية بفصاحة .
ونعلم جيدا انه ما كان سيكون اطار تنسيقي ولا ارتفاع اصوات وظيفيين لولا ان بلغ التجريف اقصاه فظن بعض الوظيفيين انه قد أذن لهم بالتقدم للترطيب الوظيفي ل" الترتيب" عبر استعادة ادوارهم التي يتقنوننها تاريخيا في الاقصاء للبعض ووضع النفس على الذمة لتسقيف الاخرين ومضغ الثوم في مكان اسنان المهندسين تقديما لهذا وتاخيرا لذاك وتحريكا للقطع بالوكالة عبر عرض يد "القطاطيس" للخدمة .
ونعلم جيدا انه ما كان سيكون اطار تنسيقي ولا ارتفاع اصوات وظيفيين لولا ما تأكد منه هؤلاء بأن هناك من هو مستهدف ويجب اتمام الاجهاز عليه وهو مستعد للتذيل لفسح المجال وتسريح الطريق باسم المصلحة الوطنية .
لكن ما نعلمه ايضا ان عملا سياسيا يبنى على هكذا اوهام واكاذيب وخداع وغمة لن يكون له مستقبل لأنه لا يبنى على " الصح" ولأنه يظن انه " يفهم" ولكنه اغبى من ان " يفهم ".
كيف نبني المستقبل دون اكاذيب
ما تحتاجه البلاد لبناء مستقبل سياسي لا يستعيد ماضيا غير قابل للحياة هو توزيع عادل للشرف والخطيئة على من يستحق الشرف ومن يستأهل الخطيئة وتلك هي المراجعات الوطنية الحقيقية المؤسسة للمستقبل المبني على استعادة الثقة وليس للمستقبل المبني على مسرحية اعطاء جبة القاضي لمن لايستحق حتى يقف الشرفاء امامه ليقدموا له مراجعاتهم وهو الاولى بأن يجلس على كرسي الاعتراف لمراجعة خطاياه التي ارتكبها في حق الديمقراطية .
ما تحتاجه البلاد من عقل الدولة وعقل المعارضة هو ان يبني الجميع على " الحقيقة" لا على الزيف والمغالطات .
وما تحتاجه البلاد ان يكون لأهلها سردية وطنية مشتركة لتاريخ وطني مشترك يقال فيه كل شيء كما تقال الحقيقة لا كما يقال الخداع .
هذا ما يجب ان تفهمه منظمتنا الشغيلة الجديدة التي هي ملك لعمالها لا ملك للراكبين عليها وهذا ما يجب ان تفهمه هيئة محامين هي ملك ابنائها بجميع اطيافهم لا ملك من يبتزها من وظيفيين ازليين .
لا أحد يريد عودة 24 جويلية ولكن الذهاب الى 26 جويلية مع الكاذبين ومزيفي التاريخ ومختطفي الحركة السياسية التونسية او بهم سيصبح ذهابا الى الغلط المتجدد وعندها يكون الأسلم ان يطول 25 ونار الصهر تحت لهيبه حتى يزول الصدأ على العقول السياسية المتذاكية ...
ما يبني ويؤسس هي الحقيقة التي يرضى ان يشرب من معينها الجميع ..والا فلا نزل القطر ...