نصوص
فضيلة المرشد حسن الهضيبي في ذكرى وفاته
كأنّ الأقدار كانت تؤجل ظهور هذا الرجل حتى ساعة الشدة والمحنة التي لا يقدر على الصمود فيها إلا ذكران الرجال،فجاء على قدر...وإنما أراد الله له الظهور وتبوأ مركز القيادة وتولي منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين لاجتماع الخصال التي تناسب زمن الابتلاء وعلى رأسها البصيرة والثبات،وقد كان له منهما النصيب الأوفى. لقد قاد الجماعة لمدة عشرين سنةً مؤسسُها الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه، فلما كتب الله له أن يموت في ظروف عصيبة ترك فراغا هائلا...ومن ذا الذي يستطيع أن يخلف من جمع الله فيه صفات علمي
- 5 نوفمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
كأنّ الأقدار كانت تؤجل ظهور هذا الرجل حتى ساعة الشدة والمحنة التي لا يقدر على الصمود فيها إلا ذكران الرجال،فجاء على قدر...وإنما أراد الله له الظهور وتبوأ مركز القيادة وتولي منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين لاجتماع الخصال التي تناسب زمن الابتلاء وعلى رأسها البصيرة والثبات،وقد كان له منهما النصيب الأوفى.
لقد قاد الجماعة لمدة عشرين سنةً مؤسسُها الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه، فلما كتب الله له أن يموت في ظروف عصيبة ترك فراغا هائلا...ومن ذا الذي يستطيع أن يخلف من جمع الله فيه صفات علمية وقيادية وتربوية وسياسية تتوزع عادة على عشرات الأفذاذ؟ثم اهتدت الجماعة إلى المستشار حسن الهضيبي رحمه الله عندما اكتشفت بعد البحث الدقيق أن المرشد الأول تربطه به علاقات خاصة في خدمة الدعوة، وقد تعمد تركَه في الظل، بل كان في بعض كلامه وسلوكه إيماءة إلى استخلافه من بعده،وبايعه الإخوان وهم يذكرون أنه أول قاضٍ لم ينحن للملك فاروق عندما تسلم منه شهادة، وأن سعيه في المطالبة بتحكيم الشرعية معروف.
يروي الهضيبي أن علاقته بالإخوان بدأت منذ عام 1942م، وقد اقتنع بهذه الدعوة بالطريق العملي قبل الطريق النظري، وذلك حين لمس من بعض أقاربه الفلاحين إدراكًا لمسائل كثيرة في الدين والسياسة ليس من عادة أمثالهم الإلمام بها، وخاصة أنهم كانوا شبه أميين، ولما علم أن ذلك يعود إلى الإخوان أعجب بهذه الدعوة، وأخذ يحرص على حضور خطب الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها مؤسس الجماعة حسن البنا
، ومنذ ذلك الوقت بدأت صلته بالدعوة .
وقد كان اختياره خليفة لحسن البنا اختيارا موفقا، إذ تولّى القيادة بقوة وحزم، وألزم الجميع بالانضباط، وأعاد إحياء العمل الدعوي بعد محنة حلّ الجماعة واغتيال الإمام البنا، ولما ابتليت مصر بالانقلاب العسكري في يوليو 1952 وكانت تظن أن فيه خلاصها من عهد الفساد تعامل معه الإمام الهضيبي بنظر ثاقب خاصة بعد الاحتكاك بمن سموا أنفسهم "الضباط الأحرار"، فقد خالف أغلبية قيادة الجماعة الذين كانوا يحسنون الظن بهؤلاء الضباط وتنبه-رحمه الله-إلى مكرهم وعدم التزامهم لا بالعهود ولا بالإسلام، فتعامل مع الوضع الجديد بحذر وفطنة، ورفض أن ينضم الإخوان إلى الوزارة وفق شروط الانقلابين، ولم يتردد في إقصاء الإخوان الذين شقوا عصا الطاعة وتمردوا على تعليمات الجماعة رغم ثقلهم الدعوي والاداري، ودارت الأيام دورتها واكتشف الجميع أن المرشد كان ينظر بنور الله وبنور العقل،كيف لا وهو القاضي المرموق الذي يستمع أكثر مما يتكلم، ولا يتكلم إلا بعد التأكد مما يقول ويأمر به، وكم أعجبني اعتراف الشيخ محمد الغزالي-رحمه الله- بخصال الأستاذ الهضيبي بعد ربع قرن من تلك الأحداث- وقد كان له هو و بعض المشايخ اجتهاد آخر وموقف خاص بهم أدّى إلى فصلهم- وأكد بكلّ شجاعة أن رأي المرشد العام كان الأصوب.
ذهبت وعود قادة الانقلاب بالحرية والديمقراطية- فضلا عن البديل الإسلامي- أدراج الرياح وبدأت نذر الحكم الاستبدادي تلوح في الأفق فتصدى لها الإخوان بكل حزم، وانحازوا للجماهير فالتفّ حولهم الشعب لمعرفته بهم أصحابَ دين وخلق أمانة، فثارت ثائرة الطاغية وفرض عليهم المواجهة بالدعاوي والذرائع المعهودة عند المستبدين، كما قال فرعون عن موسى وأتباعه: "إنهم لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون"، وامتلأت المعتقلات بأصحاب الأيادي المتوضئة والمشروع الإسلامي، وعلى رأسهم فضيلة المرشد، فكان مرشدا في السجن مثلما كان قبله، وقد أمر الإخوانَ بالثبات وأداء التمارين الرياضية بكل قوة في الزنازن وساحات السجون حتى لا يظن شياطين الإنس أنهم نالوا من عزيمتهم فضعفوا واستكانوا، وكان-رحمه الله- وهو في سنّ متقدمة في نشاط دؤوب ليكون قدوة لأبنائه وإخوانه المعتقلين الذين ينتظر الطاغية أن ينهزموا نفسيا وينكسروا.
وبقي في السجن – بعد أن خُفّف حكم الإعدام الصادر بحقّه إلى المؤبد - حتى 1961 حيث أحيل على الإقامة الجبرية بسبب تقدّم السنّ واشتداد المرض، ثم أعيد اعتقاله في حملة القمع الواسعة التي شنّها الطاغية ضد الإخوان في 1965 ولم يفرج عنه إلا سنة 1971، وطول هذه المدة لم يظهر منه ضعف ولا شكوى فضلا عن كلمة أو سلوك يُرضي غرور الطاغية فيخفّف عنه أو يعفو، فوجد فيه الإخوان الأسوة الحسنة فما تخلوا لا عن الصبر ولا عن الدعوة بل حولوا السجون-رغم القسوة الفائقة والتضييق المتواصل- إلى محاضن للتربية والعبادة وتحصيل أنواع العلوم، ومما يرصّع جبين الأستاذ الهضيبي-رحمه الله- تمسّكه بأصول الجماعة رغم شراسة الخصم وقسوة الظرف، وقد قابل الغلوّ الفكري الناتج عن التعذيب الوحشي للمعتقلين الأبرياء بأبحاثه العقدية المتميزة التي جُمعت في كتاب "دعاة لا قضاة" وأبان فيها عن التمسّك بعقيدة أهل السنّة والجماعة الرافضة لكل انحراف فكري أو تطرف أو غلوّ (كما حدث بالفعل بعد ذلك من بعض من خرجوا عن منهج الجماعة)، وهذه شجاعة لا يقدر عليها إلا مثلُه رحمه الله.
ويشاء الله تعالى أن يتوفى عبد الناصر ليخرج بعد ذلك الإمام الهضيبي من السجن ويجدد له الإخوان البيعة ويلتقي برموزهم في موسم، الحج حتى إذا اطمأنّ على أن الإخوان بخير، لم يمسسهم سوء، ثابتون على العهد مقبلون على إحياء نشاطهم جاءه الموت فأسلم روحه لبارئها صبيحة يوم 14 شوال 1393 الموافق 11نوفمبر 1973 عن عمر بلغ 82 سنة، وقد أن أوصى أن يُدفن في مقابر الفقراء، رغم أنه سليل عائلة راقية ومرشد جماعة يزلزل ذكرُها عروش الطغاة.
هكذا لم يمت الرجل حتى أكرمه الله فرأى كيف ذهب الطغيان وبقي الإخوان، ثم أكرمه مرّة أخرى اذ جعل ابنه محمد المأمون يتبوأ منصب المرشد للجماعة في مستقبل الأيام( 2002- 2004).
ومن مواقف الاستاذ المرشد رحمه الله الطريفة ما ذكره الأستاذ محمود عبد الحليم ثم سمعتُه مباشرة من الأستاذ مصطفى مشهور عليه رحمة الله أن تشريفات الملك جاءت - في مناسبة معيّنة - بصورة كبيرة لفاروق لتعليقها في المركز العام للإخوان، فطلب المرشد أن يتولّى هو أمرها، ولم يرَها بعد ذلك أحد، حتى دخل الأستاذ عبد الحكيم عابدين رحمه الله مرة دورة المياه في بيت المرشد ليتوضأ فوجد الصورة مرمية هناك.
يكفي ان أختار من أقواله هذه الكلمة الشهيرة": أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم" ، و قد قرأتُ أن الشيخ الألباني رحمه الله علّق عليها بقوله : "كأنها من وحي السماء"
. عبد العزيز كحيل