فجـوات أدبـيـّة : محمود أسد
محمود أسد إذا عرفنا العلاقة القائمة بين المبدع والمتلقي فإننا نتوصَّلُ إلى أمور وظواهر مَرَضِيَّةٍ ، لا ترضي أحداً ، وليست لصالح الحركة الأدبية والأدباء . فالأدب إبداع وبوح وإحساس . ولكن لا تكتمل صورتُهُ وقيمته إلَّا بقارئ متذوِّق مقدِّرٍ لقيمةِ النص الأدبي مهما كان جنسه وشكله . لأن الوردة العطرة يفوح أريجها أينما وضعت . فالأدب يحتاج لتربة خصبة ومناخ ثقافي سليم.. ـ إنَّ العلاقة بين الأديب والقارئ يجب أن تكون متينةً وعميقة وحميميَّةً كما عرفناها سابقاً بين العقاد وقرَّائه ، والمنفلوطي ومحبِّيه وط
- 25 مارس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
محمود أسد
إذا عرفنا العلاقة القائمة بين المبدع والمتلقي فإننا نتوصَّلُ إلى أمور وظواهر مَرَضِيَّةٍ ، لا ترضي أحداً ، وليست لصالح الحركة الأدبية والأدباء . فالأدب إبداع وبوح وإحساس . ولكن لا تكتمل صورتُهُ وقيمته إلَّا بقارئ متذوِّق مقدِّرٍ لقيمةِ النص الأدبي مهما كان جنسه وشكله .
لأن الوردة العطرة يفوح أريجها أينما وضعت . فالأدب يحتاج لتربة خصبة ومناخ ثقافي سليم..
ـ إنَّ العلاقة بين الأديب والقارئ يجب أن تكون متينةً وعميقة وحميميَّةً كما عرفناها سابقاً بين العقاد وقرَّائه ، والمنفلوطي ومحبِّيه وطه حسين ومتابعيه . فهلْ وطَّدَ أدباؤنا المعاصرون هذه العلاقة ؟ وهل أمسكوا بهذه العصا السحريَّة التي تشدُّ جمهور القراء إليهم ؟ وهل صنعوا جيلاً من المتابعين المتلهِّفينَ لأيِّ عمل جديدِ لهم أو لأي حديثٍ معهم ؟..
ـ مِنْ جديد أتساءَلُ : هل كانت المعارك النقدية والأدبية التي انطلقت في النصف الأول من هذا القرن بين النقاد والأدباء خيراً أم شرّا ؟ .
هل كانت المعارك النقدية بين العقاد والمازني من جهة وبين أحمد شوقي وأنصاره من جهة ثانية ، أو بين طه حسين المتسلِّح برؤية نهضوية غربية من جهة وبين أنصار التقليد والمحافظين كالرافعي من جهة أخرى بادرةَ خيرٍ وتطورٍ لأدبنا ولقرّائنا ؟ فأين المعارك النقدية في وقتنا الراهن ؟ تلك المعارك التي أرى فيها استمراراً ويقظة وحياةً للأدب .. أين تقبع هذه المعارك ؟ ومَنْ يرصدها لنا ؟ ومن يتصدَّى لها ؟ ! ..
ـ في وقتنا الراهن المليء بالفجوات والحفر والهموم من المفروض أن يكونَ الأدب لساناً ناطقاً وراصداً حرّاً . فهل تمكَّنَ الأدبُ من خوض غمار هذه الفجوات ؟ وهل شَمَّرَ عن ساقيه وخاض في وحولها ؟ أم أنه لا يزال يبحث عن الحداثةِ والرمزِ والأسطورة وعن كرسيٍّ في مقهى أو صورةٍ تلفزيونية . وربَّما ينتظر طَفْرَةً جديدةً ليكون داعية لها .
ـ وهناك أمرٌ هام يطفو على الساحة الأدبية التي لا نرى فيها أديباً صغيراً . فكلُّ أدبائها فرسان وكبار . يكبرون من أول عمل ينشر لهم في صحيفة أو مجلَّةٍ ونحن ندرك ظروف النشرِ وحساباتها في أكثر الأحيان .
وهذا مرضٌ خطيرٌ يُشَكِّلُ ظَاهرةً مرضيَّةً تنعكسُ بالأذى والسوءِ على الأسرة الأدبية والعملية الإبداعية التي لا بدَّ من كبير خبيرِ فيها ومن صغير ناشئ يَسْتَلْهِمُ ويتكوَّنُ . ويخطو دون قَفْزِ سلَّمِ الأدب . فالطريقُ إلى الإبداع شاقُّ . ويحتاج إلى التريُّث والمطالعة والمواظبة . هذا في حال وجودِ أديب ناقد خبيرٍ . لديه الاستعدادُ بمدِّ يدِ العون يبحث عن المبتدئين ويفتحُ صدْرَهُ متسامحاً لهم . ينظر إليهم بعطف وودٍّ فينزل إلى فسحاتهم وأماكنهم بعيداً عن برجه العاجي وعن هالتِهِ الأكاديميَّةِ .
فهل فهم أدباؤنا هذه الحقيقة الجوهرية ؟ يقيني أنهم لم يلتفتوا إليها ، ولم يعطوها حقَّها .
ـ أرى العلاقة بين القارئ والمبدع واهنةً . وتكاد تنقطع . وهذا يعود للإشكاليات الأدبية ، والطروحات المتجدِّدة التي لم تُبْنَ على قاعدة ثابتة واضحة . فالدعوات المتكرِّرةُ والتي لا تنتهي من حداثة وتحديث الحداثة والعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والالتزام والإلزام والغموض والمباشرة ، بالإضافة إلى المهاترات والتخلِّي عن أدبيَّات الأدب وفَصْلِ الأدب والإبداعِ عن السلوك .. هذه القضايا جَعَلَتِ القرَّاء يَعْزفون عن القراءة والمتابعة لأنَّهم يريدون مادة قريبة من همومهم ومشاكلهم . تعرضُ آمالَهم وتهذِّب نفوسهم .
فأين يضع أدباؤنا أرجلهم من هذه المشكلة ..؟!
ـ كان الشعر في يوم من الأيام ولعهدٍ قريب اللِّسانَ الناطقَ للمثقَّفِ العربي والمنبرَ الحرَّ للجماهير والأدباء . فلماذا هذا الانحسار لدوره ؟
فلننظُرْ إلى خارطة الشعر والشعراء المبدعين لنرى عدداً معدوداً لا يتجاوز أصابع اليد . فهناك قطيعةٌ بين الشعراء وقرائهم وربَّما بينهم وبين أنفسهم عندما لا يستطيعون تحديد هِوِّيِّةٍ شعريَّةٍ متميزة ..
فلا نسمع إلاّ ألغازاً ووَهَنا فكريّاً ولغويّاً بحجَّة الواقعيَّة ومشاكلةِ الواقعِ والتجديد . فهل توقَّف الشعراء عند هذه المشكلة وراجعوا حساباتهم ليعيدوا وَهَجَ الشعر بعد ضموره وتألُّقَهُ بعد شحوبه؟!.
ـ إنَّ الشارع الأدبي مليءٌ بالتُّرَّهات الأدبية والأساليبِ الخاطئة التي جعلَتْ أدباءَنا في وادٍ ونقَّادَنا في وادٍ آخر . وكلُّهم في وادٍ متشعِّبِ السراديب . يبحثون فيه عن قضيَّةٍ أدبيَّة أو فكريَّةٍ على مائدة في (( كازينو )) أو في مقهى خمسة نجوم أو مائدة فيها مالذَّ وطاب من الطعام والشراب ، سرعان ما ينتهي هذا النقاش في أخر الليل ويُنْسَى ما قيل وبُحِثَ في اليوم التالي .
ارحموا هذه الجماهير . وتقرَّبوا منها مُرَ مِّمين الحفرَ والفجوات . فَمَنْ يَمْلِكُ الجُرْأةَ ويعلِنُ الخطوة الأولى للسيرِ في الطريق الصحيح . فكونوا أكثر قرباً والتحاماً من الشعب الذي لا يزال مقدِّراً الموقفَ الصادقَ و الكلمة الجميلةَ الموحية . تأسُرهُ الكلمةُ العميقةُ في معناها والجميلةُ العذبةُ في صياغتها . يفرِّقُ بين أديبٍ مهرِّجٍ دَّجاَّلٍ وببين أديب صادق يعي ما يقول . فهل فكَّرْتُمْ ياسادتي؟ وهل اتخذْتُمْ موقفاً ممَّا يجري ؟ وهل فَتَحْتُمْ أعينَكُمْ وأجريتم حساباً لما تفعلون وتقولون؟.
ـ وما أكثرَ الحفرَ التي تعترضُ سبيلَنا ! وما أعمقَها ! ونحن نسمَعُ ونقرأ في كلِّ يومٍ عن اكتشافِ سرقةٍ أدبيَّةٍ لباحثٍ كبيرٍ ولشاعرِ معروف . وكأنَّ السرقةَ ما عادتْ تُخْجِل أحداً ولا تقفُ في وجهها المنابر الثقافية .
فكم من مادةٍ نشرت في أكثر من مكان . وكم من مكان استوعَبَ المقالةَ لأكثر من مرَّةٍ . وكم من لقاءٍ أجراه الأديبُ مع نفسه ونشرَهُ باسم مستعارٍ .والجعْبَةُ مليئةٌ بالحفر والفجوات وما زال البحثُ مُسْتمرّاً حولَ صيغةٍ جديدةٍ وأسلوبٍ جديدٍ يكشفُ العملةَ الجيِّدةَ من العملةِ الرديئة ..