نصوص
"فاستخف قومه فأطاعوه": محمد أوراغ
"فأما الآن فلست أبتغي شيئا إلا أن أفهم كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم أن يتحملوا طاغية واحدا لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته. إنه لأمر جلل حقا، وإن انتشر انتشارا أدعى إلى الألم منه إلى العجب، أن ترى الملايين من البشر يخدمون في بؤس -وقد غلت أعناقهم- دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر، بل هم فيما يبدو قد سحرهم وأخذ بألبابهم مجرد الاسم الذي ينفرد به البعض.
- 2 ديسمبر 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
"فأما الآن فلست أبتغي شيئا إلا أن أفهم كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم أن يتحملوا طاغية واحدا لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته. إنه لأمر جلل حقا، وإن انتشر انتشارا أدعى إلى الألم منه إلى العجب، أن ترى الملايين من البشر يخدمون في بؤس -وقد غلت أعناقهم- دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر، بل هم فيما يبدو قد سحرهم وأخذ بألبابهم مجرد الاسم الذي ينفرد به البعض. كان أولى بهم ألا يخشوا جبروته، فليس معه غيره، ولا أن يعشقوا صفاته فما يرون منه إلا خلوه من الإنسانية ووحشيته. إن ضعفنا نحن البشر كثيرا ما يفرض علينا طاعة القوة ونحن محتاجون إلى وضع الرجاء في الإرجاء ما دمنا لا نملك دائما أن نكون الأقوى" .
هذه الفقرة مأخوذة من كتاب "مقالة في العبودية المختارة" "Discours sur la servitude volontaire" وهو كتاب صغير الحجم، قليل الصفحات، لكنه عظيم الفائدة وبليغ المعنى. يظن قارئه أن صاحبه معاصر يتابع قضايا الحاضر ويتحسس مشكلاته وآلامه، ويفاجأ حينما يعلم أن النص يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر الميلادي. كتبه قاض ومفكر فرنسي اسمه اتين لابويسيه Etienne de la Boétie (1530م-1562)، وعمره آنذاك ثماني عشرة سنة، لم يعمر طويلا لابويسيه إذ توفي وعمره لا يزيد عن 32 سنة وكان ذلك عام 1562. ويعتبر هذا الكتاب أحد أهم وأشهر النصوص السياسية في التاريخ الأوروبي. كثير من المؤرخين يقولون إن هذا الكتاب هو الذي مهد للثورات في كل أوروبا لاسيما الثورة الفرنسية، بل يعتبرونه ميثاق عمل. ولا يزال حتى اليوم يحظى الكتاب باهتمام منقطع النظير من طرف المشتغلين بالفلسفة السياسية والاجتماعية.
يتناول "أتين دي لابويسيه" في هذا الكتاب موضوع الاستبداد والخنوع، فقد قام المؤلف بتفكيك مذهل لآلية الطغيان حتى اعتبره بعض المحللين أهم ما كتب في تحليل الاستبداد.
صحيح أن أتين دي لابويسيه حمل على الطغاة حملة شعواء وأدانهم إدانة قوية، لكن إدانته للأفراد والشعوب كانت أشد وأقوى، لأنهم هم السبب الرئيسي في صناعة الطاغية يقول المؤلف
"الشعوب إذن هي التي تترك القيود تكبلها أو قل أنها تكبل نفسها بنفسها ما دام خلاصها مرهونا بالكف عن خدمته (أي الطاغية)، الشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه، ويشق حلقه بيده. هو الذي ملك الخيار بين الرق والعتق، فترك الخلاص وأخذ الغل" .