نصوص

غضب في جنيف

العجمي الوريمي أرسلت إليّ إحدى الأخوات من سويسرا رسالة، بعد استفتاء يوم الأحد 29 نوفمبر حول منع بناء المآذن على الأراضي السويسرية، تعبّر فيها عن صدمتها واستيائها من نتائج هذا الاستفتاء، وهي تعكس شعور آلاف المسلمين المقيمين بسويسرا، وتعبّر عن موقفهم من تنامي العداء تجاه الجالية الإسلامية، تشير فيها إلى ضرورة مراجعة خيارات المسلمين في أوروبا، إذ ذهبت نتائج الاستفتاء بالكثير من الآمال العريضة في أن يتغلّب منطق التّعايش والوئام والاحترام بين الأديان والثقافات والقوميّات والأجناس على منطق العداء والا

0
9 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

العجمي الوريمي 
 
أرسلت إليّ إحدى الأخوات من سويسرا رسالة، بعد استفتاء يوم الأحد 29 نوفمبر حول منع بناء المآذن على الأراضي السويسرية، تعبّر فيها عن صدمتها واستيائها من نتائج هذا الاستفتاء، وهي تعكس شعور آلاف المسلمين المقيمين بسويسرا، وتعبّر عن موقفهم من تنامي العداء تجاه الجالية الإسلامية، تشير فيها إلى ضرورة مراجعة خيارات المسلمين في أوروبا، إذ ذهبت نتائج الاستفتاء بالكثير من الآمال العريضة في أن يتغلّب منطق التّعايش والوئام والاحترام بين الأديان والثقافات والقوميّات والأجناس على منطق العداء والاستعلاء والتمييز والتّعصّب والعنصرية.
عندما وقعت حادثة الرّسوم الكاريكاتيريّة المسيئة للرسول محمّد صلى الله عليه وسلّم، دعا الشّيخ القرضاوي إلى يوم غضب، وقال إن من حقّ الأمّة الإسلاميّة أن تعلن احتجاجها وتعبّر عن غضبها.
وكما خرج الآلاف في أنحاء عديدة من العالم في مظاهرات للتّنديد بالمجازر الصهيونية في حقّ الشعب الفلسطيني في غزّة.. شذّ البعض فأدانوا الضحيّة عوضا عن جلاّدها بدعوى أنّ المقاومة تصرّفت بتهوّر ولا مسؤوليّة، وأنها التي جرّت العدوان على شعبها، وحين انتصرت أرادوا سرقة انتصارها.. شذّ آخرون فدافعوا عن صاحب الرّسوم بدعوى أنّ ذلك يدخل في باب حرّيّة التعبير، خالطين بينها وبين إيذاء مشاعر الآخرين والتّشريع لجعل قسم من الإنسانيّة موضوعَ استهزاءٍ من طرف قسمٍ آخر يحتكر معايير الخير والحقّ والجمال دون سندٍ أخلاقي قيمي معياري موضوعي ومقنع.
إنّ التّصويت لصالح منع بناء المآذن في سويسرا مثله مثل الرّسوم الدنماركية يحتاج إلى وقفة وإلى يقظة.. فالنّموذج الديمقراطي الغربي في شكله السويسري المتقدّم هو بصدد الانحراف إلى هذه الهتلريّة الجديدة.. فلسفة القتل الثّقافي الرّحيم، فبعد أن لم يعد بالإمكان تكرار الهتلريّة على نطاق واسع، يعمد اليمين إلى إيجاد تطبيقات لها على مساحات محدودة لكنّها خطرة لأنّ شرّها خفيّ على الغافلين، وإذا كانت الهتلريّة شرّا مطلقا منفلتا من عقاله ينشب أنيابه في اللّحم الحيّ فإنّ الهتلريّة الجديدة ردّة مظلمة تلقي بظلالها على مساحات الحريّة فتقلّصها إلى حدّها الأدنى، فهي عداء يلتهم الاختلاف وهويّة تطحن الآخر.
قالت الأخت المسلمة في رسالتها: "إنّي أصبحت أرى العداء في نظرتهم إلينا وفي نظرتهم إلى المرأة المحجّبة بالذّات"، وما يؤكّد تلك العدوانيّة أنّ الملصق الإشهاري الدّعائي لليمين العنصري يتمثّل في أربع مآذن خلف وجه امرأة يغطّي رأسها ويخفي وجهها نقاب.. إنّ هذا الملصق وحده يمثّل اعتداءً على الإسلام وعلى المسلمات وتكريساً للصّورة النّمطيّة عن المسلمين وعن دينهم.. الصّورة التي تمّ التقاطها بعيون غشّاها الحقد وتمّ تحميضها في مخابر الاستشراق وتركيبها بعناية إعلام مصاب بعقدة التّفوّق وبالجهل بحضارة الآخر وسموّ رسالته.
وفي كتابه "مستقبل الطبيعة الإنسانيّة" يذكر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أنّ العلمنة ستظلّ مشروعا ناقصا، وأنّها لن تكتمل دون مساواة بين ذوي المرجعيّة الدّينيّة وذوي المرجعيّة غير الدّينيّة.. ولأنّ العلمانيّة تحوّلت إلى لادينيّة فإنّها كشفت عن حدودها وعجزها عن أن تكون إطارا سياسيّا يستجيب إلى مقتضيات المجتمع الحديث.
إنّ نتائج الاستفتاء حول بناء المآذن في سويسرا يدلّ على أنّ الثّلمة المشار إليها في المثال الدّيمقراطي العلماني آخذة في الاتّساع، وأنّه لا يسير نحو الاكتمال بل نحو الأزمة، وأنّ هذه الأزمة تمدّ بجذورها إذا ما استأنسنا بفلسفة الفيلسوف الفرنسي لفيناس في "الرّفض الرّاديكالي الخالص لكلّ ما يشكّل الحلف الإنساني القائم على احترام الآخر والشعور بالمسؤوليّة تجاهه ومنحه الأولويّة".
الصّدمة من نتيجة الاستفتاء لم تحصل للمسلمين وحدهم، ومواقف الاستياء والإدانة جاءت من شتّى الأطراف ومن كلّ أنحاء العالم بدءا من الأساقفة السويسريين إلى الفاتيكان فالأمانة العامّة للمؤتمر الإسلامي ومفتي الدّيار المصريّة والعديد من المراجع الدّينيّة والعلماء من أمثال السيّد محمد حسين فضل الله إلى المنظّمات الإسلاميّة والإنسانيّة ومنها منظّمة العفو الدّوليّة التي رأت في نتيجة الاستفتاء انتهاكا لحريّة المعتقد، إلى جانب موقف رئاسة الاتحاد الأوروبي التي استغربت طرح الأمر للاستفتاء أصلا، فموقف وزير خارجيّة فرنسا برنار كوشنير الذي قرأ في النتيجة المعلنة تعبيراً عن عدم قبول الآخر.
ويمكن للديمقراطيّة المباشرة -حينما يُساء استخدام آليّاتها ومنها الاستفتاء- أن تتحوّل إلى نوع من الاستبداد الدّيمقراطي وشكل من أشكال دكتاتوريّة الأقليّة.. ويكون الاستبداد مضاعفا عندما يكون في حقّ أقليّة دينيّة تقهرها أقليّة مُغايرة متوسّلة إلى ذلك بقنطرة الأغلبيّة. إنّ اللجوء إلى الاستفتاء غرضه فرضُ وضع لا رجعة فيه بعد أن أصبح وجود المسلمين واقعا راسخا في الحياة السويسرية المعاصرة، وبعد أن صار الإسلام حقيقة ثقافيّة وعامل إثراء ولم يعُد عنصرا دخيلا، إذ إنّ المسلمين في أوروبا أوروبيون بمواطنةٍ منقوصة من جهة الحقوق كاملة من جهة الواجبات، ومن حقّهم أن يأملوا وأن يُطالبوا بمساواة كاملة، فشرائح واسعة منهم تنتمي إلى النّخبة فما بالك بمن هم اليوم أوروبيّون بالمولد لا بالإقامة فقط وهم ينتمون إلى الأمّة الإسلاميّة برابطة العقيدة ليس أكثر.
إنّ الديمقراطيّة في بلداننا العربية والإسلاميّة ما تزال نبتة غريبة ولكنّها في الغرب حديقة مزهرة ظنّ المسلمون الذين هاجروا بدينهم أو طلبا للعلم والرّزق أنّهم سيتفيّؤون ظلالها لا يُنغّص حياتهم المطمئنّة حاقد أو متعصّب طالما أنّهم لا يحملون لبلد الإقامة غير الخير والسّلام، وبمقدار صدقهم في حسن المعاملة وإيمانهم بضرورة العيش معاً كانت خيبة أملهم في من جابَهَ حقَّهم في حريّة الاعتقاد والعبادة بالمصادرة والمنع.
إنّ الديمقراطيّة نضال يوميّ، ولا بدّ لمن ارتضاها مضمونا لنظامه السّياسي أو آليّة لتنظيم اختلافاته أن يقبل بثمراتها حلوها ومُرّها، أمّا أن يرفض دكتاتوريّة الأقلّيّة وإن كانت بستار الديمقراطيّة فليس معناه أنّ العيب فيها أو أنّ الخطأ في الالتزام بها، بل في توظيف ممكناتها بما يُنافي مبدأها وروحها ومقاصدها، وكما أكّد المفكّر وعالم الاجتماع الفرنسي آلان توران فإنّ الديمقراطيّة تُقاس بمقدار ما تسمح به من التنوّع وليس بما تُفرزه من أقليّة أو أغلبيّة فالأغلبيّة لا تصنع حقّا أو تدلّ على الصّواب وإنّما تدلّ على أنّ رأيا ما أو موقفا أو برنامجا أو شخصا أو مترشّحا.. له من المناصرين والدّاعمين في لحظة التّصويت قوّة عدديّة أكثر أو أقلّ، فرجحان الكفّة مؤقّت حتّى وإن بدا وكأن لا رجعة فيه، فهو مؤشّر على ميزان القوى "الآن وهنا".
لا أقول ذلك كي تجد فيه الجالية المسلمة في سويسرا وغيرها عزاءً وتسليةً، وإنّما يقينا منّي بأنّ في هذا التحدّي حافزا إضافيّا للمسلمين لمزيد التألق والتّضامن، فالأقليّة اليمينيّة العنصريّة كسبت جولة لا محالة، لكن من تكون هي حتّى تُطفئ نور الله أو تُصادر مستقبل هذا الدّين. إنّ غضب المسلمين في سويسرا ممّا يستشعرون أنّه استهداف لوجودهم وحرّيّتهم وهويّتهم في حاجة إلى أن يجد صدى في ضمير الأمّة الإسلاميّة المٌطالبة بإعلاء صوتها باسم الإيمان والإخاء الإنساني لشجب نزعات الإقصاء والانغلاق والأنانيّة والكراهية والدّعوة إلى كلمة سواء وعهد حضاريّ إنسانيّ يُعيد الطّمأنينة والوفاق والاحترام لمن ينشدها ويستحقّها.

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©