نصوص

غراب يرشد قابيل إلى كيفية الدفن

ماذا لو...؟؟ تتهافت الشخصيات الاعتبارية والدبلوماسية إلى زيارة تونس هذه الأيام . ولعل جلهم كان من الغرب الأروبي وثلة من الأمريكان . فبعد فيلتمان، وبيرنز ، وجون ماكين وجوزيف ليبرمان ، تزورنا كلينتون . ويبدو أن جزءا من الشارع قال كلمته . والغريب أننا لم نشهد الذين ندّدوا بزيارة يوسف القرضاوي في مناسبة تتبناها الأيسيسكو لما اعتمدت القيروان عاصمة إسلامية . ولو خرج هؤلاء بالأمس لأمكن لنا أن نقول إن الجمع محايد ، وهم كزيتونة لا شرقية ولا غربية . فها هم لا يريدون غيبيّا ولا يريدون وضعيّا وهم وسط ولهم آ

0
19 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ماذا لو...؟؟

تتهافت الشخصيات الاعتبارية والدبلوماسية إلى زيارة تونس هذه الأيام . ولعل جلهم كان من الغرب الأروبي وثلة من الأمريكان . فبعد فيلتمان، وبيرنز ، وجون ماكين وجوزيف ليبرمان ، تزورنا كلينتون . ويبدو أن جزءا من الشارع قال كلمته . والغريب أننا لم نشهد الذين ندّدوا بزيارة يوسف القرضاوي في مناسبة تتبناها الأيسيسكو لما اعتمدت القيروان عاصمة إسلامية . ولو خرج هؤلاء بالأمس لأمكن لنا أن نقول إن الجمع محايد ، وهم كزيتونة لا شرقية ولا غربية . فها هم لا يريدون غيبيّا ولا يريدون وضعيّا وهم وسط ولهم آراؤهم . وساعتها نعتز بثباتهم في تربة وطنهم وتمسكهم ببصمتهم دون الانجذاب إلى أية جهة . لكن العشق فَضَّاحٌ والهوى غلاَّبٌ و"الطْبِيعَة تغلب الرْبَايَة" . ولعل الظرف الذي هندسته الحكومة المؤقتة شوّش الرؤية تشويشا مدروسا ومقصودا . إذ تمكنت من كشف تركيبة "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي " ، ليتزامن ذلك مع زيارة السيدة هيلاري , فيهتم المنشغلون بالكعكة ، وتسقط المواقف من ربيبة البيت الأبيض ، وتمر الزيارة بسلام . وهذا ما كان . وهذا التداخل يحتم علينا تفكيك المشهد أولا للتبسيط . ومن ثمة يعاد التركيب والترتيب . والحال أن المشهد مركب بطبعه.
أولا : علوية الهيئة : جاءت هذه التركيبة مرمزة من حيث العدد : فأن تتكون من 12لممثلي الأحزاب ، و15للهيئات والمنظمات ومكونات المجتمع المدني ، و42 شخصية وطنية . وتكون المحصلة 69، ويقرأ الرقم كذلك : 27 مقابل 42. وإن كان عدد ممثلي الطرفين السابقين يثير التساؤل ، فإن تمثيلية الشخصيات الوطنية هو الإشكال الأكبر . فلم أعطي الزخم كله لهذه الشريحة ؟! أم أن من عيّنهم ينتظر التصويت ، وضمان الأغلبية. ودون القدح في هؤلاء الناس يطرح السؤال التالي : من تمثل هذه الشريحة ؟ فجلها من مخبر الإسلاميات التطبيقية . فهل نحن الآن بصدد قراءة نص تراثي ؟؟ وإن كان الأمر كذلك ، لم غاب نصر حامد أبوزيد ، ومحمد أركون ، وسلوى الشرفي ، ورجاء بن سلامة ، وعبد الله العروي حتى يكون مشغلا جامعيا بامتياز!!! وهذا الموقف ليس صادرا من رؤية الإيديولوجيا ، بل من فهمي لطبيعة عملهم ، اتفقنا معهم أم اختلفنا . فما سر تنصيبهم؟؟ والحال أن جلهم من مدرسة واحدة . مع التأكيد على احترام مباحث هؤلاء ، وتوجهاتهم الفكرية . فتمثيلية هذه الهيئة في شق الشخصيات الوطنية يبدو وكأننا أمام ندوة أكاديمية فكرية تسعى إلى أن تغطي كل ألوان الطيف الفكري لليسار التونسي دون غيره . مع ندرة الاستثناءات . فبم يفسر المنصبون هذا ؟؟ وهذه الشخصيات لوتوزعت جغرافيا بحسب تركيبتها ، نرى أن جلها لا تتجاوز حدود العاصمة والساحل . فأين بقية الجهات المنكوبة؟ وهنا ستنطلق الألسنة بأنني جهوي قديم من عهد العكري . صحيح ما يقال . لكنني لا أدافع عن جهة بعينها ، بل أقصد الرغبة في أن تشمل القائمة كل الجهات . ثم من جهة أخرى نرى أن القائمة الأخيرة تكرر ما سبق ، وأن ما شملته منظمات المجتمع المدني ، أو الهيئات والمنظمات ( كالمحامين والإتحاد العام التونسي للشغل أو النساء الديموقراطيات) - والحال أن عائلة بن عاشور وحدها مثلها فردان : رئيس ورئيسة جمعية - فبم يفسر هذا التكرار والإعادة ؟ وإن كان الأمر كذلك ، فلم لم نجد تمثيلية منفصلة للفلاحين ، والتعليم ؟ أم أن المجتمع التونسي كله ثقفوت ، وشوارعه منابر ، وساحاته كلها "أغورا" للفكر وتفصيلاته!!
ثم هؤلاء المثقفون الذين اعتبروا شخصيات وطنية - مع احترام ذواتهم - هل كانوا أيام الثورة في الشوارع ، أم سارعوا قبل أن تحتدم إلى شبابيك الصرف الآلي بجدران البنوك لسحب ما يحمون به أنفسهم من ضوضاء الشارع ولغط الرعاع ؟؟ ثم ألم يكن بعضهم مع السيد الرئيس لرفع التحديات وقد رفعوها فعلا!!
ومن ناحية رئاستها ، يبدو أن الجماعة متشبثة بالسيد عياض بن عاشور ، ومستميتة مع القول إن الرجل مفكر وشريف وصادق ورفض العمل مع بن علي لصدق مبادئه . لكنه يسقط بين الفينة والأخرى في البوح بما يريد . والحال أن الحيادية يجب أن تكون مفروضة عليه . لأنه مكلف بعمل سيخضع للتشاور والنقاش . فأن يقترح نظاما معينا ، أو يبين ميله لريجيم معين ، فتلك هي الطامة . هذا بالنسبة إلى تركيبتها الحالية ، والتي خلت من تمثيلية الشباب ، والمرأة الريفية ، وحضور النفس المديني ، دون اعتبار أن الريف مكون أساسي . والثورة قامت لرفع الغبن . وإلى الآن لم نر موقفا صريحا للأحزاب التي تقول أنها منحازة للشعب ، هذا من ناحية الهيئة فما حال الزيارة؟
ثانيا : ما تعلق بزيارة السيدة كلينتون ، وجب أن نقول إن كل دولة تحتاج إلى الانفتاح على محيطها الإقليمي والقاري والدولي . ونحن لسنا ضد التعاون من حيث المبدأ. بل بالعكس تونس في أمسّ الحاجة إلى من يساعدها ويتعاون معها. بل الاعتراض يخصّ الشخصية التي تمثل الإدارة الأمريكية . مع التمييز الواضح بين الموقف من السياسة والشعب . علما وأن إدارة أوباما كان موقفها من أحداث تونس أفضل من غيره . فكلينتون هي من تهندس مأساة الشعب الفلسطيني منذ مدة . وهي من تسهر على أمن الكيان الصهيوني دون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني . وهي من تشرف على عمليات إبادة الأبرياء بباكستان وأفغانستان . قد يقول "المعتدلون" هم يستحقون جزاء إرهابهم . فنقول لهم إن حرية الإنسان وحقوقه كلية لا تتجزأ ، وحتى من أجرم فالقانون يقتص منه دون غيره . ولكن هيلاري حولت المحاكم إلى طائرات دون طيارين . وهذه هي شرعة الغالب على المغلوب . فأين الأصوات التي توضح هذه المظالم دون النظر إلى معتقد الإنسان ؟ وإن كانت أمريكا حازمة في هذا الأمر، فلم لا تحارب العنصرية البيضاء بكل ولاياتها ؟ ولم لا تحارب روسيا القوزاق المتطرفين وفرنسا جبهة العنصريين المناوئة للمهاجرين وكل الحركات العنصرية المتطرفة في هولندا وأوروبا ؟؟ أم أن تقدميينا لا يرون إلا بعين واحدة ، مع الاتفاق أولا أن كل تفريق مرفوض ، وكل تعصب مردود . فأين هم من سيدة الخارجية الأمريكية ؟ ولم لم نسمع أصواتهم ؟! هذا من ناحية الذين ملؤوا الدنيا عويلا للائكيات مزعومة وعَلمانيات لا يفقهون منها إلا الغرائزية المتحللة والعداء لمعتقد الناس هويتهم . علما وأن هذه الأصوات هي نفسها التي كانت تتمتع بالأمن والأمان كما تقول "صوفية صادق" في زمن بن علي ، وقبله بورقيبة ، وفرنسا قبل الكل . فالبعض يسير في الركب لا يفقه مما يدّعي إلا حرية العلائق و"التبزنيس" في مفهومه العاطفي لا التجاري المالي . ولكنهم مع هيلاري بلعوا ألسنتهم . ومن طيبتها لم تحرمهم من وجهها الصبوح . إذ أنها زارت نصب الجندي المجهول "قناة نسمة" . فما السر في هذا الصندوق العجيب دون غيره من الصناديق الموجودة ببلادنا؟؟؟
وما دمنا نتحدث عن الإعلام وجب أن نتحدث عن الصحافيين الذين انتظروا كثيرا لكنها لم تشرفهم بحضورها . علما وأن البعض جهز حاله ، وتمنى حلم العمر، وبعضهم استلف حذاء لامعا ليظهر بمظهر أنيق لا ليضرب به كـ "منتصر الزيدي". مع أنني لا أوافقه الرأي فيما فعل . ومن إعلامياتنا من أنفقت نصف مرتبها لتصفيف شعرها حتى تظهر تقدميتها أمام سيدة الخارجية الأمريكية . فلم كل هذا التهافت ؟ ولِمَ نمحو ذواتنا ونصغرها ونجعلها قرابين على مذابح من يعتبروننا أنصاف بشر!!!
أما بخصوص قناة "نسمة" فهي قد خصتها بزيارة عفوية ، لأن الثورة كذلك عفوية . خصوصا وأن هذه القناة تمثل نبض الشارع منذ أن عرضت الفيلم ذا البطولة الصهيونية، الذي تحدث عن حياة صدام حسين . وهي كذلك تلتصق بهموم الشارع بكل تفاصيلها : فرعاة الإبل في قبلي ، وتجار الشنطة في أسواقنا الأسبوعية ، ومنانة الأرملة ، وبوزيان الهجال وبوجمعة الحفيان كلهم ناشدوها أن تتحدث يوميا عن اللائكية وفصل الدين عن الدولة . لأن الدولة امتلات بالطاقة والدين "شارجار" قديم ويستهلك الطاقة كثيرا ، وصرنا لا نحتاجه. وبهذا تكون هذه القناة قد قتلت في زعمها تاريخا مقبولا ، وبهذا تصبح هي "قابيل" والهوية المستهدفة "هابيل" وعجزت على أن تواري سوأة أخيها فمر الغراب ليبيّن كيفية الدفن . وبذلك يبدأ طقس الدفن الأول بعد الثورة كبداية لتاريخ جديد تدشنه حفيدة جورج واشنطن
وابنة "الكاوبوي" الفانطازي.
وقبل أن أنهي أقول:

- ماذا لوكان الزائر : عربيا مسلما مفكرا معروفا بصلاحه وفكره هلا تنتصب له "ديموقراطياتنا" انتصابا ؟؟ - ماذا لو أن الذي فتشهم بكلابه كان من أبناء جلدتهم ماالذي سيحدث
- ماذا لووعدهم زعيم حزب ثم لم يحضر بسبب طارئ وقاهر فماذا تكون ردودهم؟؟
- ماذا لو أن الزيارة كانت لمقهور من غزة جاء يستجدي عطفا للقدس هل سيلتفتون إليه؟
مساء 18/3/2011م


جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©