عهد ما بعد الثورة في تونس/ بقلم : سامية زواغة
عهد ما بعد الثورة في تونس بقلم : سامية زواغة بعد أن هدأ حماس أيام الثورة، عادت إلى السطح ملامح اقتصاد أنهكته سنوات من الحكم التسلطي الذي قصر الثروات على طبقة معينة من الناس ارتبطت مصالحها ببقاء ومصالح الحزب الحاكم. وبعد انتصار الثورة دخلت البلاد مشوار عهد جديد بكل المعايير والمقاييس؛ لكن هل هو حقا جديد؟ المتظاهرون يبحثون عن العدالة الاجتماعية وعن وظائف وعن حياة كريمة، شريفة. يبحثون عن توزيع عادل لثروات البلاد، وعن حكم ديمقراطي إنهم يبحثون عن مجتمع مدني قوي وفعال، وعن أحزاب سياسية قوية وفاعلة، وع
- 2 أبريل 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عهد ما بعد الثورة في تونس
بقلم : سامية زواغة
بعد أن هدأ حماس أيام الثورة، عادت إلى السطح ملامح اقتصاد أنهكته سنوات من الحكم التسلطي الذي قصر الثروات على طبقة معينة من الناس ارتبطت مصالحها ببقاء ومصالح الحزب الحاكم. وبعد انتصار الثورة دخلت البلاد مشوار عهد جديد بكل المعايير والمقاييس؛ لكن هل هو حقا جديد؟ المتظاهرون يبحثون عن العدالة الاجتماعية وعن وظائف وعن حياة كريمة، شريفة. يبحثون عن توزيع عادل لثروات البلاد، وعن حكم ديمقراطي إنهم يبحثون عن مجتمع مدني قوي وفعال، وعن أحزاب سياسية قوية وفاعلة، وعن صحافة ومنظومة إعلامية تكون بمثابة منبر حر للرأي والرأي الآخر ، بشكل يمكّن مختلف فئات وشرائح المجتمع من التمتع بسوق حرة للأفكار.
وبعد سقوط النظام انكشفت النسب الحقيقية للبطالة التي اشتكت منها كل مدن تونس، وأخذت تلقي بظلالها على الاقتصاد، في حين تحاول الحكومة المؤقتة من خلال إجراءات سريعة أن تضع حلولا سريعة لهذه المشكلة. فاكتظت وكالات التشغيل بالشباب العاطل عن العمل الحالم بالوظائف والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.إلا أن ضيق الوقت جعل من هذه المطالب على معقوليتها وموضوعيتها عسيرة التحقيق بين عشية وضحاها،.لأن الأمر يتطلب وقتا أطول، لإصلاح سنوات الفساد والرشوة والمحسوبية والواسطة، وسلبيات كثيرة جدا انتشرت وأصبحت نمطا حياتيا في المجتمع.
صحيح أن الثورة وضعت حدا للفساد وسوء الإدارة والتسيير، لكن عملية الهدم ليست كعملية البناء لأن هذه الأخيرة لا تتأتى في غضون شهور؛ الأمر في غالب الأحيان يتطلب وقتا وانضباطا وصرامة وعملا ومثابرة وأخلاقا والتزاما... الخ. ويخطئ من يظن أنه بمجرد سقوط النظام ستتحسن الأمور وتسود الديمقراطية والرفاهية والازدهار والاستقرار والأمن والطمأنينة. العمل الجاد والحقيقي والشاق بدأ فعلا بسقوط النظام لقد حان الوقت للعمل الجاد للتخلص من رواسب النظام البائد الراسخ عبر عقود من الزمن.
فالمهمة تتمثل في الإصلاح والتطهير من جهة، والبناء والتشييد من جهة أخرى. والإصلاح يشمل الفرد والعائلة والمؤسسة والمجتمع ككل، كما يشمل النظام السياسي بمكوناته الهيكلية والتنظيمية والتشريعية والمؤسساتية. فالفرد يجب أن يكون ديمقراطيا في سلوكه وتصرفاته، كما يجب أن يكون مسؤولا وملتزما ومواطنا صالحا يعرف حقوقه وواجباته، ويجب أن يسأل نفسه أولا : "ماذا يستطيع أن يقدم لتونس، قبل أن يسأل عن ماذا تستطيع تونس أن تقدمه له ". فالفرد في عهد ما بعد الثورة، يجب أن يكون مسؤولا ومنظما ومؤ طرا ومهيكلا، ويشتغل وفق أطر معينة وإستراتيجية محددة حتى يوفر مستلزمات وشروط النهضة والتطور والديمقراطية الحقيقية التي يرنو إليها المجتمع في المرحلة الراهنة .
إلا أن ما نشاهده اليوم من تجاوزات في الشارع وفي محطات النقل وفي عديد الأوساط يثير الكثير من الخوف والقلق وينذر بانتشار ظاهرة الانفلات الأخلاقي يظهر ذلك خاصة في عمليات القتل والانتقام الفردي التي انتشرت هذه الأيام في صفوف العديد من المواطنين مما يضاعف فقدان الثقة بين الناس وبين المستقبل الذي يريدون بناءه فان كل بناء لا يحقق النجاح المطلوب إلا بالعمل والتضامن واحترام الآخر والمسؤولية والالتزام. والمجتمع المدني لا تقوم له قائمة ولا يسود إلا بالفرد الواعي والمواطن الصالح، الذي يعمل ويكد ويجتهد من أجل المصلحة العامة التي تعلو وتفوق أي اعتبار. ويحرص على معالجة الأخطاء والتجاوزات، وهو الذي يسهر على محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي انتشرت في عهد ما قبل الثورة .وأصبحت جزءا من الحياة اليومية للمواطن الذي أصبح يتعايش معها وكأنها شيء عادي طبيعي.
من هنا تطرح مصداقية مكونات الحكومة الانتقالية، ومدى تجاوبها مع ما يطلبه الشعب وما ينتظره من الثورة. فلا بد من الاستجابة لنبض الشارع، والعمل على تهدئة الأطراف المختلفة، والإسراع بإخراج الكثير من المبادرات، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والعمل على الشروع في تنفيذها.
فما ينتظر المجتمع التونسي حقيقة هو ثورة جذرية شاملة تعم كل الميادين وتنتزع كل السلوكيات الفردية و الأنانية البائدة التي رسخها النظام السابق . فلا ديمقراطية ولا اقتصاد قوي ولا حكم عادل ، دون تكاتف جهود وأعمال هذه الجهات الثلاث. فلا ديمقراطية دون مجتمع مدني فعال وقوي، ولا ديمقراطية دون حرية سياسية وأحزاب قوية ونشطة وفعالة، ولا ديمقراطية دون إعلام استقصائي.
أمر التغيير والتطهير والبناء والتشييد، يتطلب الوقت والعمل، ويتطلب الصبر وعدم التسرع , تحديات كبيرة في انتظار عهد ما بعد الثورة في تونس . انتهت معركة التخلص من النظام والإطاحة به، وبدأت مرحلة أهم بكثير من المرحلة الأولى، وهي مرحلة التطهير والبناء وإعادة صياغة مستلزمات وشروط الديمقراطية