عن الإخوان المسلمين
نورالدين الغيلوفي
صورة الإخوان
في الجامعة تعلّمنا أن نأخذ مسافة من الإخوان المسلمين لأمور من بينها:
1. عقدة قديمة متبادلة تضع حاجزا بين المشرق والمغرب الإسلاميَين. ويبدو أنّ عقدة مشرق/مغرب لا تزال عالقة بالأمّة منذ القرن الرابع للهجرة حين قال الوزير الأديب الصاحب بن عبّاد "بضاعتنا رُدّت إلينا" عندما اطّلع على كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربّه الأندلسيّ.
2. تأثُّرُنا ببعض مفكّري المغرب مثل الجابري والعروي وعلي أومليل الذين نظّروا لمبدأ القطيعة.. ومن وجوهها القطيعة مع المشرق "التراثي" انتصارا للمغرب "الحداثيّ". الحقيقة أنّ هذا التفكير خلفيّته فرنسيّة. فرنسا التي احتلّت المشرق والمغرب العربيّين هي التي صدّرت إليهم معنى القطيعة شرطا من شروط الانخراط في الزمن الحداثيّ.. قطيعة زمنيّة مع التراث وقطيعة مكانيّة بين المشرق والمغرب. وهكذا يظلّ العرب طائرا كسيحا ليس بين جناحيه تناسب يجعل طيرانه ممكنا.. وبهذا تحفظ الدول الكولونياليّة هيمنتها، ويبقى العرب، مشرقهم ومغربهم، مستطيعين بغيرهم.
3. الخلاف بين بورقيبة وعبد الناصر ألقى بظلاله على التيّار الإسلاميّ. وهذا قد يكون بدوره وجها من وجوه الاختلاف الذي رأته الحركة الإسلامية في تونس بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين. وبعد أن كانت تعتمد تفسير سيّد قطب "في ظلال القرآن" صارت تتّخذ "التحرير والتنوير" لابن عاشور لها مرجعا.
الدولة "الوطنية" جعلت الانتماء إليها مقدّما على غيره من الانتماءات. ألا ترى كيف أنّنا نقول عن ابن منظور وابن خَلدون إنّهما تونسيّان؟ وقد فُرض هذا الانتماء على الكافّة، من أصحاب السرديات المتجاوزة للدولة القطريّة (وهو مفهوم عربيّ خالص).. السرديات الإسلامية واليسارية والقوميّة العربيّة.
4. في كلية الآداب، في ثمانينات القرن الماضي تركنا كتب سيد قطب ومحمد قطب وفتحي يكن، وتركنا حتّى كتب علي شريعتي ومحمّد باقر الصدر الذين رافقونا في المرحلة الثانويّة، وأصبحنا نقرأ لديكارت وكانط وماركس ولينين وفرويد ودوركايم وروسّو ومونتسكيو، وأوغيست كونت وماكس فيبر وألتوسير وميشيل فوكو، والجابري والعروي وعبد الكبير الخطيبي وعلي أمليل وهشام جعيّط، دون أن يعنيَ ذلك التخلّيَ عن مرجعيتنا الإسلامية. لم نكن نرى أيّ تناقض بين أفكار هؤلاء الكتّاب وبين الإسلام الذي كنّا نطمح إلى أن يستردّ موقعه في التاريخ. لقد كنّا نرى أنّ العلوم الحديثة قابلة لأن تكون هي العلوم الوسائل التي يمكن اعتمادها لقراءة النصّ القرآني. والقرآن هو مفتاح السماء لقراءة خرائط الأرض. كانت فلسفتنا تقول "الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها".
ولقد صنع ذلك "حاجزا" بين طلبة كلية الشريعة وبين طلبة كلية الآداب رغم انتمائهم جميعهم إلى حركة الاتجاه الإسلاميّ. كنّا، نحن طلبة كلية الآداب، نرى اختلافا بيننا وبين "إخوان الشريعة". هكذا كنّا نسمّيهم. وكان من بين الحجج أنّهم يحتكمون إلى المرجعيّة الفقهيّة، بينما كنّا، نحن، نرى أنّ احتكامنا إنّما ينبغي أن يكون إلى العقل الذي نردّ إليه النصّ. الحقيقة أنّ ذلك التغيّر الذي طرأ على إسلاميي طلبة الآداب إنّما كان بفعل احتكاكهم بطلبة اليسار. كلية الشريعة كانت خالية من الطيف اليساريّ، لذلك بقي طلبتها على "إخوانيتهم".
لقد استفاد الإسلاميّون من اليسار عندما أقبلوا على قراءة مراجعهم ولكنّ اليسار ظلّوا على استعلائهم بدعوى أنّهم يحملون مشعل العلميّة. أذكر أنّني قرأت في مجلّة "أطروحات" اليسارية تصريحا لقياديّ يساريّ، نسيت اسمه، جاء فيه إن راشد الغنّوشي قرأ غرامشي الشيوعيّ وعمل بأفكاره في حين أنّنا نحن (اليسار) لم نقرأ من أدبيات غرامشي شيئا.
غير أنّ ذلك الحاجز "الفكري" بين طلبة كلّية الآداب وكلّية الشريعة لم يكن له أثر سيّء على وحدة الصفّ. كان التعدّد ضمن الوحدة.
سمعت من منتسبين إلى تيّارات أخرى أنّ قياداتهم كانوا يمنعونهم من قراءات لم يقرّروها لهم. الحقيقة أنّ حركة الاتّجاه الإسلاميّ لم يكن فيها أحدٌ يملي على أحد أن يقرأ هذا أو أن يترك ذاك. كان الفرد يعيش استقلاليّة فكريّة ولا يخضع لوصاية من أحد. بل لقد كان الطلبة الإسلاميون يتنافسون على قراءة الكتب بمختلِف أفكارها. الحرية كانت هي الخيط الناظم للعلاقات وللأفكار. كنّا نقرأ للطيب تيزيني ومحمود أمين العالم وأنور عبد الملك ولمهدي عامل ولصادق جلال العظم ولنصر حامد أبي زيد ولجابر عصفور... ولغيرهم.. وفي مقابل ذلك لم نكن نقرأ من كتب الإسلاميين الكثير. ولم نكن نرى في ذلك مشكلا.
تعديل الصورة
الآن بعد هذا الزمن الطويل يحتاج المرء إلى أن يعيد النظر في ذلك الموقف الذي على أساسه اتّخذنا تلك المسافة من الإخوان المسلمين. وعلينا أن نطرح السؤال التالي:
هل كان نقدنا للإخوان موضوعيا أم إنّنا كنّا ننقد صورة عنهم تشكّلت في وعينا من خارج خطابهم وأدائهم؟
هل كانت الأدوات التي حكمنا بها عليهم أدواتنا نحن أم هي أدوات ورثناها عن سياق فكري وسياسي أوسع منا؟
الإخوان المسلمون تشكيل اجتماعيّ سياسيّ مركّب، الإخوان الذين فشلوا في المحافظة على الربيع العربيّ هم أنفسهم الذين صنعوا طوفان الأقصى. وهم الذين دفعوا أرواحهم في حرب 1948 بينما خذلت جيوش الدول العربيّة فلسطين. ولمّا كان مصير الطوفان والربيع يكاد يكون واحدا فإنّ مخرّبيهما إنّما يستهدفون الإخوان المسلمين دون غيرهم. هؤلاء يعلمون تمام العلم أنّه يكفي استئصال التيار الإخواني بمختلف فروعه لوقف الربيع ولوأد الطوفان. وقائع التاريخ تقول إنّ قمع الدول العربية المختلفة للإخوان المسلمين كان وراءه مهندس واحد.
قد تكون أجهزة الدعاية العاملة لدى الدول العربية منذ جمال عبد الناصر إلى الآن، قد تكون نجحت في أن تضع حدّا لتيّار الإخوان المسلمين باعتماد القمع والتنكيل. ولأنها أجهزة محترفة فقد نجحت في تشويههم وذلك بإنتاج الرواية التي تقول إنّ بريطانيا كانت وراء تكوينهم، وعليه، فهم عملاء لها. ولكن مع مرور الوقت بدأت هذه الرواية تتهاوى. وأظهرت جهات مختلفة عداوتها للإخوان.
ماهي الأطراف التي تظهر عداءها الصريح للإخوان المسلمين؟
الإخوان تستهدفهم الامبرياليّة الأمريكية وتستهدفهم الصهيونية. يهاجمهم الرئيس الأمريكيّ في خطاباته ويتّهمهم رئيس وزراء الكيان الصهيونيّ في تصريحاته.
اليمين الغربيّ المتطرّف يستهدفهم ويرى فيهم خطرا عليه ويحذّر من تمدّدهم فوق الأرض الأوروبّية.
الدولة العربية العميقة بمؤسساتها الخشنة والناعمة تقطع كلّ طريق على الإخوان.
يهاجمهم الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي. لا يزال بعد أكثر من 13 سنة من استيلائه على السلطة في مصر، لا يزال يجعل منهم محورا رئيسا في خطاباته كما لو أنّه يحلم بهم ويحملهم في أحشائه.
وتهاجمهم النخب العربية اليسارية والليبرالية، ويهاجمهم توابع أنظمة الحكم العسكرية الناصرية والبعثيّة على حدّ سواء.
اليسار والناصريّون والقذّافيّون والبشّاريّون في تونس إذا أرادوا مهاجمة حركة النهضة قالوا عنها "إخوان". بل إنّ منهم من يصف كلّ من يُرى خارجا من مسجد بأنّه "إخوانجيّ".
هؤلاء الإخوان "البعبع" الذي تهاجمه الصهيونية وأتباع القوميّة العربية، من يكونون؟
هل هم صنائع الاستعمار كما تقول عنهم تقارير مصنوعة داخل أروقة المخابرات العربيّة؟
أنصدّق عداوة الصهيونية لهم أم نصدّق عداوة اليسار التونسي والمصري إيّاهم؟
أيّ العداوتين أعقل؟
الحقيقة أنّ الكولونيالية بمختلِف تجلياتها، والصهيونيةُ من تجلياتها، لا تصادق ولا تعادي إلّا على أسس مدروسة تعتمدها في الفهم وفي السياسة. وعداوة هؤلاء للإخوان إنّما هي بسبب ما تراه من خطورتهم الوجوديّة عليها. وهذا ما يفسّر دعمهم لانقلاب العسكر على الثورة والديمقراطية في مصر سنة 2013. وهو ما يفسّر سكوتهم على وأد الديمقراطية في تونس في 25 جويلية 2021.
ما الذي يعنيه أن يحذّر رئيس وزراء الدولة العبرية نتنياهو، خلال تصريحات له، من انتخاب منافسه آيزنكوت بدعوى كونه مدعوما من جماعة الإخوان المسلمين؟
ما الذي يجعل نتنياهو لا يجد ما يشوّه به منافسه غير ربط صلة بينه وبين الإخوان؟
الظاهر أنّ الإخوان يمثّلون خطرا على هؤلاء مجتمعين.. خطرا على الصهونية وخطرا على أعدائها.
يتناقض هؤلاء تناقضا جذريّا، فإن هم وصلوا إلى ملفّ الإخوان المسلمين "تآلفوا وتحالفوا". واتّضح أنّ التناقض بينهم ليس جوهريّا.
عندما يصبح الإسلاميّون في وعي اليساريّ أو الليبراليّ العربيّ أخطر من الاستبداد، تتغير المعادلة كلها. يكون الاستعمار عدوًا خارجيًا بعيدًا، بينما يكون الإسلاميون عدوًا داخليًا حاضرًا. أمّا المستبدّ المدعوم من الاستعمار، فلأنّه يقمع الإسلاميّ، يمكن أن يكون، بمعنى أو بآخر، حليفا.. ولو كان هذا التحالف صامتا.
ينشأ ما يشبه التحالف الموضوعي بين ثلاثة أطراف مختلفة: الدولة السلطوية العربيّة والنخبة العلمانية المناهضة للإسلاميين والقوى الدولية التي تخشى الإسلام السياسي.
مرجع العداوة
يبدو أنّ السبب هو موقع تلك الأطراف من "الحوض" الحداثيّ. الدولة السلطوية والنخبة العلمانية والقوى الدولية، أولئك جميعا أبناء السياق الحداثيّ. أمّا الإسلاميون فغير معتَرَف بهم ضمن نادي الحداثة. وذلك هو المعيار.
بهذا المعنى تصبح العلمانية هوية ثقافية مكتملة ويكون الإسلام في المجال العام علامة على التخلف، وتُقاس حداثة المجتمع بموقعه من نموذج تاريخي أوروبي بعينه.
الاستعمار لا ينتصر فقط حين يحتل الأرض؛ ينتصر أيضًا حين يصبح معيارًا نقيس به أنفسنا.
بهذا المعنى يكون الإخوان هم النقيض الجوهريّ لهؤلاء الذين يجمعهم السياق الحداثيّ الأوروبّي وإن اختلفت تجلياته: القوى الكولونيالية الغربية والدولة التسلّطية العربية والنخب التي تنسب نفسها إلى الحداثة وتقصي منها الإسلاميّ. هؤلاء يجدون من الجرأة ما ينفون بها الحداثة عن الإخوان المسلمين ولكنّهم لا يملكون أن ينفوها عن الدولة العبريّة. بل إنّ منهم من يرى في الاستعمار تعجيلا بانخراط المستعمَر في الزمن الحداثي.
وصاية هؤلاء الحداثيين ليست أكثر من صورة من صور الوصاية الكولونيالية، وعوا بذلك أم لم يعوا.
لأجل ذلك كلّه وجب إعادة النظر في جماعة الإخوان المسلمين.