عندما يكون الدكتور عبد المجيد الشرفي انتقائيا
Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri",sans-serif; mso-ascii
- 9 ديسمبر 2015
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تجنّى الدكتور عبد المجيد الشرفي كعادته على حركة النهضة،ضمن برنامج ناس نسمة ليوم الخميس 3 ديسمبر 2015، جمعه مع الدكتور رفيق عبد السّلام. وعاد إلى القوالب الجاهزة حيث لم يعجبه كلّ ما فعلته حركة النّهضة لأجل إحلال ونشر السلم الأهلي والدّفع بالبلاد نحو المزيد من الحرّيات والممارسة الديمقراطية. وأرجع قرار خروجها من الحكم إلى سبب وحيد إلا وهو خشية المخاطر المحدقة بالحركة. وجدّد اتهامه لها بازدواجية الخطاب حيث اتهمها بتصنّع معاداة الحركات السّلفية في العلن ومساندتهم في السّر. كما اتهم الدكتور الشرفي رموز الحركة بمساندة الإمام رضا الجوادي في الخفاء، ووصف هذا السلوك بأنّه لا ديمقراطي أولا ولا ديني ثانيا لأنّه عطّل فريضة صلاة الجمعة لأسابيع عديدة. ثمّ ساند جمعية شمس للمثليين جنسيا بدعوى الانخراط في الحداثة وممارسة الحرّية وحقوق الإنسان. وختم بالقول بأنّ حركة النّهضة قطعت نصف الطريق ولكن النصف الآخر يستوجب أن تتخلّى عن توظيف الدين في السّياسة.
والدكتور عبد المجيد الشرفي كما هو معروف أكاديمي وباحث كلّما حلّ بيننا إلاّ وحلّ بيافطة وشارة البحث العلمي التي تستدعي الموضوعية العلمية والحيادية. ولكنّه سرعان ما يتخلّى عن هذه المعايير كلّما غاص في مواضيع تتعلّق بالدين وبعلاقته بالسياسة والحرّيات وحقوق الإنسان كما سيتبيّن في ما يلي:
1) بداية فقد اتهم الدكتور الشرفي حركة النهضة بازدواجية الخطاب فيما أنّه كان أوّل المستعملين لهذه الازدواجية. فهو يدخل علينا حاملا شارة العلم والبحث العلمي ولكنّه سرعان ما يتخلّى عنها. فالحداثة التي ينتهجها ويسوّق لها ليست من ثوابت العلم التي يمكن أن يعتمدها الباحث في بحوثه. بل هي نتاج أفكار أبدعها العقل البشري وهي قابلة للنّقد والتصويب والتطوّر. والعلمانية كسليلة للحداثة ليست على نمط وحيد بل هي علمانيات. فمنها ماهو متقارب مع الإسلام إلى حدّ كبير ومنها ماهو بعيد عنه بل وما هو نقيضه. لذلك فلا يمكن للباحث الذي يدّعي الموضوعية والحيادية أن ينطلق منها ليحكم بمعيارها على النّاس أو ليجعل منها مقياسا لأفكار الآخرين.
2) أتصوّر أنّ كلّ باحث عن الحقيقة كلّما تابع ما قامت وتقوم به حركة النّهضة من أجل محاربة التطرّف فكرا وممارسة على أرض الواقع فإنّه لا يسعه إلاّ أن يثني عليها وعلى جهودها في سبيل التصدّي لكلّ أنواع التطرّف. ولكن بعض الباحثين مثل الدكتور عبد المجيد الشرفي لا يزالون ينظرون للمسألة بمنظار الانحياز الإيديولوجي. ورغم قاماتهم العلمية فإنّهم لا يزالون حبيسي العوامل الإيديولوجية والمزاج النّفسي.
3) اتهم دكتورنا الباحث حركة النّهضة بالوقوف إلى جانب إمام جامع اللّخمي رضا الجوّادي سرّا، ووصف هذا السّلوك بأنّه غير ديمقراطي، وغير ديني باعتباره عطّل فريضة خطبة الجمعة لعدّة أسابيع. وهنا يبدو جليّا أنّ السيّد عبد المجيد الشرفي غير ديمقراطي وغير موضوعي لأنّه يتعامل مع الشرع والنصوص الدينية بانتقائية مقصودة. فيستدعي ما يتوافق مع هواه ويتجنّب ما لا يتوافق معه. فلماذا لم يستدع النصوص الدينية بل وتغاضى عنها عندما تعلّق الأمر بجمعية شمس للمثليين جنسيا ؟ وساندهم وأعطاهم الحق في التواجد والتجمّع والتعبير والدفاع عن مواقفهم بكلّ حرّية بدعوى الحرّية وحقوق الإنسان ؟ ألم يحرّم الله ما تريد جمعية شمس فعله وممارسته وإشاعته بين النّاس ؟ بل ويعتبر هذا السلوك غير أخلاقي لأنّه يتعامل مع الشّرع ونصوصه وكأنّ هذا الشّرع لا أصل ولا فصل له، وبإمكان أيّ كان أن يستغلّه ويركب موجته ويوظّفه لأغراضه الشخصية متى شاء وكيفما شاء بدون ضوابط ولا حدود. بل ويعتبر هذا السلوك لبّ استغلال الدين وتوظيفه لأغراض سياسية ؟
4) اتّهم الدكتور الشرفي حركة النهضة بتوظيف الدّين في السّياسة وأعاد إلى مسامعنا اسطوانة "لا لتدخّل الدّين في السّياسة" وهو مفهوم لا سند ولا دليل علمي دقيق له. وكلّ ما في الأمر أنّه جاء نتيجة لتسلّط وتغوّل رجال الكنيسة في بلاد الغرب في مرحلة تاريخية معيّنة. فكان أن خاضت هذه الشعوب النّضالات تلو النضالات من أجل تحرير الدولة من سلطة وهيمنة رجال الكنيسة ورجال الدّين وليس الدّين لأنّ الدين عموما والدين الإسلامي بالخصوص لا يتسلّط على النّاس : قال الله تعالى "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" ، "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ". وما حدث للغرب لم يحدث للمسلمين. حيث لم يثبت في بلاد الإسلام أن تسلّط رجال الدّين على الدولة أو على النّاس بل إنّ العكس هو الذي حصل حيث قال الشيخ راشد الغنّوشي : "نحن مطالبون بتحرير الدّين من سلطة الدولة التي تغوّلت وسيطرت على كلّ مفاصل الدين".
والحقيقة ،في اعتقادي، أنّ البعض من مثقفينا عندما ينادون بعدم تدخّل الدّين في السياسة هم قد يخطأون التشخيص،إذا اعتبرنا أنّ ذلك صادر عن حسن نيّة، وعندها قد يكونون قد قاموا بنقل تشخيص غيرهم لحالة هي ليست حالتنا وأمدّونا بدواء من إنتاج الحضارة الغربية لمرض عانت منه الحضارة الغربية نفسها ولم تعان منه حضارتنا إطلاقا. والتشخيص يستدعي بداية تحديد المفاهيم. فما هو الدّين وما حقيقته وما هي ماهيته ؟ فالدّين أو المعتقد هو ما يعتقده الإنسان وما يؤمن به من أفكار وإيديولوجيات ومثاليات سماوية أو وضعية. وكلّ المجتمعات والأمم التي وجدت على مرّ التاريخ وإلى يوم النّاس هذا انتسبت إلى مثالية معيّنة من بين المثاليات التي توصّل الإنسان إلى كنهها إن عن طريق الوحي الإلاهي أو عن طريق الاجتهاد البشري. حيث لم يثبت في التّاريخ، على قدر ما أعلم، أنّ أمّة من الأمم عاشت هكذا بدون مثالية أو مرجعية دينية سواء كانت هذه المثالية سماوية أو وضعية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : " يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
فهذه المثاليات هي في الحقيقة مهد ومنبع المعارف والفلسفات وجوهر نظرة الإنسان للكون والحياة. وطبقا للمثالية تنشأ وتتشكّل الفلسفات والمناهج والدساتير والسياسات العامّة. وعليه لا توجد ولا يمكن أن توجد سياسة معلّقة في الهواء جاءت من تلقاء نفسها بل لا بدّ أن تكون وليدة منهج ووليدة فلسفة ونظرة فلسفية للحياة. وهذه النظرة الفلسفية للحياة وللكون هي بدورها انبثقت من مثالية أو عقيدة والتي تعتبر اللّبنة والنواة الأولى لكلّ المعارف والفلسفات والنظريات الفلسفية. وبهذا يتبيّن لنا أنّ السياسة هي وليدة المثالية أو العقيدة أو الدّين وهو الأب الشرعي لها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال إيجاد ممارسة سياسية بدون خلفية فكرية فلسفية عقائدية دينية. والمناداة بعدم تدخّل الدّين في السياسة هو فعل عبثيّ لا معنى له. وكلّ ما في الأمر أنّ المنادين بعدم تدخّل الدّين في السياسة إنّما يقصدون الدّين الإسلامي لكي تحلّ محلّه المثاليات والإيديولوجيات الأخرى المعارضة له. وهو ما يرمي إليه الدكتور عبد المجيد الشرفي من خلال ما جاء في تدخّلاته الواردة في البرنامج المشار إليه مطلع هذا المقال.
منجي المازني