نصوص

عندما يشتد نباح الكلاب على القافلة أن تحث السير

د. مختار صادق في معرض التغطية الإعلامية للفلم الإلحادي لصاحبته نادية الفاني ذكرت قناة حنبعل أن الفيلم من إنتاج فرنسي و الظاهر أيضا أنه مدعوم من وزارة الثقافة بمبلغ ضخم قدره ستمائة ألف دينار مما يوحي بوجود أجندات خارجية و داخلية للتهجم على الإسلام و إرباك الثورة و حرفها عن مسارها. فالأجندات الخارجية لنقل معركة الصور من الغرب إلى أرض المسلمين (في إتصال مع الصور المسيئة لرسولنا الكريم في الدنمارك و حرق القرآن الكريم في أمريكا) التقت مع الأجندات الداخلية التي تحيكها أطراف متعددة من انتهازيين أصحاب س

0
2 يوليو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 د. مختار صادق

 في معرض التغطية الإعلامية  للفلم الإلحادي لصاحبته نادية الفاني ذكرت قناة حنبعل أن الفيلم من إنتاج فرنسي و الظاهر أيضا أنه مدعوم من وزارة الثقافة بمبلغ ضخم  قدره ستمائة ألف دينار مما يوحي بوجود أجندات خارجية و داخلية للتهجم على الإسلام و إرباك الثورة و حرفها عن مسارها.  فالأجندات الخارجية لنقل معركة الصور من الغرب إلى أرض المسلمين (في إتصال مع الصور المسيئة لرسولنا الكريم في الدنمارك و حرق القرآن الكريم في أمريكا) التقت مع الأجندات الداخلية  التي تحيكها أطراف متعددة من انتهازيين أصحاب سوابق و مصالح و يسار مفلس مرعوبة من صندوق الإقتراع! للأسف الخطة تبدو نجحت بشكل لافت. إذ من يتحدث الأن عن إغراق البلاد بالديون, و الإستحقاق الإنتخابي القادم, و البوليس المتمرد, و العروشية المطلة برأسها و غيرها من القضايا الجادة? الجميع الآن يتحدثون عن السلفيين الذين كسروا زجاج أفريكا و خطر الإسلاميين!

و لقد تابعت ككل التونسيين بكثير من الدهشة و الحيرة "المناظرتين" الأخيرتين للشيخ عبد الفتاح مورو. الأولى مع "العالم" (الغير جليل) و مدير بيت "الحكمة" محمد الطالبي و الثانية مع "المحامي" عبد العزيز المزوغي (اسم على غير مسمى). و في كلتا الحالتين خرج النقاش عن أبسط قواعد اللياقة و الآداب فدخلت إلى بيوتنا حيث أمهاتنا و جداتنا و كل عوائلنا كلمات تخدش الذوق العام و تتعدى على حرمات ديننا الحنيف لو وقعت في أي مكان آخر في العالم (بما في ذلك أعرق بلدان الغرب ديمقراطية) لكان لها عواقب أخرى.

الحملة المنظمة على الإسلام و أهله بداية بالفيلم الإلحادي سئ الذكر و انتهاء بالردود التي تبعته تبدو مدبرة مع سابق الإرباك و التهجم و استفزاز الإسلاميين و جرهم لارتكاب أخطاء انتخابية و رسم صورة قاتمة لهم في أذهان الناس على أنهم ذووا خطاب مزدوج و مشروع  "رجعي" على نقيض تام للحداثة. و قد فعلوا هذا مبكرا لترسيخ الصورة السلبية عن الإسلاميين في أذهان الناخبين التونسيين و هي فقرات معروفة جدا في كتاب الحملات الإنتخابية و تذكرني بالخطط "العلمية" التي يتناوب على تطبىيقها الديمقراطيون و الجمهوريون في أمريكا لقولبة الرأي العام الأمريكي في اتجاه أو آخر.

بخصوص محاورة الطالبي لا أظن أن الفكرة موفقة من الأساس فهذا رجل معروف بعدائه للسنة النبوية الشريفة و التجرؤ على الصحابة الكرام و الظاهر أيضا أنه لم يعد يضبط ما يتفوه به من كلام "شوارع" (بغض النظر عن الناحية اللغوية فالكلام أيضا له مدلول إجتماعي نفسي يجب و ضعه في الحسبان عند اختيار الألفاظ). فماذا كان يترقب الشيخ مورو من حوار كهذا? فالمناظرات و الحوارات تكون مع أناس يتوفرون على الحد الأدنى من احترام المقدسات و كيفية التطرق إليها بأساليب حضارية دون تهجم أو تعد على مقدسات شعب بأكمله. أما في المحاورة الثانية مع السيد المزوغي فقد يكون للشيخ مورو عذرا بأنه تفاجأ كغيرنا بالحقد الأعمى الذي يتأجج بصدر هذا اليساري الوقح على الإسلاميين و مشروعهم فتنتقل المواجهة من مناقشة المشاريع و الأطروحات إلى قذف و كذب و شتم على الهواء. فالأكيد أن هذه الأطراف اليسارية (برغم سنوات العسل مع بن علي و خطة "تجفيف" ينابيع التدين و إبعاد خصمهم السياسي) قد أحست بالخطر الماحق الذي ينتظرهم يوم الإقتراع فهم يلتجؤون إلى التمسك بأية ذريعة لتأجيل الإنتخابات و الإبتعاد عن مناقشة المواضيع الجوهرية كمحاربة الفقر و الفساد و التفاوت الجهوي التي قامت من أجلها الثورة ليغرقوا البلاد في صراعات ايديولوجية حسمت بالنسبة لشعب مسلم.

و في الحقيقة هذه خطة معروفة في كل انتخابات الدول حتى الأكثر عراقة في الديمقراطية إذ يلتجئ المتأخر في استطلاعات الرأي إلى مهاجمة الخصم و تخويف الناس منه و لكن الفرق أن في البلدان الديمقراطية هناك حد أدني من الرقي و احترام الذوق العام و الخوف من ردة الفعل السلبية للناخبين أما في تونس فعندنا يسار (لا أراه الله لأي شعب!) أفلس و لم يعد يقيم أي وزن لردة الشعب لأن لا شئ له يخسره أساسا يوم الإنتخابات.

و لذلك وجب على كل الغيورين على مصلحة الدين و البلاد عدم الإنسياق وراء هذه الإستفزازات و ليكن الرد بما ينفع الناس. فالشعب يرى و يلمس من هو الجاد في طرح المواضيع الحيوية و العمل على تحقيق أهداف الثورة و من هو المفلس الذي يتمعش على أخطاء غيره و الذي تحالف مع الدكتاتوريه سواء بطريقة مباشرة عبر التنظير و التنفيذ أو غير مباشرة بالتحريض الخفي و السكوت المتآمر. يجب مزيد العمل في هذا الباب و ليكن ذلك هو الرد. و حتى أضع هذا الكلام في موضعه سأقص عليكم تجربة شخصية في هذا السياق.  كنت و لازلت من الداعين للتوافق و احترام الرأي المخالف مهما كان مخالفا و ربما باستطاعتكم استشفاف ذلك من خلالي مقالاتي هنا في الحوار.نت. و لي العديد من "الأصدقاء" اليساريين على الفايس بوك أحاول من خلالهم إنزال مقولة التوافق منزلة الواقع التي أرى أنها أنسب الطرق لتونس في الظرف الراهن بالذات. و كم صعقت عندما أكتشفت أن العديد منهم يمجّد "الرفيق الخالد ستالين" و يمتدح ما قام به من جرائم ضد الإنسانية و لا يجد أدنى غضاضة حتى في الدفاع عن ببشاعة تلك الفضائع. و قد تعلل هذا الرفيق بأن معلوماتي التاريخية مغشوشة بناء على مصادر غربية امبريالية حاقدة تتحدث عن إتهامات بالتطهير العرقي للأوكرانيين و غيرهم من المعارضين للحكم الشيوعي المتسلط و الإبادة الجماعية لمدن بأكملها و قد أورد للتدليل على عكس ذلك شهادة أحد المؤرخين الشيوعيين (بوغاي وجوموف) فأكد أنه لم يُرحَّل سوى نصف مليون شخص! و أثناء الترحيل لم يمت سوى 1272 و يقتل 50. أما عن الإعدامات المنسوبة لستالين فهو منها براء لأنها اتخذت بموافقة الحزب الشيوعي و ليست منفردة! (بإمكانكم الإطلاع على الحوار كاملا بصفحتي الشخصية للفايس بوك).  و وجدتني أسأل رفيقا منهم بكل حرقة: "فمن يضمن أنك سوف لن تفعل أنت و من لف لفك من الشيوعيين المتطرفين فضاعات أكبر في تونس لو أتيحت لكم الفرصة? و إذا كنت لا تؤمن بالحرية لمن يخالفك الرأي و تتصرف كأنك من يملك الحقيقة المطلقة و من سواك إما "إقطاعي" مرتَزَق أو "كاهن" مرتَزِق أو "مسطول" بأفيون الشعوب كيف لك أن تطالب بالحرية لنفسك و تحرمها على غيرك?"و بعد كل الوقت الذي أمضيته و أنا أحاول الإرتقاء بنقاشي مع "أصدقائي" الشيوعيين و الوصول إلي حد أدنى من التوافق و قد بذلت في ذلك الجهد و الوقت على حساب الكثير من الواجبات للأسف انتهى حواري المطول ببيت شعر اقترضته من أبي نواس يهجو جريرا حيث قال

شُغِلْتُ عن حسْب الكرام و ما أتوا *** و اللئيم عن المكارم يشغل

و انتهيت إلى حقيقة مفادها أن من اليسار لمتطرفين أكثر توحشا من السلفيين الجهاديين المنغلقين. و قررت أن أبتعد عن مثل هذه المناقشات و فعل شئ أكثر نفعا فكتبت مقالا "للجزيرة.نت" لأول مرةّ بعنوان "متى سيبدأ الإعداد لتصنيع طائرة العرب الأولى" لاتصال ذلك باختصاصي العلمي و قد اخبرت أنه قد "تم جدولة المقال وسينشر لاحقا". و قد كان ذلك خير رد أحسست من خلاله كيف يجب أن نرد على الصراعات الجانبية الإيديولوجية التي سوف لن تأتي بأي نفع للمجتمع و الأمة. و لكل ذلك أدعو كل المخلصين و المحبين للإسلام و للبلاد أن يكون تعاملهم ايجابيا من خلال عدم الرد على الإستفزاز (مع تبيان الكذب و الأباطيل طبعا) و عدم الإنجرار إلى "مناظرات" متدنية بل العمل الدؤوب على ملاصقة هموم الناس و تفريجها. قال تعالى "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم.

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©