نصوص

عندما تسقط الحكومة مجدّدا في اختبار محاربة الإرهاب

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA لأنّه يستقي معلوماته من الكتب الصّفراء فقد أصبح ليس فقط محلّ استغراب المصلّين بل وكذلك محلّ تندّرهم. في ذكرى المولد النبوي الشريف يورد إمام الجمعة القصّة التالية : "في بداية الدعوة جاء ملك يدعى الحبيب ابن مالك إلى رسول الله وقال له إنّ لي بنتا مريضة فإن أنت سألت ربّك أن يشفيها وشفيت من مرضها آمنت بك وأرسلت معك عشرة آلاف جندي يحاربون ويجاهدون معك. فدعا رسول الله للبنت بالشفاء فشفيت. وأرسل هذا الملك عشرة آلاف جندي للرسول ليكونوا عونا وسندا له.". فلماذا

0
11 أغسطس 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

لأنّه يستقي معلوماته من الكتب الصّفراء فقد أصبح ليس فقط محلّ استغراب المصلّين بل وكذلك محلّ تندّرهم. في ذكرى المولد النبوي الشريف يورد إمام الجمعة القصّة التالية : "في بداية الدعوة جاء ملك يدعى الحبيب ابن مالك إلى رسول الله وقال له إنّ لي بنتا مريضة فإن أنت سألت ربّك أن يشفيها وشفيت من مرضها آمنت بك وأرسلت معك عشرة آلاف جندي يحاربون ويجاهدون معك. فدعا رسول الله للبنت بالشفاء فشفيت. وأرسل هذا الملك عشرة آلاف جندي للرسول ليكونوا عونا وسندا له.". فلماذا اضطرّ الرّسول إلى الهجرة إذن ؟ قصة أقرب ما تكون لقصص الموروث الشعبي المتعلّقة بالسلطان وابنته المريضة ومن يتمكّن من علاجها يزوجه إياها ويمنحه شطر ملكه. وحول حادثة انشقاق القمر يروي هذا الإمام فيقول نزل القمر إلى الأرض وسلّم على الرسول ومسكه الرسول بيده اليمنى ثمّ بيده اليسرى وحدث ذلك أمام المشركين. أمّا في مجال الفقه فحدّث ولا حرج فقد أفتى هذا الإمام بتحريم البصاق في الطريق العام وقال "البصاق في الطريق العام حرام شرعا ومن بصق في الطريق العام فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين". كما لا ينسى هذا الإمام في كلّ فرصة تتاح له وفي كلّ مناسبة أنّ يذكّر المصلّين والمتلقّين لدروسه وعظاته بأنّ العلم يوشك أن يرفع من الأرض إلاّ ما لا يزال في صدور بعض الرجال والعلماء القلائل. ولا يفوته أن يؤكّد لهم أنّه يعتبر من بين هؤلاء العلماء القلائل. وعندما كان ذات يوم على المنبر بصدد إلقاء خطبة الجمعة رنّ جرس الهاتف، فتوقّف عن الاسترسال في الخطبة وطفق لبرهة من الزمن يتحادث مع مخاطبه في شؤون الدنيا وشجونها. وبعد انتهاء المكالمة قال للمصلّين لقد كنت أتحادث مع صديق لي بالمدينة المنورة، وقد كلّفني بإبلاغكم السلام. إنّها لقصص عديدة وغريبة يتناقلها المصلّون عن هذا الإمام، بتندّر واندهاش منقطعي النظير. هذا وقد روي عنه بالإضافة إلى ذلك، أنّه يتلفّظ في بعض الأحيان بكلام فاحش لا يليق بمقام إمام يدّعي أنّه من العلماء القلائل في مجاله.

إبّان الثورة منع الشّباب هذا الإمام من متابعة إلقاء خطب الجمعة بجامع الرحمة بمنوبة. وتمّ ذلك بطريقة راقية وبدون تجريح ولا إهانات. بتاريخ 7 أوت 2015 أطلّ هذا الإمام من جديد على المصلّين وهو يلقي خطبة الجمعة بنفس الجامع الذي عزل منه.

بهكذا "أيمّة" وبهكذا "علماء" نفّذت سلطة الاستبداد النوفمبرية خطّة وحملة  تجفيف المنابع، وبهكذا أيمّة  لبّست على النّاس دينهم ومنعت عليهم تلقّي مختلف علوم الشرع من مصادره الصحيحة. ولا يخفى على أحد أنّ السلطة القائمة اليوم شرعت منذ مدّة وتواصل حاليا في إعادة تنصيب هؤلاء الأيمّة من جديد بالتوازي مع عزل أيمّة وعلماء مشهود لهم بالكفاءة العلمية والخطابة في نفس الوقت. وما عزل الشيخ البشير بلحسن وكذلك عزل وزير الشؤون الدينية السابق الدكتور نورالدين الخادمي مساء الجمعة 7 أوت ومنعهما من إلقاء خطب الجمعة إلاّ دليل ساطع على ذلك. والسؤال المطروح : هل بعزل العلماء والدّعاة وإعادة تنصيب أيمّة الاستبداد يمكن مجابهة ومحاربة الإرهاب والقضاء عليه أو على الاقلّ الحدّ منه إن قليلا أو كثيرا؟  هل بإعادة تحيين خطّة تجفيف المنابع  وفرض الحلول الأمنية وإيقاف 96000 مشتبه به في ظرف ستة أشهر والزجّ بهم بل ورصّهم في السجون رصّا يمكن القضاء على الإرهاب ؟ فالإرهاب في مفهومه الشّامل هو فرض أو محاولة فرض حلول متطرّفة على النّاس بالسلطة وبالقوّة. وعليه لا يمكن للسلطة القائمة أن توجد حلولا لظاهرة الإرهاب بفرضها هي الاخرى حلولا أمنية بحتة من جهة وإبعاد النّاس عن دينهم ومحاولة فرض نمط مجتمعي معين معاد لهويّة البلاد والعباد من جهة أخرى. وبديهي أنّه لا يمكن للسلطة، أيّا كان لونها السياسي، أن تقنع النّاس بأنّها بصدد القضاء على الإرهاب وبأنّها توشك أن تقضي عليه في كلّ لحظة وهي في ذات الوقت تمارس الإرهاب بذات نفسها على النّاس. والدليل أنّه كلّما تنفّس النّاس الصعداء وفرحوا بالإنجازات المعلنة من طرف السلطة إلاّ ووقعت عملية جديدة وعصفت بكلّ الآمال المعقودة وأرجعت الأمور إلى نقطة الصفر. فالأمراض تنشأ وتتطوّر في الأماكن والبقاع المتعفّنة والملوّثة. فإذا لم تسع السلطة بالقدر الكافي والمطلوب لإرساء فضاء ومحيط نظيف، أو بعبارة آخرى، إذا سمحت بتلويث المحيط فلن تجني بعد ذلك إلاّ الأمراض السارية والقاتلة. وفي هذه الحالة تكون هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تفاقم ظاهرة الإرهاب وليس الشباب المتطرّف. لأنّ هذا الشباب أضحى لا يعلم ما يمكن أن يفعل به، وغدا نتاج و صنيعة فكر وصنيعة محيط ونتاج سياسة لتجفيف المنابع. فأغلب الشباب المتورّط في عمليات إرهابية أو الذي يفكّر بطريقة متطرّفة هو شباب قد ولد ونشأ وترعرع في ظلّ سياسة تجفيف المنابع للمخلوع زين العابدين بن علي. 

فلا جدوى إذن من إعادة التجربة وفرضها على النّاس بالقوّة بعنوان الديمقراطية وتحت يافطة محاربة الإرهاب وحفظ الأمن القومي. فالسياسات الخاطئة تظلّ خاطئة سواء غلّفت بالاستبداد أو بالحرّية والديمقراطية. ولا يذهبنّ في ذهن بعض السياسيين أنّه بالإمكان في ظلّ الحرية والديمقراطية إعادة تطبيق سياسة تجفيف المنابع وسياسة القبضة الحديدية دون الوقوع في أخطاء. وإذا كان بعض السياسيين يتصوّرون أنّهم، هذه المرّة، سوف يحسبون للأمر ألف حساب وأنّهم سوف لن يقعوا فيما وقع فيه المخلوع من أخطاء فإنّهم واهمون. لأنّ الأمر كلّه بيد الله أوّلا وأخيرا. وكما قال عبد المطّلب "للبيت ربّ يحميه".  فقبل الثورة بأيام ما كان ليخطر بخلد بشر أنّ المجرم والدكتاتور سيفرّ مذعورا مقهورا مرعوبا. وأخشى ما أخشاه أنّ يغضّ السياسيون الحاليون الطرف عن كل رأي سديد ورشيد ويتمادون بكلّ السبل في السعي إلى إعادة إحياء سياسة خاطئة وفاشلة وظالمة، فيساهمون عن قصد أو عن غير قصد في اندلاع ثورة أو ثورات جديدة. فكلّ الملفّات مازالت مفتوحة وكلّ بلدان الربيع العربي مازالت مفتوحة على كلّ الاحتمالات. وأغلب الظنّ أنّ الثورة القادمة لن تكون سلمية ولن تكون على شاكلة ثورة الياسمين بل ستكون ثورة البراكين مصبوغة بكلّ أنواع الفوضى ومكسوّة بالدماء. لأنّه ثبت بالبرهان والدّليل أنّ سياسة الترهيب والتجفيف والتضليل لم تؤدّ إلاّ إلى تنامي ظاهرة التشدّد والمتشدّدين والتكفير والتكفيريين. وفي هذه الحالة فلا عزاء للمتورّطين. لأنّهم سوف لن يجدوا من يسامحهم ويعفو عنهم هذه المرّة.   

منجي المازني

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©