نصوص

عفوا.. ليست هذه طبعة الفجر الأولى!..

عفوا.. ليست هذه طبعة الفجر الأولى!.. نصرالدين السويلمي لسنا اليوم بصدد طبعة الفجر الأولى، بل كان قبل هذه الطبعة طبعات سابقات صدرت أعدادها تحمل بين طيّاتها موادا أحدثت الاختراق وصنعت الإضافة وقالت بغير الذي قال به القرار الذي أحيلت بموجبه السلطة الرابعة على الجهات الأمنية ومن ثمّ إلى دور الحضانة والأحداث.. كتابات متزاحمة رُصفت بعناية وتخففت إلى حدّ كبير من الصور لعلم المشرفين على الصحيفة أنّ الشعب التونسي مثقف تستهويه النصوص، والجلاد جاهل يستثقل القراءة ويتلذذ بالصور ويستعذبها فأرادوا استجلاب شعب

0
15 أبريل 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

عفوا.. ليست هذه طبعة الفجر الأولى!..   نصرالدين السويلمي لسنا اليوم بصدد طبعة الفجر الأولى، بل كان قبل هذه الطبعة طبعات سابقات صدرت أعدادها تحمل بين طيّاتها موادا أحدثت الاختراق وصنعت الإضافة وقالت بغير الذي قال به القرار الذي أحيلت بموجبه السلطة الرابعة على الجهات الأمنية ومن ثمّ إلى دور الحضانة والأحداث.. كتابات متزاحمة رُصفت بعناية وتخففت إلى حدّ كبير من الصور لعلم المشرفين على الصحيفة أنّ الشعب التونسي مثقف تستهويه النصوص، والجلاد جاهل يستثقل القراءة ويتلذذ بالصور ويستعذبها فأرادوا استجلاب شعبهم وصرف أنظار جلاده وجلادهم، وقد  كان على كُتّاب جريدة الفجر آنذاك أن يسابقوا الزمن ويستنفذوا المساحة الضئيلة التي أتاحها ثقب الحرية المنتزع إلى حين من براثن سدنة الفكر، فكتبوا ما أمكنهم وتحمّلوا ما كُتِب لهم وكان أن دفعوا ثمن كلماتهم دما وسجنا وتشريدا. لم تخض طبعة الفجر الأولى معركة فكرية أو إعلامية بل كانت معركة ضارية من نوع مغاير، أطوارها غريبة وأحكامها أغرب، لقد كانت معركة قلم رصاص في وجه الرصاص والفرق شاسع بين الصرير والأزيز.. معارك تدور في ليال مظلمات بين أسلحة آلية متطورة غذاؤها البارود مزودة بأضواء كاشفة فصّلت أرض المعركة على مقاسها وبين أقلام عزلاء ليس لها من غذاء إلا الحبر والصبر.. وعليه فإنّ أولئك الذين رفضوا الاستسلام لقرار الخنوع وصدحوا حين كان الكلام فضيلة والسكوت رذيلة يكونون قد وقعّوا على وثيقة الاحتمالات المفتوحة ووطّنوا أنفسهم على البقاء والصمود كما جهزوها لاحتمالات الرحيل، لأنّه في ذلك الحين كانت الساحة الإعلامية قد تلقت الأوامر بالاستسلام والانبطاح وإلقاء الأقلام وسكب الحبر وتمزيق الأوراق ورفع الراية البيضاء  فالدولة وبقرار سيادي  ستأمّم قطاع الإعلام وستشرع في عملية التحنيط. كثر هم الذين تحدثوا عن موازين القوى وعن تهور كُتّاب الفجر واستخفافهم بقوة الجنرال وشراهة الأذى المنتعشة لديه وكيف أنّهم لم يقرأوا حسابا لقابلية التدمير الهائلة التي يحتكم عليها، وكذا شهوة الأذى والانتهاك البادية على محياه، لكن لم يكن هؤلاء المشنعون يدركون أنّ التاريخ منتصبا منتبها يحملق في الأحداث فاغرا سجله يدوّن الحركة قبل حرفها والكلمة قبل جملتها، وأنّ صفوة رجال القلم ورغم إعادة انتشار قوات الجنرال وطابوره الخامس وإحكام قبضتهم على منابع الكلمة قرروا أن يشهروا أقلامهم ويدخلوا في ملاسنة مع آلة الرعب حتى إذا ما قلّبت الأجيال القادمة صفحات التاريخ لم تجد مكانا خاليا من المقاومة قليلها أو كثيرها.. وحتى إذا دقّقت ونقّبت لم تعثر على فراغات تلبد فيها الخناعة ويخنس فيها الذلّ، عندها تزمّ هذه الأجيال شفاهها وتتمتم باعتزاز وافتخار يرحم الله أسلافنا، يرحم الله أسلافنا. عندما زمجر الجنرال وأرعد تشتت شمل الصحافة وأصبحت أجراما إعلامية متباينة منها من يمّم شطر الإثارة ومنها من انصهر في الجوقة، وهناك من  آثر السلامة وقليل هم الذين لبسوا أكفانهم وامتشقوا أقلامهم والتحقوا بخنادق الشعب مشهرين الكلمة في وجه المجنزرة. هؤلاء الذين كتبوا في الزمن الصعب لم تكن كتاباتهم تخضع لمناخات الكتابة المتعارف عليها حيث ليس لفنجان القهوة مكان فوق طاولتهم ولا النافذة مشرّعة كي تهبّ النسائم فتطهر الغرفة من بقايا الكلمات العليلة المتساقطة وتجدد المعلومة وتحفزّ الذهن وتخصّبه، ولا المكان هادئ دون ضجيج حيث يمكن للأفكار أن تحطّ بهدوء ورويّة، لا تفزعها الأصوات فتطير.. لم يكن هذا هو مناخ كُتّاب المحنة إنّما كان الذهن منشطرا على نفسه؛ ربع ينشغل بالنصوص وثلاثة أرباع بالأولاد النيام وأمهم المتقلّبة العائمة في الأرق تستعجل  الفجر تستجديه كي يأتي قبل أن يأتي زوّاره، ثم ها هو الذهن منتبه إلى النوافذ يتنصّت إلى وقع الأقدام في المحيط ويرهف السمع.. ههنا حثيث فوق سطح بيتي أهي رياح الله تهبّ علينا أم تراها ريحهم هبّت  عليّ؟ لقد تعمّد بعض كُتّاب جريدة الفجر "طبعة أولى" استفزاز الدولة حين رفضوا أن يتفاعلوا إيجابا مع خطبها التي أرسلتها لهم ولجميع دور الصحافة عن طريق وزارة "الشؤون" الإعلامية والتي أمروا  بتلاوتها على الشعب من على منابرهم، ولقد أمعن بعض شهداء الحرف في إثارة النظام حين قاطعوا باكورة إنتاجه الإعلامية من إشادة وتهنئة ومباركة ومناشدة وحاميا ومنقذها وسبعها وسابعها... حتى بلغ الأمر بأحد كُتّاب الفجر وهو الشهيد سحنون الجوهري بمخالفة صانع التغيير في كل أوامره مخالفة بواحة لا مؤاربة فيها ولا خفاء حيث منع الجنرال اللحية، فالتحى سحنون.. ومنع الكتابة، فكتب.. ووصل الأمر إلى منتهاه حين تعالت الأصوات تطالب، وتامروا بالمدح والثناء والولاء والدعاء لصاحب التغيير.. وفي زحمة وجلبة الوفاء والعرفان قام سحنون فسوّك لبوبالة!! حينها اعتقد الناس أنّ الجوهري تطاول على الحديد والنار؛ لكن الرجل لم يكن يتطاول على السفاح فهو لا يعبأ به، إنّما كان يتطلع إلى الأفق حيث سحب الشهادة التي تخيّم على تونس آنذاك، كان رحمه الله يستجديها يستمطرها علّها تجود عليه بوسام الشهداء..  في تلك الحقبة كان الأمر جدّ متباين بين جموع الكُتّاب،   واحد يكتب ليتزلف، وآخر يكتب ليستشهد.. ذاك نال شهادة وهذا نال الشهادة.. شهادتين وتكريمين، وكما اختلف المكرمين اختلف لحدّ بعيد المُكرّمان ذاك تكريم الجنرال وهذا تكريم الله،، شاسع هو الفرق وشاسعة هي الفوارق بين من كرّمه المخلوع ومن كرّمه الباقي.. لن تكون مهام الفجر في ثوبها الجديد هي نفس مهام الفجر في حلتها الأولى، "فالفجر1 " كانت تهشّ المارد عن وطنها، وتحرّض على الصمود في وجه الطوفان.. أمّا "الفجر 2 " فيفترض أن تمارس العطاء وتشحذ الهمم وتزرع الآمال وتدفع نحو رقي الوطن وترسل عيونها في محيط الثورة تحرسها من ردّة بعيدة لكنّها محتملة.. والفجر فجران فجر للتضحية والصمود وفجر للبناء والتشييد.  يا أبناء الفجر الجديد.. يا أبناء فجر البناء سيّروا أقلامكم على بركة الله، تجتاح القراطيس، تحرسكم حراب الثوّار، وتحميكم أنفاس الثورة، وترحّموا على شهداء فجر الصمود أولئك الذين كانوا يتلون الشهادة ويخطون وصاياهم قبل أن يسيّروا أقلامهم!.. لقد كانوا يكتبون وهم على مرمى حجر من نيران الجنرال؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.. وهم بين شهيد نحتسبه عند الله وناجٍ مرده إلى الله. سلام على شهداء المحنة، سلام على  الجوهري و الخياري و العريبي وغيرهم...، سلام على  البوعزيزي، سلام  على  شهداء ثورة العزّة... يا أبناء الشعب التونسي أينما كنتم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©