عدلت فأمنت فنمت. (2/1) : أمّ البراء
أ. أمّ البراء/ باريس حدّثتني صديقة لي عمّا بدر من زوجها أخيرا .. انتبهت إلى خيانته لها عبر علاقة ربطته بامرأة ثانية في الخفاء .. فقالت : ( عشت ما يناهز الثّلاثين عاما مع زوجي تربطني به آصرة الإيمان قبل رباط الزّواج ، و كنت آمنة رغم صعوبة الحياة .. و رأيت زوجي شيئا فشيئا يشدّه النّمط الغربيّ، البرّاق في ظاهره، المتسيّب في حقيقته، إذ لا معنى فيه للعهد و لا للرّقيّ الخُلُقي. الغاية تبرّر الوسيلة، و الأنا تعلو كلّ القيم و المبادئ، رغم ما يُتشدّق به ـ فيه ـ من أسماء جميلة : حرّية.. عدالة .. أخوّة ...
- 28 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أ. أمّ البراء/ باريس
حدّثتني صديقة لي عمّا بدر من زوجها أخيرا .. انتبهت إلى خيانته لها عبر علاقة ربطته بامرأة ثانية في الخفاء .. فقالت : ( عشت ما يناهز الثّلاثين عاما مع زوجي تربطني به آصرة الإيمان قبل رباط الزّواج ، و كنت آمنة رغم صعوبة الحياة .. و رأيت زوجي شيئا فشيئا يشدّه النّمط الغربيّ، البرّاق في ظاهره، المتسيّب في حقيقته، إذ لا معنى فيه للعهد و لا للرّقيّ الخُلُقي. الغاية تبرّر الوسيلة، و الأنا تعلو كلّ القيم و المبادئ، رغم ما يُتشدّق به ـ فيه ـ من أسماء جميلة : حرّية.. عدالة .. أخوّة ... و لكن هذه الأسماء ، بقيت أسماء لم ترتق إلى عالم المبادئ و الالتزام بالمبادئ .. وهكذا دبّ الشّكّ القاتل في حياتي ، فالّذي يخون اليوم يمكن أن يخون غدا ، و الّذي ينسى الله يمكن أن ينسى كلّ شيء ، كلّ عهد. و فقدت الشّعور بالأمن ...).
فكّرت فيما قالت صديقتي .. ووجدتني أحلّق في سماء من الخواطر و الأفكار.. و رأيتني أنطلق من قصّتها مع زوجها و الشّعور بالأمن لدى الأفراد ، إلى التّفكير في أمن المجتمعات و ما تعيشه البلاد الغربيّة و الشّرقيّة اليوم .. قصّة هذه الصّديقة نموذج حيّ لغياب الأمن في الحياة المعاصرة ..على مستوى الفرد ، الأسرة، المجتمعات و الدّول...
ووجدتني ألحظ حقيقة شامخة لا نجاة لنا إلاّ بها. حقيقة الإيمان و الرّجوع إلى مصدر قوّة الأفراد و الجماعات ، إلى منبع الأمن ذاته،إلى خالق الكون . فحياة الأفراد و الجماعات و الإنسانيّة كلّها رهينة هذا الرّجوع .. أسرة هذه الصّديقة عرفت الأمن لارتباطها بحقيقة الإيمان، وفقدته لبعدها عن هذا المنبع .
أجيال حائرة
الأسر في الغرب ، أغلبها ، إن لم أقل جميعها فقدت هذا الشّعور الرّاقي بالأمن ، لانفلاتها و تنكّرها لمبدإ الإيمان . و الّذي يعيش في البلاد الغربيّة يعرف معرفة جيّدة المعاناة الّتي تعيشها المرأة في هذا الجانب و في جوانب عدّة ، رغم ما تعلنه أبواق الإعلام من حديث عن حرّية المرأة! أيّة حرّية هذه الّتي تسمح بسجن المرأة في بوتقة الخيانة الّتي تغصّ بها حياتها!
الرّجل يرتع من امرأة إلى أخرى و ينجب من هذه و تلك بدون قيد قانون ، بل برعاية القانون و تشجيعة، و لا حقوق محفوظة لا للزّوجة و لا للأبناء. في ظلّ هذا التّسيب الغادر.. كم من امرأة تجد نفسها رغما عنها تحمل مسؤوليّة أبناء لا أبا لهم، بل و لآباء مختلفين.. لا نفقة لهم و لا ودّ و لا حبّ يظلّهم و يرعاهم. أقانونهم أفضل أم حكم الله العادل الّذي يحفظ المرأة من نزوات الرّجل و تهوّره !؟ أيّ أمن يعيشه أطفال يربّون بدون حضور أب في بيتهم !؟ و أيّ رعاية !؟ و لعلّ هذا الواقع يفسّر رجوع المرأة في الغرب اليوم إلى الإيمان، و ظاهرة إسلام الكثيرين هناك . نعمة الإيمان و الهداية نعمة جليلة لا يعرف جلالها إلاّ من عاش مرارة الجاهليّة و ذاق ويلاتها ثمّ عرف نور الهداية .
..و أجيال آمنة
الإيمان يهذّب الحياة و يرشدها إلى الخير و التّقدّم، فيصل بها إلى شاطئ الحقّ و العدل، هذا الشّاطئ الّذي رسا عنده عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فأمن ونام بلا حرس أو قوّة جيش، وهو يرأس دولة ممتدّة الأطراف .. فتردّدت عبر الأجيال هذه العبارة الخالدة : ( عدلت فأمنت فنمت )، وبقي صداها يذكّر الإنسانيّة جيلا بعد جيل بحقيقة الإيمان و ما يوجبه من سعادة ، و يذكّرنا جميعا بقوله سبحانه و تعالى: ( مَن عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة ) (النّحل/97 ) .
فالعيشة الرّضيّة تتوافر فيها عناصر الارتقاء الرّوحيّ و المادّيّ لترتفع قــُوَى الإنسان المعنويّة و ترتبط بمصدر الخير و الحافظ من الشّرّ.. فيعرف هذا الإنسان الصّغير السّابح في الكون الكبير، الممتدّ في الزّمان و المكان، معنى الأمن .
أما آن لنا أن نشعر بالعزّة في ارتباطنا و انتمائنا لهويّة إسلاميّة ، كلّما عاشها أصحابها كما أرادها لهم ربّهم، عاشوا معنى الأمن!؟
الأجيال الأولى للإسلام،نتاج التّربيّة النّبويّة ، هي المثال الحيّ لحقيقة الإيمان ،أمِنت، فما احتاجت إلى ارتياد المحاكم و اللّجوء إلى الحدود إلاّ نادرا.. الفقير عاش آمنا لأنّه أعطي حقّ الزّكاة .. المرأة عاشت آمنة لأنّه حُفِظ لها حقّ العيش الكريم.. الأسرة آمنة بحفظ حقّ كلِّ فرد فيها و قيامها على مبدإ الودّ و التّوازن.. المجتمع حُفِظ مِنَ السّقوط و عاش الرّقِيّ فأنتج حضارة .. و حُفِظ فيه حقّ الكافر والمؤمن في المُواطنة ، حقّ الفقير و الغنيّ.. فغاب في مجتمع الخليفة عمر بن عبدالعزيز الفقر، إلى درجة فاضت فيه أموال الزّكاة على المحتاجين، و غابت فيه المغالطة و السّرقة .. و امتلأت البلاد أمنا.. و هيمنت حضارة راقية ...
فماذا عن واقع مجتمعاتنا اليوم!؟ ( يتبع )
28 /07/2011