نصوص

طفولة في بلاد الاستبداد

هيئة المحامين، رابطة حقوق الانسان ، منطقة الشرطة، وزارة الداخلية، مكتب التحقيق. أمكنة هي جزء لا يتجزأ من طفولة في بلاد الاستبداد. نرتادها كما نرتاد مدينة الملاهي او حديقة الحيوانات. بيد أني كنت أسعد بهاته الجولات المنهكة وأجلس ساعات طوال بلا ملل ولا ضجر في ممراتٍ ومكاتب وقاعات الانتظار. كثيرا ما كنت أرواد أمي لتصطحبني في جولاتها اليومية. لعلني كنت أجد في تلك الجولات شيئاً من المغامرة. كانت بالنسبة لي بمثابة غزوٍ لفضاءٍ غريب أو اقتحام أمكنة مخيفة لا يشفع لي فيها شيءٌ سوى براءةُ طفولةٍ تستترُ خلفه

0
15 يناير 2017
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

هيئة المحامين، رابطة حقوق الانسان ، منطقة الشرطة، وزارة الداخلية، مكتب التحقيق.

أمكنة هي جزء لا يتجزأ من طفولة في بلاد الاستبداد. نرتادها كما نرتاد مدينة الملاهي او حديقة الحيوانات.

بيد أني كنت أسعد بهاته الجولات المنهكة وأجلس ساعات طوال بلا ملل ولا ضجر في ممراتٍ  ومكاتب وقاعات الانتظار. كثيرا ما كنت أرواد أمي لتصطحبني في جولاتها اليومية. لعلني كنت أجد في تلك الجولات شيئاً من المغامرة. كانت بالنسبة لي بمثابة غزوٍ لفضاءٍ غريب أو اقتحام أمكنة مخيفة لا يشفع لي فيها شيءٌ سوى براءةُ طفولةٍ تستترُ خلفها عناوين التمرد.

في إحدى جولاتنا المعتادة هممنا بدخول مبنى البلدية، فإذا بأعلامٍ حمراء ترفرف و تغطّي المكان وبقضبان تسيج الطريق يصطفّ خلفها جمهورٌ غفير.تسارعت خطوات أمي أمسكت بيدي الصغيرة و همست وهي تهرول:" يبدو أنهم ينتظرون زيارة شخصيةٍ مهمة، عله أحد من الساسة، الشرطة في كل مكان لنبتعد من هنا!"

في تلك اللحظة إنتاب قلبي الصغير خوفٌ كبير. كنت أعلم ُ أنّنا لسنا  كأولئك المصفّقين المصطَفين خلف قضبان التملق. أدركت أننا غير مرغبوب فينا في ذلك المكان و على عكس الساسة غيرُ مرحبٌ بنا. اذ كانت أمي كثيرا ما توصيني بأن لا أجيب اذا ما سألني أحدهم عن والدي.

لم أكن حينها أفقه بعد ماذا يعني الاستبداد أو دولة البوليس أو ما معنى كلمة دكتاتورية، إلّا أني ومع صغر سنّي فهمتُ أنّ الساسة في بلدي لا يأتون بالخير، إنهم ساسةُ القمعِ  والقهر. فهمتُ آنذاك أنّ  في ذلك المكان حيث ترفرف الأعلام الحمراء  ما من متسع لي ولا لأمي.

إمتزجت حينها في خيالي الفتي حُمرة العلم بِحُمرةِ الخوفِ وخطر. 
في تلك اللحظة فقدتُ شيئا من الوطن و الكثير من الانتماء.
تعلمتُ حينها أن الأعلام الحمراء الزائفة  إنما  تُعلقُ  لاستقبال السادة و القادة وأصحاب الفخامة والريادة: أعلامٌ ترفرف، يصفّق المصفّقون وينحني المتملّقون.
أدركتُ حينها أنّه لاحظّ لي في تلك القُماشة القرمزيّة حيث لُوِّثَ لونُ دماء الشهداء بزركشةِ النّفاق والرّياء.

استغرقني الكثير حتى أتعافى مما ألحقته تلك اللحظة بي من ضرر:

هجرة...فغربة...فحنين...

قمعٌ... تعذيب ...و أهوال...

دماء...شهداء...تضحيات الأبرياء...

إصرارٌ ...فصمودٌ ...فوفاء ...

ثورة…فانتصار…  و أخيرا: عودة ...!

 

عدتُ بعد تيهٍ طويل أعانق وشاحي الأحمر كإبنٍ عاقٍ اهتدى بحنين الاشتياق. عدتُ كما عاد الكثيرون الذين اصطحبوا غربتهم في حقائب عودتهم.
لم تتبدّد  بعد غمامة الوجع. أنا والوطن كلانا لا يزال سقيما ولمّا يتعافى بعدُ  مما ألحقه الاستبداد والغياب به من ضرر.

أجلس في إحدى  الجُمعات  في بهو مسجد سيدي  اللخمي الذي إكتظ بالمصلين و ضاق بأوجاعهم. من فوق منبره ينادي الخطيب و يناشد حُماة الدين و الوطن. في صوته شيء من الحرقة و الوجع ملأ بهما أرجاء المكان. أجلس وسط النسوة حاملةً على كاهلي عقدين من الغياب وأستغرب أن لا يقرأ أحدٌ الغربة في ملامحي.
 كنت قد إعتدت الجلوس وسط ذوات الشعر الأشقر و ألِفتُ ان يحيط بي بحرٌ من ملامحٍ أروبيةٍ باهتة. فإذا بي أجلس بين نسوةٍ أُشبههن،  أجدُني في ملامحهن، في حَوَرِ وُجوههن ،  في أعينهن العسلية و نظراتهن الثاقبة، أجدني في تقاسيم وجوهٍ لفحتها الشمس و أعياها العطاء.

لا تزال كلمات الخطيب تزلزل المنبر و قلوب السامعين. امتزجت كلماته في قلبي بشيء من الُحرقة والحنين، فإذا بالقلب يفيض وجعا وبالعين تفيض دمعا. وبينما أتساءل في نفسي أدموع الحنين أم دموع الخيبة أم دموع الأمل هذه، إلتفتُ من حولي فإذا بالأعين العسلية التي تحيطني هي الأخرى قد فاضت و سكبت عبرات كعبراتي.لم أكن حينها لأدرك سبب تلك الدموع التي بكيت ولكني في تلك اللحظة فهمت أن ما أبكاني هو ذاته الذي أبكى النسوة التي أشبههن. اكتشفت لوهلة أني وأولئك  النسوة نشترك الوجع كما نشترك الملامح.
في تلك اللحظة وجدت شيئا من الوطن و كثيرا من الانتماء.
قد تكون عبرات مشتركة كفيلة بإرجاعنا الى الوطن الذي من طول غربتنا ظننا أنه لم يعد لنا.

و الآن و قد عدت أبلغ  الساسة و أصحاب السعادة بأن الفتاة الصغيرة قد كبرت و تعلمت أن مع  كل استبدادٍ مقاومة وأن مع كل مظلمةٍ إرادة.
بلغهم أن الفتاة الصغيرة عنيدة كأبيها ورثت عنه قضيةً  و إصرارًا و ظهراً لا ينحني.
 بلغهم أن هناك مني الكثيرات
بلغ الساسة و أصحاب الفخامة بأن العلم الأحمر لي:
 أتوشح بقماشه، أتزين بحُمرته،  أتكلل بنجمته و أكتحل بهلاله.

 بقلم: هبة الله الزمزمي

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©