طفرة الأحزاب التونسية
حتى الساعة، ما تزال رياح الانتفاضة التونسية تفتقر إلى أسس ومبادئ واضحة تـمكننا من استشراف نتائـجها ومعرفة اتـجاهها، وبالتالي تكوين فكرة واضحة منها، مع أننا فرحنا كثيـراً لسقوط رأس الفساد المستبد بن علي " أسوأ العابدين" الذي عاش، وعائلته، وأزلامه على حساب الشعب التونسي ولقمة عيشه وكرامتـه، ولكننا لا يسعنا إلا أن نقلق لمصيـر هذا الشعب بعد انتفاضتـه المباركة، ذلك بسبب غياب الأسس والمبادئ الواضحة، وغياب قوة جيشنا الباسل عن حسم بعض الأمور، والسيـر بـهذه الأسس والمبادئ نـحو الوضوح، وتـحويلها إلى أسلوب
- 18 مارس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
حتى الساعة، ما تزال رياح الانتفاضة التونسية تفتقر إلى أسس ومبادئ واضحة تـمكننا من استشراف نتائـجها ومعرفة اتـجاهها، وبالتالي تكوين فكرة واضحة منها، مع أننا فرحنا كثيـراً لسقوط رأس الفساد المستبد بن علي " أسوأ العابدين" الذي عاش، وعائلته، وأزلامه على حساب الشعب التونسي ولقمة عيشه وكرامتـه، ولكننا لا يسعنا إلا أن نقلق لمصيـر هذا الشعب بعد انتفاضتـه المباركة، ذلك بسبب غياب الأسس والمبادئ الواضحة، وغياب قوة جيشنا الباسل عن حسم بعض الأمور، والسيـر بـهذه الأسس والمبادئ نـحو الوضوح، وتـحويلها إلى أسلوب حياة للشعب.
ولما كنّا ننظر بعين القلق لمصيـر التضحيات التي قدّمها المنتفضون المطالبون بالتـغييـر، بقيت عيوننا منصبة على الطاقات المتخصصة في العلوم الـحديثة من أبناء المـجتمع المدني، وعلى الأحزاب الملتزمة مصالح الشعب، وهذا من باب الـحرص على عدم التفريط بـما نـملكه من أسباب القوة ضمن الوضع القائـم.
لـهذه الأسباب بالذات، أشرنا في عدة مقالات سابقة إلى أهـمية إنشاء أحزاب جديدة تساهم في بناء المواطن الواعي، المثقف ثقافة وطنية تـحدد مسلكه في المـجتمع، وترفع من وتيـرة مساهـمته في بنائه، وبكلام صريـح، بتـغييـر كامل لمفاهيم أخلاقية وأنظمة بالية، والقيام بـمحاولات جدّية لعصرنة الإنسان والمـجتمع ومؤسسات الدولة.
بعد هروب الطاغية بن علي " أسوأ العابدين"... لا ردّه الله... ظهر بـجلاء أكثر سوء الأساس الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي لتونس كلها، وشعر الشعب بـحاجته إلى الإصلاح وتـغييـر الأحوال، ولما كانت تونس تضم مـجموعة كبيـرة من المتـعلمين المتخصصين في الطب، الـحقوق، الـهندسة والعلوم الإنسانية بـمختلف فروعها قد يئست، أو فشلت في تـحقيق طموحاتـها الشخصيّة، وجدت في السياسة باباً مفتوحاً لنشاطها، معتبـرة أن شـهاداتـها الـجامعية العليّا مبـرراً كافياً لطلب إنشاء حزب سياسي قد يكون واسطة لبلوغ غاياتـها الـخصوصية ومصالـحها الـخصوصيّة.
هذه الظاهرة إن دلّت على شيء فهي تدّل على حالتين اجتماعيتين سياسيتين: الأولى، فقدان النظم الاجتماعية، الاقتـصادية، السياسية والعسكرية في مؤسسات الدولة، والثانية، حالة الانـحلال الشامل في الأحزاب المتواجدة في الساحة التونسية منذ مدّة طويلة مـما قوى ظاهرة النـزعة الفردية الغيـر شاعرة بالمسؤولية الوطنية.
كل هذه العوامل اجـتمعت وكوّنت طفرة سياسية تتـخذ من القضايا الوطنية عنواناً لـها، فاستـغلتـها مـجموعة من حاملي الشهادات الـجامعية العليّا المنشقين عن أحزاب تونسية تاريـخية، ومن غيـر المنظمين في عقائد كبـرى، غافلة عن الفارق الكبيـر بين النجاح الفردي في تـحصيل الشهادات العلميّة وبين النـجاح في العمل الوطني عبـر حزب سياسي، ولم تقتصر هذه الظاهرة فقط على أصحاب الشهادات الـجامعية، بل شـملت أيضاً بعض الشخصيّات السياسية التي سبق لـها، ولعبت دوراً في الـحكومات السابقة، وأظهرت ما تـخـتزنه من الانتهازية والنفعية.
إننا إذ ندلي بدلونا في هذا المـجال، لا يسعنا سوى أن نكون صريـحين في غاية الصراحة، فنـعبـر عن رأينا تعبيـراً لا التباس فيه، ذلك أننا لا نبدي هذا الرأي إرضاء أي من العباد أو إغضاب آخرين، بل أن المعيار الوحيد الذي نقيس به أي شيء هو مصلحة شعبنا واستقراره وأمنه.
من هذا المنطلق نقول إننا أطلعنا على مبادئ وأهداف بعض الأحزاب الـجديدة، فوجدناها كلها متشابـهة في مبادئـها الإصلاحية ذات الأبعاد التونسية، الإسلامية، العربية، الأفريقية، المتوسطية والعالمية، وفي تـعابيـرها السياسية وقواعدها التنظيمية، ومقتبسة عن بعض الأحزاب التاريـخية المتواجدة في تونس منذ زمن بعيد، فيما تونس اليوم، بـحاجة إلى أحزاب جديدة تـحمل مبادئ وبرامج فيها ابتكار وذكاء لأن الشعب التونسي يلتهب غضباً من ضحالة برامج ومبادئ الأحزاب القديـمة.
ولو أردنا أن نلقي نظرة سريعة على الأحزاب التونسية القديـمة، لوجدنا أنـها كانت مـحدودة الأهداف زمن الاستـعمار الفرنسي حيث كان هـمها الأول والأخيـر، هو توجيه نقمة الشعب التونسي، ونار حقده نـحو المستـعمر فقط.
أما زمن الاستـقلال فقد ظهرت عدة أحزاب استندت إلى أسس تنظيمية ومبادئ تـهدف إلى إيقاظ الوجدان الوطني، ووضعت القواعد الأساسية لنهضة المواطن التونسي، ودعوته للمشاركة في عمران البلاد.
وعندما اشتد عودها بين المواطنين دعت إلى تـغييـر حقيقي في أسس الـحياة الوطنية، الاجتماعية، الاقتصادية، الفكرية والسياسية، واجهها المستبد البائد : بورقيبة" بأحكامه الـجائرة فقضى على أشرفها، وأبقى على الأحزاب المدجنة، الضائعة، المنهزمة في تأملاتـها وجهادها الشعبـي.
وفي بداية عهد الطاغية بن علي " أسوأ العابدين" خرجت بعض القيادات الـحزبية الشريفة من السجون، وتـحالفت مع الطاغية، إنـما سرعان ما انتهى هذا التحالف بصراع هائل كانت نتائـجه آلاف من السجناء الأبرياء، والمزيد من المشردين والشهداء من خيـرة العباد في تونس، ولم يبق في الساحة إلا الأحزاب التي استـغلت أوجاع العباد، وتقاتلت من أجل الوصول إلى المناصب الـحكومية.
وكلمة حق في الأحزاب التونسية القديـمة يـجب أن تـقال، وهي، إن أحزاباً قليلة جداً، خاصة في المهجر، بقيت صادقة، شـجاعة، تشهد للـحق، وترفع صوتـها لتملأ الفراغ الـحزبي، تـمارس مسؤوليتها، تضبط وعيها، تـحدد موقفها وتأخذ المبادرة في نشر الـحقائق إلى أن انطلقت الانتفاضة المباركة.
وقد كانت المرآة التي كنّا ننظر من خلالـها إلى وجه وطننا الـجميل، وطننا الذي حلمنا به، والذي بنيناه في ذاكرتنا من خلال كتابات مفكّري تلك الأحزاب، وجهود مناضليها الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي تـجاه ما كان يـحدث في تونس، وقد خاضوا حرباً طويلة هائلة مع رموز الطغيان والاستـعباد.
إن تونس اليوم، تـجاه ما تأمله من إنشاء نظام اقتصادي، اجتماعي وسياسي راقٍ، هي أحوج ما تكون إلى أحزاب نـهضوية، تتناول الـحياة الوطنية من أساسها، وتقوم على القاعدة المعروفة في مبادئ العلم السياسي والاجتماعي التي تعرّف الأحزاب بأنـها تنظيم جـماعات موحدة الأفكار والعواطف، تلمّ شـمل الشباب، وتعقد القلوب والقبضات على الوقوف معاً في سبيل تـحقيق دولة عصرية في تونس تعبـر عما في النفس التونسية من علم وإبداع وخيـر وجـمال.
تيسيـر العبيدي ـ باريس