نصوص

ضحيتها المستهلك

أطباء ومخابر تحليل... ميكانيكيون ومحلات قطع غيار ... ومربون وكتبيات... تربطهم علاقات مريبة ميكانيكي يفرض على حريفه اقتناء قطع الغيار من محل معين ولا يرضى بغيره... طبيب يوجه مريضه إلى مخبر تحاليل أو صور الأشعة محدد بتعلّة انه لا يثق إلا فيه... إطار تربوي يأمر تلميذه بجلب أدوات معينة لن يجدها إلا بكتبية تربطه بصاحبها علاقة نفعية

0
26 أبريل 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

أطباء ومخابر تحليل... ميكانيكيون ومحلات قطع غيار ... ومربون وكتبيات... تربطهم علاقات مريبة

ميكانيكي يفرض على حريفه اقتناء قطع الغيار من محل معين ولا يرضى بغيره... طبيب يوجه مريضه إلى مخبر تحاليل أو صور الأشعة محدد بتعلّة انه لا يثق إلا فيه... إطار تربوي يأمر تلميذه بجلب أدوات معينة لن يجدها إلا بكتبية تربطه بصاحبها علاقة نفعية الأول يرسل الزبائن... هذه بعض النماذج من العلاقات المهنية غير المعلن عنها التي شملت مختلف مجالات الحياة اليومية تحت غطاء «كول ووكّل» وشرعها اصحابها بحجة تدوير الزيرو...فكيف تمارس هذه العلاقات غير المعلن عنها و ما رأي القانون في ذلك؟


ظاهرة لم نعد نستغربها بل أصبحت تشكل عاملا أساسيا في معاملاتنا اليومية يقول علي صاحب سيارة عثرنا عليه بباب الخضراء إن هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير «فمثلا عندما أذهب إلى ميكانيكي لإصلاح عطب ما فانه ينصحني باقتناء قطعة الغيار من محل معيّن و يظل يمدح في صاحبه وفي أن قطع الغيار المتوفرة عنده جيدة ومضمونة وانه لا يضمن غيرها... وهناك حتى من يتعمد إحداث عطب إذا ما رفضت مطلبه واقتنيت من محل آخر ليحملك بعد ذلك المسؤولية»...

هذه الصورة تخفي شبكة متطورة من العلاقات النفعية بين صاحب المحل و الميكانيكي حسب ما صرّح به لنا صانع ميكانيكي ناقم على عرفه الذي لم يسدد له أجرته إذ قال لسعد «بمجرد أن ينصح صاحب السيارة بالتوجه للمحل يتّصل بصاحبه هاتفيا ليعلمه أن حريفنا سيقدم إليه...

و النتيجة انه في نهاية اليوم يتحول إلى صاحب المحل ليقبض عمولته والتي تتراوح من عشرات إلى مئات الدنانير حسب نوعية القطع المقتناة والأدهى والأمرّ انه يعمد إلى إحداث عطب إذا ما تجاوزه الحريف واقتنى من محل آخر».

ثقة الطبيب...

و ما يعمد إليه بعض الميكانيكيين ليس إلاّ تجاوز من تجاوزات عدة نلحظها في حياتنا العامة فعبد الوهاب قال إن طبيبه يوجهه بطريقة ذكية إلى التعامل مع مختص في التصوير بالأشعة أو إلى مخبر بعينه دون غيرهما معللا ذلك بأن له الثقة التامة فيهما وقد كان روى له قصة من جاءه بتحليل أو بصورة أشعة تظهر إصابته بمرض خطير لكن عندما أعاد التصوير أو التحليل لدى من يثق فيهم الطبيب لم يظهر شيء يفزع...

وفي نفس المجال نجد بعض الصيدليين يحثون زبائنهم على زيارة الطبيب فلان تحت تعلّة انه من الأطباء الأكفاء و العكس بالعكس أي انه عندما تزور طبيبا ينصحك باقتناء الدواء من صيدلية معينة لان ما وصفه لك لا يمكن أن تجده إلا عند الصيدلية المذكورة... هذا ما أكده لنا بعض الزبائن الذين التقينا بهم هذا دون أن ننسى بعض الأطباء الذين يصفون أدوية بعينها خدمة لمصانع محددة تهديهم سفريات في شكل عمل مقنّع بين الفينة و الأخرى...

مربون خاصون جدا...

علاقة الثقة التي يفترض أن تكون بين الطبيب و مريضه تماثلها علاقة امتن منها تلك التي تربط التلميذ بمعلمه أو أستاذه... لذلك فان كل ما يطلبه منه المعلم هو أمر عليه تنفيذه بحذافيره... وما أكثرها الأوامر خصوصا إذا ما تعلق باقتناءات لا تتوفر إلا بكتبية معينة دون غيرها... وفي هذا الإطار يقول احد الكتبيين الذي حوّل محله إلى بائع «كسكروتات» إن ما يحدث في القطاع لا يشرّف لان هناك من الكتبيين من يتصل ببعض الإطار التربوي خصوصا المختصين في الرسم أو العلوم أو المعلمين ويتفق معهم على أصناف معينة من الأدوات يوفرها بالعدد الكافي ليعرضها للبيع دون غيرها بما انه يعلم مسبقا حاجيات الجهة... في المقابل يحصل الإطار التربوي على حاجياته وحاجيات أبنائه مجانا من المكتبة...

وعن هذا يتحدث ولي فيقول:«ما يثير استغرابي أني عندما أتوجه لاقتناء أدوات معينة لابني و لا تتضح لي جيدا نوعية ما سأقتنيه يسألني الكتبي لدى من يدرس ابنك فعندما يصعب علي معرفة اسم الأستاذة يطلب مني اسم المدرسة الإعدادية والسنة ليجيبني مباشرة انه الأستاذ فلان ويقدم لي الحاجة وإذا ما ارفضها لغلاء ثمنها فإن الأستاذ يرفضها ويعود ابني لمطالبتي باقتناء ما كنت امتنعت عن شرائه ...فهل بعد هذا تريدين أن أقول أن لا علاقة مريبة بينهما.. فأي اختلاف بالله عليكم بين أقلام شمعية من صنع ماركة معينة و أخرى من صنع ماركة أخرى».

وهذه الظاهرة لم تقتصر على هذه المجالات فقط بل أنها امتدت أيضا إلى داخل المحاكم فتجد المحامي يرشدك إلى عدل منفذ وهذا الأخير ينصحك بصديقه المحامي و يوهمك انه كسب كل القضايا التي سبق له أن ترافع فيها أو مثلا تجد عائلة متكونة من أب عدل منفذ وابن محام وصديق في إحدى الإدارات وطبعا كل منهم يخدم الآخر بمقابل مادي أو مصلحة أو غير ذلك...

علاقات...أو إفلاس...

«في الحقيقة لا يمكن أن تحاسب طبيبا أو ميكانيكيا أو صيدلانيّا أو عدلا منفذا أو محاميا أو غيرهم ممن يمارسون هذه التصرفات لأن ما يقومون به يدخل تحت غطاء المصلحة المشتركة» كما يقول الميكانيكي سفيان الذي يضيف :«إن هذه التعاملات شرعية فمثلا الذين أتعامل معهم تربطني بهم علاقة صداقة وعلاقة مهنية منذ سنوات... هم يفهمون ما اطلبه من الحريف بالضبط كما أن هذا العصر هو عصر «كول ووكّل» ولا أرى مانعا في ذلك».. فهل ما قاله هذا الميكانيكي أمر معقول وقانونيا مقبول؟

القانون يحجر..

في هذا الخصوص يقول السيد لطفي الخالدي مساعد رئيس بمنظمة الدفاع عن المستهلك مكلف بالهياكل أن هذه المعاملات إن تجاوزت مبدأ مجرد النصيحة فإنها تصبح خرقا لقانون «لذا ندعو دائما إلى أن يكون الحريف متيقنا من أبعاد مثل هذه التعاملات وأن يتوجه إلى الهياكل المختصة والراجعة بالنظر للإعلان عنها... و في ما يخص المخابر الطبية يقول نفس المصدر انه غير صحيح أن هذا المخبر أفضل من الآخر لان كل المخابر لها نفس المواصفات..ومن هذا المنطلق تكون للحريف حرية اختيار المخبر الذي يريده...

و في إطار آخر وهو التعليم فان القانون يمنع على رجل التعليم أن يشترط على التلميذ اقتناء كراسات أو أدوات معينة سوى الكتب التعليمية المعتمدة.. وهذه القوانين لا تعتمد في إطار المجالات المذكورة فقط و إنما في جميع المجالات اليومية الأخرى. بين علاقات مهنية خفية ونصوص قانونية رادعة يبقى الاختيار للحريف إما مجاراة هذه العلاقات والانخراط فيها وتحمل عواقبها أو كشفها والحد منها...

رأي القانون

مخالفة قدرها 5% من رقم معاملات آخر سنة مالية


جاء قانون عدد 60 لسنة 2005 المؤرخ في 18 جويلية 2005 ليرسي مبدأ حرية الأسعار وقواعد الشفافية في المعاملات وحسن سير السوق ويمنع جميع الممارسات التي من شأنها أن تحد من المنافسة... ومن غير الخافي ان العلاقات المهنية الخفية تعتبر خرقا للقانون وهو ما أكده الفصل الخامس في فقرته الأولى حيث ينص على منع الأعمال المتفق عليها والتحالفات والاتفاقيات الصريحة أو الضمنية التي يكون موضوعها أو أثرها مخلا بالمنافسة والتي تؤول إلى عرقلة تحديد الأسعار حسب السير الطبيعي لقاعدة العرض والطلب، والحد من دخول مؤسسات أخرى للسوق أو الحد من المنافسة الحرة فيها، وتحديد أو مراقبة الإنتاج أو التسويق أو الاستثمار أو التقدم التقني، وتقاسم الأسواق أو مراكز التموين. وفي حال الإخلال بهذه النصوص يعاقب صاحب هذه الممارسات بخطية مالية يصل مقدارها إلى 5 بالمائة من رقم المعاملات لآخر سنة مالية منقضية مع إمكانية توجيه أوامر للمتعاملين لإنهاء الممارسات المخالفة لحرية المنافسة وذلك في أجل معين أو فرض شروط خاصة عليهم في ممارسة نشاطهم وعند الاقتضاء إعلان الإغلاق المؤقت للمؤسسة أو المؤسسات المدانة لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر.

وبالنسبة للاستاذ ماجد برهومي المحامي فإن مسألة تطبيق القانون على ارض الواقع يظلّ صعبا لأن تلك الممارسات والعلاقات تتميّز بكونها خفية وهو ما جعلها تعتبر مجرد خدمات متبادلة يشرعها العديد من المهنيين ويصعب أثباتها من المتضررين.


 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©