صبغة خاصة : الجزء 2 الصفحة 2
الطريق إلى فرقة الأبحاث ليس طويلا ، كان ظهري يلامس مقعد السيارة بلطف ، وكنت اتحسس رائحة السيارة ، هذه الرائحة التي جاءت من بعيد ، أيقضت في حنينا غامضا لذكريات ولت من عهد الشباب ، ألامسها في خيالي ، لكن خيوطها العنكبوتية بدت صعبة عن الإمساك بها....عون أمن الدولة يرحب بي بشماتة يلفها لباقة مصطنعة ، بدا لي أدبه كعجوز شمطاء متصابية ، تبتسم تحت الاصباغ فتزيدها قبحا ... (ليه ، آش لازّك تضيع حياتك و شبابك...) ..ثم يقول مواسيا كالفاجرة عندما تنصح بالعفاف : (اللي فات مات ، سيب عليك وتولهى بروحك ... لا يك
- 26 يوليو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الطريق إلى فرقة الأبحاث ليس طويلا ، كان ظهري يلامس مقعد السيارة بلطف ، وكنت اتحسس رائحة السيارة ، هذه الرائحة التي جاءت من بعيد ، أيقضت في حنينا غامضا لذكريات ولت من عهد الشباب ، ألامسها في خيالي ، لكن خيوطها العنكبوتية بدت صعبة عن الإمساك بها....عون أمن الدولة يرحب بي بشماتة يلفها لباقة مصطنعة ، بدا لي أدبه كعجوز شمطاء متصابية ، تبتسم تحت الاصباغ فتزيدها قبحا ... (ليه ، آش لازّك تضيع حياتك و شبابك...) ..ثم يقول مواسيا كالفاجرة عندما تنصح بالعفاف : (اللي فات مات ، سيب عليك وتولهى بروحك ... لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ...)..
كان يتحدث ، وكنت أراه صغيرا ..تجاوزته الأحداث ، اردت تجاهله ، ولكنه أصر ان يعلمني الحكمة الصينية ...استفزني ، اجبته : كم عمرك ، سكت ، قلت له كلاما قصدت استفزازه ، اسكاته : اسمع ، لا تحاول ان تكرر علي هذه الإسطوانة .. عندما كنت أنا في الجامعة ، كنت بعدك لم تغادر الإبتدائي ، ولا أظنك تجاوزته ببعيد ... فاحفظ نصائحك ... لم أقصد إبراز إمكانياتي في التعليم ، فقد رايت هناك في السجن قامات استحي ان اتكلم في حضورها ، ولكن هؤلاء الاوباش الذين نبتوا في حلق التاريخ ليزيدوه غصة على غصته ، لا يكفون على الفيهقة المقززة ... لشد ما أمقتهم يا ربي... صفاقس ، هذه المدينة الكبيرة ، الحاذقة ،هي نفسها تتربع التاريخ والجغرافيا ، مدينة ودود ولود ،بدت لي وهي تنمو في حزن ، إنها لا تتوقف ، تنحني في صمت للعاصفة لكنها مزدهرة ، لا تعرف التثاؤب ، تغالب الدنيا بالتفاؤل ،فتصحوا باكرا لتنام متأخرة ..
هي لا تنسى الافذاذ الذين مروا من هنا ...اتأمل التاريخ فيها ..سورها العظيم ،، العلامة الصفاقسي ...هنا عاش الهادي شاكر الكبير ، ومات و هو كبير.. من هنا سجل التاريخ مولد النقابة ..نقابة الحرية ..هي مدينة الحبيب اللوز والمنصف بن سالم... مدينة الزيتون مدينة العطاء دون كلل...خواطرمرت سريعا في ذهني ، لأجد نفسي أمام مبنى ضخما لم يكتب على بابه شيء ، إلا أنه يشع رعبا...بدا البناء حديثا قد صرفت فيه أموال ضخمة..ترى كم صرف فيه من اموال الشعب البائس دون ان يستشيره أحد... كم مبنى مشابه على طول الوطن المغدور...هل تحتاج هيبة البوليس لكل هذه المباني الباذخة... تفتقت عبقرية رئيس الجناح الذي سكنته في سجن المهدية ـ جناح العزلة ـ وهو يباسطنا ثقافته تواضعا منه : لا بد من بناء سجن مقابل كل مدرسة جديدة تنشأ ... لم يكن ناطقا باسم النظام ولكنه معبر صادق عنه...مصبوغ بصبغته من الرأس حتى القدمين.. بعد السنوات الطويلة من معايشتهم ، يصبح لدى السجين استهتار عفوي بهيبتهم ، يراهم دون ريش الطاووس الذين يختفون وراءه ... اذكر جيدا أنني لم اجب على أي سؤال بصدق ، كنت ألاعبه دون أن يشعر .. اعلم ان هذا النظام غارق في المعلومات حتى النخاع ...
أنا شخصيا مررت بأربعة مراحل للتحقيق ... في كل مكتب أدلي بتصريحات تختلف عما قلته من قبل..هكذا علمتني الأحداث أنهم عدموا التنسيق فيما بينهم ... كل جهاز يعادي الجهاز الآخر.. كل يدعي أنه يحمي النظام ، والنظام يغذي هذا التناقض المحدود بينهم والمحكوم لديه استراتيجيا ... يجب ان يعملوا بحيث تصب مجهوداتهم في مصلحة امن النظام ، و أن يختلفوا حتى لا لا يستطيعون التنسيق للانقلاب عليه...أيّ عقل شيطاني هذا الذي سطر خريطة كهذه ...أي مكر ليل و نهار ذاك الذي حول بلادي إلى طاحونة تأكل بعضها بعضا...؟... كل معلومة عنك ، هم يحتاجونها ، أصبح لهم بنك من المعلومات ، قد يكتشفون في مرحلة متقدمة من الايام ، انك قلت كلاما متناقضا ، ينادونك ، يسألونك التوضيح ...قل ما شئت ،لن ينتهي الشك في رؤوسهم ، ستظل غامضا مدى الحياة ..يستحثون اسيادهم في الدول المتقدمة أن يخترعوا جهازا يكشف الافكار.. يصور النوايا على شكل شيفرات قابلة للحل ... يتطلعون بشغف لذلك اليوم الذي يُهدى إليهم جهاز من وراء البحار ، يسجل و يصور لهم في آن ما يدور في أخلاد الناس و بأسبقية زمنية ، ولعل هذا الجهاز يكون متعدد المواهب فيكشف لهم الأحلام و ما حجب الغيب ...
اذكر يومها انه سألني عن زميل له ، غربت شمسه ، و أفل نجمه ، فكان حظه العاثر الذي قاده للسجن ...فكان كبش فداء كما يقال ، ليظهر الرئيس مفندا انتشار الرشوة في صفوف البوليس و يصفهم (بالنعاج المجرابة). قال لي اتعرف فلان ؟ ولما اجبته بأنه يسكن بنفس الغرفة التي اسكنها ، تكلم فيه بشماتة واضحة ، قائلا: يستاهل ، كان يحتال عاطفيا على صبية معاقة ، فأقنعها انه يحبها ، ولما فتحت العائلة له الباب ، و كانوا من الأثرياء ، أصبح يمضي شيكات باسمها ، ليسمن رصيده الهزيل... بعد الإنتهاء من الاستجواب في صفاقس ، أصروا أن يوصلوني المحطة ..هناك امتطيت السيارة متجها مرة أخرى إلى مسقط رأسي ، مخلفا ورائي سنينا من الظلام...
يتبع بإذن الله