صائد الطغاة المتكبرين وعروسه الحريه
قصة محمد البوعزيزي صائد الطغاة المتكبرين وعروسه الحريه بسم الله قاصم الجبارين وناصر المستضعفين طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّ
- 15 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
قصة محمد البوعزيزي صائد الطغاة المتكبرين وعروسه الحريه
بسم الله قاصم الجبارين
وناصر المستضعفين
طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) (القصص: 1 - 6)...
صدق الله العظيم
أيها السادة أسعد الله صباحكم بكل خير من الأطلس الغربي الاشم والمحيط الهادر إلى خليج الجواهر.. وجعله عبقا بكل أنواع النكهات العربية.. اللذيذة منها والذكية.. بالزهر والزعتر والورد والتمر هندي والكاركدية.. والقهوة اليمنية.. والحليب والدقلة التونسية.. والسمنه والعسل المغربية.. والفول والطعمية المصرية أيها السادة لقد رأيت قائد المسيرة الثورية... نعم رأيته رؤيا العين المجردة ودون حراس ولا حواجز... يعني مني ليه... رأيته فعلا وليس حلما فأنا قد تعطلت عندي جميع أجهزة الأحلام الخلقية لكثرة الاستعمال... وقد حلمت بكل شيء.. صعب منه المنال.. حلمت بالحلوى والملبس والحذاء واللعبة الصغيرة والاصدقاء هذا وأنا طفل صغير.. حلمت بالدراجة والصديقة البريئه والمدرس أجش الصوت مخيفه.. أحلم به فألف الغطاء حولي وأشد عليه حتى لا يطالني بمسطرته المربعة الخشبية تقع على رأسي كالوتر فتترك فيه نتوءات وطاقة فهم قوية... أو هكذا يقولون... كنا نهاب المعلم ونحبه... فمن غيره سيفسر لنا طلاسم القضية ومن غيره سيحدثنا عن الهويه... ومن غيره سيجعل لكل منا عروسا اسمها حريه.. وما ادراك مالحريه... ومن غيره سيبعث فينا حب الهوية... ومن سيعرفنا سواه أنّ للبلاد حدودا وخصوصيات حضارية... كنا نخافه أكثر من الأم والأب.. ولكننا بالأمانة.. كنا نحبه أصدق الحب... ولما كبرت قليلا صرت أحلم أحلاما ممنوعه... نعم هي ممنوعة في قاموس الشهامة العربية... لكنها كانت تأتيني رغما عني وعن كل إنسان ورغما عن أبي وأمي وكل الجيران... كانت هذه الأحلام تأتيني براقة شفافة رقيقة غضة طريه كنسمة الصباح الصيفية وأنا لم أبلغ بعد سن الخامسه عشر.. كنت أحلم بالخليلة في عراء المرج النضير ذي البساط المزركش بالأعشاب الغضة الملونة وبالزهور من أقحوان وشقائق النعمان والجرجير... ولعلمكم زهرة النعمان هذه كنت أكرهها لأنها كانت دائما تسبب سخط أمي علي عند الرجوع للمنزل فهي تطبع لونا على الثياب لا تزيله وسائل التنظيف المكتشفة في ذلك الزمان... كنا نلهو ونعدو خلف الفراشات والعصافير ونحل البردوز وهو يطير.. وعندما نتعب نستلقي وننظر في طيات السماء وأحس برد الهواء يدخل صدري الصغير.. وكنت أحاول سبر أعماق السماء فلا أستطيع فأقول لو كانت دراجتي تطير... كم يوم أحتاجه للوصول إلى قرار السماء العلوي لأطل على حدود الكون الفسيح وأعلم أين تقع قريتي الصغيرة من هذا العالم الكبير... لم أكن أعلم أنّ قريتي هي قلب العالم النابض بالحرية والحياة... لعلمكم كل خليلاتي كنّ جميلات جدا جدا وهذا في الحلم وفي الحياة... وقد حلمت بأشياء عديدة أخرى..لا يتسع المجال لذكرها... لكن أكثر الأحلام إثارة كان حلم الحرية... هذه الغادة الهيفاء كان حلمها يراودني عن نومي في كل ليلة.. فهي عروس ملائكية "زعبانة" لعوب جميلة كما لا يمكن للجمال أن يكون... عينين واسعتين دعجاوين بأهداب في لحظها الموت المؤكد وبحاجبين سيفين تسلطا على جبين عريض وضاء أملس أبيض يكاد يضيء ولو لم يمسسه نور... وشعرها أسود كالليل الدامس ينسدل حول خدين ينطقان بالحياة والبهاء مزيجا لا أستطيع وصفه... فهو نور ملائكي يضطرب عندك البصر ويختل إن أنت حاولت تحديد لونه أو تدقيق شكله أو لمسه أو الاقتراب حتى ممن فكر في الاقتراب منه.. فعدوى الوله به قاتلة لا محالة ولا يعالجها طبيب.. ولها فم باسم أبدا يضيء ما حوله خاتما من أختام السحر العظيم تحيطه شفتان لم أر مثلهما في الوجود.. تقولان للدنيا أتجودين أم أجود... بقبلات الوله والحب الشديد... وبكلام رقيق أنثوي سمح حقيقي وأمور أخرى لا يتسع المقام لوصفها لأني قد تجاوزت الحدود... وقفتها شماء واثقة كجندي يحرس مقدرات البلاد من شر العباد لكنها أنثى تتلوى عندما تسير ويتحرك من جسمها المصقول كل شيء.. ويهتز كشجرة التفاح التي أينعت بالقطاف تهزها بعنف خفيف نسمات الخريف.. فتنكشف الأوراق عن ثمار ناضجة تنطق بالحياة والجمال...قد تراها نعم... ولكن تصفها مستحيل ومحال.. كانت هذه بعض أوصاف الحرية التي كانت تأتيني في أحلامي كل ليلة تقتحم وحدتي دون استئذان.. تسامرني ليلا عذبا جميلا حتى الفجر.. ولكنها فجأة جفتني.. نعم!؟.. جفتني ولم تعد تزورني.. عندما حل في بلادي الظلم والظلام... كانت آخر ليلة جاءت تودعني عندما رأت خفافيشا في السماء ليلا.. وغربانا بالنهار.. كانت ليلة ملحمية.. بكت فيها المسكينة وسكبت دمعها على صدري والخدود.. فازدادت جمالا وأصبحت وقادة كالجمر وأجمل من ملكة الورود.. وعندما حاولت ضمها مواساة تمنعت وتراجعت كالغزال الجافل.. ونظرت في عيني نظرة لوم شديد.. ودمعها يفيض وصدرها الذي طالما وضعت هامتي عليه أسمع معزوفات قلبها الرقيق... كان يصدر صوتا كالمرجل المشتعل الوقيد.. وكأنه ينفجر من الغيض والسخط الشديد... فجلست أسِفا.. وأطرقت خجلا منها.. ومما فعله بها الأوغاد من بني جلدتي.. لقد اغتصبوها أولاد الـقــ..كلبة... أطرقت برهة.. وعندما رفعت رأسي لم أجدها.. نعم!؟... لم أجدها.. لقد غادرتني الحرية وطارت مني وجفتني وسوف لن تعود.. وقد انتظرتها هكذا بغباء فطري لكنها لم تاتيني.. وقد نسيت أنها وهي تغادرني نحو الفضاء التليد.. كانت تردد.."يا هادي.. يابن المصطفى.. إنّ مهري الوجود والوفاء".. لم أفهم شيئا من قولها.. وقد تخيلته كلام عشاق تذروه الرياح.. لكنها كانت تعني ما تقول... ولقد انتظرتها بوجدي وشوقي وحنين شديد وقلب خفاق ودمع رقراق.. وتخيلت في لحظات ضعفي أنّ عروسا كهذه هي كفتاة الحي وبنت الجيران التي أخاصمها في اليوم عشرون عاما وأصالحها في اليوم عشرون عاما.. فتقبل المسكينة الصلح وتسامح شقاوتي.. فهي أيضا طيبة وجميلة والأنس معها لا يستهان.. لكن عروس حلمي لم تعد وسلتني إلى الأبد!؟.. ذهب هذا الحلم في سبيل حاله وانغمست مع المنغمسين في دواميس الظلام المخيم على قريتي الجاثم على قلبها الكاتم لأنفاسها عشرون سنة صفراء ثقيلة مميتة.. ونسينا كل قيم الحياة وأول ما خسرناه هو معني الحب الحقيقي.. حب الحياة
إذن رأيت قائد المسيرة الثورية ورسول الحرية محمد البوعزيزي ولد خالتي منوبية.. وكانت تجلس بجانبه إمرأة بدت لي من بعد جميلة فاتنة وضاءة وبدا لي أني أعرفها. أو رأيتها قبل اليوم.. ولما اقتربت.. اتضح أنّها عروسي الحرية الضائعة عني منذ سنين شبابي الأول.. إنها تجلس مع محمد فوق عربة الخضار التي تحولت إلى مركب أسطوري عجيب لم أر مثله قبله... فارتعدت فرائصي حنقا وشرفا عربيا.. وغضبت غضبا شديدا وانتابني إحساس لا استطيع وصفه... كنت أريد أن أفتك بالعالم من أجل حبيبتي... وانطلقت نحوهما ولكنهما بقيا كما هما وحيث هما ولم يعبراني قيد أنملة.. فحدقت عروسي أو قل من كانت يوما ماعروسي... في وجهي وقالت لعينيّ.. وأنتم تعلمون أنّ للعيون لغة سحرية... قالت لهما بعينيها الساحرتين.. إن صاحبكما هذا قد عجز عن تسديد مهري "الوجود والوفاء" وقد حذرته فلم يفعل.. وأنذرته فنسي.. وفعلها صاحبي هذا وأشارت إلي البوعزيزي ونظرت إليه وابتسمت... فأوقدت في فؤادي نارا بنظرتها له وما كانت تحتويه من حب عميق ووله سحيق.. التفتت لمحمد وأردت أن.. أكرهه.. فلم أستطع... أردت معاتبته فلم أستطع.. فمحمد المسكين قد ذهب رمادا من أجلنا وجاءنا بخير عميم فكيف أخاصمه من أجل عروس تأتيني في المنام والناس نيام... فابتسمت في وجهه وقلت له بكل الصدق: هنيئا لك يا محمد.. يا أخي..هنيئا لك أبناء بلدك الرجال الرجال.. هنيئا لك بنات بلدك الماجدات الحرائر.. هنيئا لك كل هذا الجمال والبهاء.. هنيئا لك العبق والإكليل والحناء.. هنيئا لك الشهادة والخلود والجزاء... لقد قاد محمد الثورة في تونس وسهر على نجاحها وطرد خفافيش الظلام كلها.. وهاهو يشن حروبه في أطراف المعمورة وهو يحوم بعربته في الفضاء وقد تحولت إلى مركب سحري مضيء يحتوي أشياء لم أرها ولم أعهدها ولم أحلم بها من قبل... كان يرمي ببعضها في القرية فتتحرر ويرمي في البيداء فتتحرر ويرمي من بلد إلى بلد وهكذا قد أشعل معارك الثأر للحرية المغتصبة في كل مكان... نعم لقد بدأ برماد جسده النحيل معركة الثأر لشرف الحرية في كل بيت وفي كل حارة وكل قرية وكل بلد وكل مكان.. كان محمد يناور بمركبته.. فتارة يرمي على الأعداء إكسيرالحياة.. وتارة يغني لهم شعرا من واقع الأيام العصيبة... فكان كلما قال قصيدة انزاح الظلام شبرا وزاد الفتق الأبيض في سواد العبودية الدامس.. أما إذا ردد نشيد الثورة "إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلابد أن يستجيب القدر" ولوح بالراية الحمراء المفداة الوارفة.. انهار كل شيء أمامه وصار هباءً.. فنشيد ثورتنا.. يا أعزائي.. ورايتها.. لا وجود لمثلهما في العالم.. ولهما تأثير سحري عظيم لم أستطع فهمه ولا تفسيره فهما كسيل الحياة الجارف يقتحم كياني عنوة فأعود بسني عمري عشرون عاما وأظل شابا على الدوام... وهما لا يحتملهما الطغاة.. تصيبهم بهما هستيريا من الخوف والفزع.. تفقدهم وجنودهم التوازن والتركيز.. فيدب فيهم الوهن ويندثرون كالسراب... ومحمد لا يكل ولا يمل وهو بالراية الحمراء يستظل.. يحركها حول رأسه وجسمه وهي تتموج كالوردة الحمراء الجميلة الفاتنة.. ويواصل محمد حركته حتى يبدد الظلام كاملا بغربانه وخفافيشه النجسة.. وكان يقول شعرا مزلزلا يردده الثوار من خلفه ووقعه على أعوان القمع كوقع الصاعقة: الشعب يريد إسقاط النظام... وينطلق من عربته سهم نوراني يصيب الطاغيه في مقتل لكنه لا يموت... فهو لم يستوف شروط الهروب التي وضعها البوعزيزي قبل أن يقضي شهيدا: وهي ثلاث خطابات ومصيبة ثم الهروب الكبير إلى المجهول.. كان محمد يلهم الثوار شعرا ملائكيا وجبارا في آن.. يحبه كل الناس.. فيرددونه في كل مكان.. التشغيل استحقاق يا عصابة السراق.. خبز وماء والطغاة لا.. شغل وحرية وكرامة وطنية.. ديقاج..ديقاج...يا عصابة الخمّاج.. حتى غدت هذه الشعارات قصائد عالمية معتمدة في أطراف الدنيا.. واعترف بها القاصي والداني.. وأمسى الناس يرددونها تبركا.. فتعطف عليهم الحرية وتنزل ببلدهم.. وقد جربها الناس بعدنا فآتت أكلها في مدد قياسية وانظروا ماذا يحصل الآن بأمة العرب التي نامت دهرا حتى عنست ويئست ويبست.. ولكن أيقضها محمد البوعزيزي وصاحبته الحرية بأشعاره الخالدة الأزلية وسهامه العجيبة السحرية وها قد دبت الحياة في جسم الأمة العربية وأصبحت تصر على التحرر والانعتاق وقد أقسمت شعوبها أن لن تقبل أبدا في ربوعها بعد اليوم.. اغتصاب فتاة جميلة وفاتنه اسمها: حرية
أهديها لتونس الحبيبة
وأهديها لروح والدي الذي غادرنا قبل حلول الفجر بشهرين
وأهديها لخالتي منوبية أم الشهيد محمد البوعزيزي
كتبه: محمد علي الهادي بن تيتاي