شرق المتوسط بصورة أخرى.. تونسيون وقمع خارج السجون
ياسر الزعاترة 2010-06-09 أثناء وبعد الفراغ من قراءة كتاب «مواطنون تحت الحصار.. المراقبة الإدارية في تونس» الصادر حديثا عن الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، انتابني ما هو أسوأ من ذلك الشعور الذي ينتاب الإنسان بعد قراءة الرواية الأشهر لعبد الرحمن منيف «شرق المتوسط»، والتي فضحت ما كان ولا يزال (بقدر أقل) يجري في السجون العربية، فهنا ثمة سجناء حصلوا على حريتهم النظرية، لكنهم صاروا في وضع أسوأ بكثير من السجناء السياسيين الحقيقيين الذين يتعايشون بمرور الوقت مع وضعهم الصعب، فيما يشعرون بأنهم
- 10 يونيو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ياسر الزعاترة
2010-06-09
أثناء وبعد الفراغ من قراءة كتاب «مواطنون تحت الحصار.. المراقبة الإدارية في تونس» الصادر حديثا عن الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، انتابني ما هو أسوأ من ذلك الشعور الذي ينتاب الإنسان بعد قراءة الرواية الأشهر لعبد الرحمن منيف «شرق المتوسط»، والتي فضحت ما كان ولا يزال (بقدر أقل) يجري في السجون العربية، فهنا ثمة سجناء حصلوا على حريتهم النظرية، لكنهم صاروا في وضع أسوأ بكثير من السجناء السياسيين الحقيقيين الذين يتعايشون بمرور الوقت مع وضعهم الصعب، فيما يشعرون بأنهم يضحون من أجل قضية عادلة، وأن ثمة خلفهم أناس ينظرون إليهم نظرة خاصة، ويستلهمون تضحياتهم في مزيد من النضال من أجل القضية التي اعتقلوا من أجلها.
هنا شكل آخر من أشكال القمع التي تفتق عنها العقل الشيطاني من أجل تدمير السجين السياسي بعد خروجه من السجن، والتي لخصها مسؤول فرنسي بالقول إنها تتمثل في «منع الناشطين والمشاغبين من لعب دور القيادة ودفعهم إلى الندم وإعلان التوبة، وذلك عن طريق تثبيط عزائمهم. هم أحرار بلا شك، لكنهم في الوقت ذاته لا يعملون شيئا، ولا دخل مادي لهم، ودون مشاغل، يعيشون الوحدة والعزلة ويخافون من النسيان، يخافون أن يتنكر لهم الناس، لذلك يصبحون مستعدين لكل التنازلات حتى ينالوا حريتهم المفقودة».
هذا عقل شيطاني من دون شك، لكنك في التطبيق ستعثر على عقل أكثر شيطانية، وقلوب قدّت من صخر، ومظالم تجعلك تصرخ بملء فمك: يا رب السماوات من أين يأتي هؤلاء بكل هذه القسوة، وكيف يتمكنون من إلقاء ضمائرهم في سلال المهملات على هذا النحو؟!
كيف فكر هؤلاء بهذه الطريقة الشيطانية التي تسعى إلى إنهاء الوجود المعنوي للسجين السياسي، فتسعى إلى شطبه من سجلات الحياة والقلوب، وذلك حتى تثير الإحباط وتبعث اليأس في نفوس كل من يفكر في معارضة الظلم، مع أن الإفراج عن بعضهم أو أكثرهم قد جاء أيضا في سياق من إعطاء الانطباع بوجود انفتاح ما في المجتمع، وإنهاءً لملف الاعتقال السياسي، مع أن السلطة لم تكن تعترف يوما بوجود ملف كهذا، حيث كانت تصر على أن أولئك الرجال معتقلون جنائيون، تماما كما تقول السلطة الفلسطينية عن كوادر حركة حماس المعتقلين في الضفة الغربية.
الكتاب الذي نحن بصدده يعالج قضية الملاحقات التي يتعرض لها السجناء السياسيون بعد خروجهم من السجون، وهم هنا في غالبيتهم من أعضاء حركة النهضة «الإسلامية»، كما أنهم من نخبة المجتمع التونسي المميزة، وقد قضى أكثرهم في السجون مددا تتراوح بين العشرة والعشرين سنة، ومع ذلك لم يسلموا من هذه الإجراءات البشعة.
المراقبة الإدارية هي أقرب للمصطلح الناعم، لكنها في واقع الحال مسلسل من الإجراءات البشعة التي يتعرض لها عدد كبير من السجناء السياسيين في تونس بعد الإفراج عنهم، والتي تشمل: إثبات الحضور اليومي لدى مراكز الأمن (يحيل حياة السجين إلى جحيم ويحول بينه وبين العمل والرزق والحركة الحرة، فضلا عما ينطوي عليه من إهانات وضرب)، المنع من العمل والمطاردة في الرزق، الحرمان من وثائق الهوية وجواز السفر، الحرمان من الحق في العلاج، الحرمان من الحق في الدراسة، الحجز في مراكز الأمن في حال قيام رئيس الدولة بزيارات عامة بمناسبات معينة، المحاكمة بتهمة مخالفة بعض الإجراءات الخاصة بالمراقبة الإدارية، وبالتالي السجن مرة أخرى.
في الكتاب أيضا فصل عن المراقبة الإدارية والعنف الذي تتعرض له مكونات المجتمع المدني الأخرى من نقابات وجمعيات، لا سيما تلك الخاصة بحقوق الإنسان، والتي قد تكون ملاذا لبعض المظلومين، وبذلك يغلق النظام كل النوافذ التي يمكن أن تشكل متنفسا للمظلومين.
هذا الكتاب هو صرخة ضد الظلم في تونس، كما أنه فضحٌ
لمجمل الممارسات البشعة التي يتعرض لها الشرفاء هناك، لعله يكون عزاءً لهم في ظل الحصار الذي يتعرضون له من نظام بوليسي لا يرحم.