نصوص

شبهات من زمن الاستبداد

من بين مظاهر الاستبداد انتشار الشبهات بين الناس كما كانت تنتشر الخرافات في المجتمعات البدائية. ومن بين علامات الاستبداد اقتران هذه الشبهات بالحركات الثورية بصفة عامة والحركات الإسلامية بصفة خاصة. كما أنّ من علامات تسلط الاستبداد على عقول الناس سرعة وسهولة انتشار والتصاق الشبهات بأذهانهم وعسر فسخها من عقولهم. حيث تدخل الشبهة إلى الأذهان بدون منطق وبكل يسر وفي بعض الأحيان بترحاب وتبجيل، في حين يتطلب اجتثاثها من عقولهم جهدا كبيرا ومشقة مضنية و طرقا منطقية ومتابعة مستمرّة. من بين التهم والشبهات الجا

0
8 نوفمبر 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

من بين مظاهر الاستبداد انتشار الشبهات بين الناس كما كانت تنتشر الخرافات في المجتمعات البدائية. ومن بين علامات الاستبداد اقتران هذه الشبهات بالحركات الثورية بصفة عامة والحركات الإسلامية بصفة خاصة. كما أنّ من علامات تسلط الاستبداد على عقول الناس سرعة وسهولة انتشار والتصاق الشبهات بأذهانهم وعسر فسخها من عقولهم. حيث تدخل الشبهة إلى الأذهان بدون منطق وبكل يسر وفي بعض الأحيان بترحاب وتبجيل، في حين يتطلب اجتثاثها من عقولهم جهدا كبيرا ومشقة مضنية و طرقا منطقية ومتابعة مستمرّة.

من بين التهم والشبهات الجاهزة، القول بأن كل الأحزاب وكل الأطراف بدون استثناء تريد السلطة وتسعى إليها بل وتتصارع عليها باستماتة. لا يصدر هذا القول من عامة الناس فحسب وإنما يصدر كذلك عن عديد المثقفين والأكاديميين ورؤساء الأحزاب. فهل من المنطق اتهام طالب علم بأنه يدرس ويجتهد في الدراسة لكي يصبح دكتورا أو عالما ؟. ولو تتبعنا حقيقة الأمر لوجدنا أن هذا القول يندرج دائما في خانة الافتراء على المصلحين على مر التاريخ. ومن الناس من يقول أنتم الإسلاميون تحبون التدين وتناضلون من أجله، فها هي المساجد مفتوحة على مصراعيها فاذهبوا إليها ومارسوا تدينكم كما تشاؤون. وإن كنتم تحبون التدين فعلا فابتعدوا عن السياسة لأنّها شر مطلق ولأنّها موسومة بالكذب والبهتان. وهذه الأقوال هي في الحقيقة افتراءات على الإسلام والمسلمين بهدف إخلاء الساحة للمفترين ليتمكّنوا من حكم المسلمين بشريعة هي ليست من جوهر الإسلام بل هي مخالفة له أو ربّما معادية للإسلام. و إلا فكيف نفسر ذلك ؟ فهل الكذب والبهتان حرام على الإسلاميين وحلال على غير الإسلاميين !!! قال الله تعالى مخاطبا النبي موسى وهارون "اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" فلم يطلب الله من الأنبياء والمرسلين والمصلحين أن يضحوا بأموالهم وأنفسهم وأن يسعوا لاقتلاع طغاة ومتجبرين لكي يهيئوا الظروف الملائمة لبروز طغاة جدد.  فما قيمة هذا الجهاد وهذا النضال عندئذ ؟ فمن حق كل إنسان وكل مسلم في هذا الكون أن يسعى لتقمص أي دور يرى نفسه جديرا به. فلقد طلب النبي يوسف عليه السلام من العزيز أن يجعله على خزائن الأرض. قال الله تعالى : "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم". فمن غير المعقول ولا المقبول عدم منح فرصة كاملة للإسلاميين في الحكم واتهامهم في مستوى أول منعرج بالجري واللهث وراء السلطة. وما يثير الإستغراب حقّا أن يصدر هذا الاتهام من طرف أكاديميين محترمين وأحيانا من قبل بعض الأطراف الإسلامية. وليس من المنطق في شيء أن يتهم المرء بالجري واللهث وراء السلطة في حين أنه قد رفضها في زمن الاستبداد وقضى تبعا لذلك زهرة شبابه في سجون الاستبداد.

ومن الشبهات أيضا اتهام الإسلاميين وحركة النهضة تحديدا بالخضوع والخنوع لقوى الباطل وقوى الثورة المضادة ومداهنة قوى الاستكبار المحلي والعالمي. فيرى العديد من الناس أن هذه الحركة قد انتخبها الشعب لتحكمه بعد أن خبرها وخبر جهادها وتضحياتها. وها هي اليوم بعد أن ذاقت طعم السلطة واستعذبته تراجعت عما كانت تدعو إليه وتنكرت للمستضعفين وبدأت تتقارب مع حركة نداء تونس. ولهذا الغرض تقابل رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي عديد المرات مع الباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس!

فالتغيير ليس سهلا ويتطلّب وقتا وجهدا وتفكيرا وكثيرا من الدهاء السياسي. إذ ليس من السهل محاصرة بقايا الاستبداد وتحييدها والقضاء على الثورة المضادة. غير أنّ الشعب في عمومه يريد من الحكومة المنتخبة أن تضرب بقوة منذ اليوم الأول وتحاصر بقايا الاستبداد حصارا محكما ولا تترك لهم منفذا يخرجون منه. في حين انّه لو حدث ذلك لوقفت هذه البقايا سدا منيعا في وجه الحكومة وفي وجه الثورة والثوار، ولحاولت تعطيل مسيرة الإصلاح، لا بل ولحاولت الانقلاب على الثورة بكل الطرق الممكنة (اضرابات وانفجارات واغتيالات). وعندئذ يتوجب على الشعب الخروج مرة أخرى إلى الشارع والوقوف بكل قوة في وجه الثورة المضادة. وربما يتطلب الأمر عدّة أشهر أو ربّما سنوات. فهل يقدر الشعب بكل فئاته على الصبر كل هذه المدة وهو الذي لم يصبر على الحكومة مطلقا وطالبها بالزيادة في الأجور منذ اليوم الأول. وهل يقدر هذا الشعب على تحمل كل أنواع الأذى وتحمل نقص الأموال والغذاء وفقد الأنفس ؟ من هنا يتطلب الأمر مخارج سياسية توفيقية لإفشال الثورة المضادة ولعزل بقايا الاستبداد. جاء في سيرة ابن هشام ان الرسول صلى الله عليه وسلم ،عندما أراد أن يفك الحصار المضروب على المدينة من قبل قريش وغطفان  في غزوة الأحزاب، بعث إلى قائدي غطفان عيينة ابن  حصن والحارث ابن عوف وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه. فجرى بينه وبينهما الصلح ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح. وبعث إلى سعد ابن معاذ وسعد ابن عبادة زعيما الأنصار واستشارهما فيه وقال لهما "والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما".

ذلك أنّه قد يتطلب الأمر من المصلحين بعض التنازلات لحث المعارضين  للتغيير على القبول باتفاق وبهدنة ما إلى حين أن تتوضح الرؤيا لكل الناس ويستريحوا من الحروب. فلقد جاء في سيرة ابن هشام أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد صلحا مع قريش (صلح الحديبية) وكان في هذا الصلح شروطا مجحفة على المسلمين. وتألم عمر ابن الخطاب لهذه الشروط وأتى رسول الله وقال له : يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال بلى. قال أولسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمسلمين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني. فكان من ثمرات هذا الصلح دخول قبائل كثيرة في الإسلام. ثم جاء بعد ذلك فتح مكة. فأصحاب الرأي من قريش مصابون بداء العناد والتكبر والأنفة وصعب عليهم أن يقبلوا بصلح متكافئ مع رسول الله. فوضعوا شروطا مجحفة لكي يبينوا للناس أنهم مازالوا أقوياء وسوف لن يتنازلوا أبدا. فتنازل لهم رسول الله بعض الشيء لكي يرغبهم في الصلح.

ويتبين لنا من دروس السيرة النبوية أن المصلحين في كل وقت مطالبون بإيجاد مخارج سياسية وتوفيقية للشعوب والمستضعفين وكذلك للمستبدين والمتكبرين لكي يحثوهم ويساعدوهم على النزول من الربوة وتقبل الوضع الجديد بدون خسائر كبيرة تطال الأخضر واليابس.

ولكن بدا جليّا من خلال الأحداث الجارية حاليا أن بعض المتكبرين قد فاقوا إبليس في تكبره ولا يريدون النزول عن الربوة بأي حال من الأحوال ولا التخلي عن تكبرهم وعن جبروتهم. وقد بدأ يلوح للجميع أن ساعة الحسم بدأت تقترب. لذلك فرجاؤنا ممن اختارهم الشعب لحكم تونس في هذه المرحلة الحساسة أن لا يؤخروا موعد الحسم ورجاؤنا كذلك أن يكون الشعب في الموعد وفي مستوى الآمال المعلقة عليه تمشّيا مع ما كان ينادي به إبّان الثورة.

 

منجي المازني

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©