نصوص

سوق الانتخابات والبرامج المفقودة

لم يعد تفصلنا عن الانتخابات التشريعية والرئاسية إلا أشهر قليلة وقد انتصبت الأسواق الانتخابية في ربوع البلاد حتى خلنا أن الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية قد توقفت عن الظهور فلا صوت يعلو على صوت الناخب والنخبة والاستحقاق الانتخابي. وما أكثر الأحزاب حين تعدهم فهم بالمئات وكذلك القائمات لكن في النهاية هناك استقطاب خفي بين حزبين كبيرين أو ثلاثة تدور حولهم رحى حرب الانتخابات وتتجه نحوهم الأنظار لما لهم من مريدين وخاصة الأموال والدعم الخارجي. والملاحظ أن القائمات المستقلة كانت كثيرة العدد وقد جا

0
19 سبتمبر 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

لم يعد تفصلنا عن الانتخابات التشريعية والرئاسية إلا أشهر قليلة وقد انتصبت الأسواق الانتخابية في ربوع البلاد حتى خلنا أن الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية قد توقفت عن الظهور فلا صوت يعلو على صوت الناخب والنخبة والاستحقاق الانتخابي.

وما أكثر الأحزاب حين تعدهم فهم بالمئات وكذلك القائمات لكن في النهاية هناك استقطاب خفي بين حزبين كبيرين أو ثلاثة تدور حولهم رحى حرب الانتخابات وتتجه نحوهم الأنظار لما لهم من مريدين وخاصة الأموال والدعم الخارجي.

والملاحظ أن القائمات المستقلة كانت كثيرة العدد وقد جاءت لتفتيت وعي الناخب وإضعاف بعض الأحزاب عن طريق التوزيع العشوائي للأصوات المترددة والغير مستقرة كما جاءت نتيجة لحظة غضب واحتجاج لبعض المنتسبين للأحزاب والذين لم يجدوا أنفسهم ضمن قائماتها المقدمة للانتخابات. كما يؤكد هذا التوجه حب التونسي للزعامة وتأصل النزعة الفردية والأنانية الشخصية وتقديس الذات ولو في غياب الفكر والمشروع والهدف.

وقد أظهرت سوق الانتخابات ضعف الولاء والانتماء الحزبي وخاصة على مستوى فريق القيادة والتي كل همها المناصب والكراسي وليس العقيدة الايديولوجية الحزبية والمشاريع وبهذا يتجه الرأي إلى أن الفترة الانتقالية الضبابية والمشوشة مازالت مهيمنة على الواقع السياسي التونسي وقد زاد القانون الانتخابي المعتمد على القائمات الطين بلة بحيث ليس هناك مجال لاختيار المترشحين الأكفاء لمهمة جد حساسة ومصيرية ستحدد مآل البلاد لعقود قادمة.

ومن المتوقع أن يفوز حزب بالأغلبية ويصل للحكم بمساعدة بعض الأحزاب التي تعيش في الظل وستكون المعارضة حاضرة بالتعطيل والضجيج فيستمر الجدل العقيم في غياب المشاريع والبرامج بحيث تستمر الحالة على ما عليها الآن. وبما أن الفترة القادمة هي امتداد للفترات الانتقالية الماضية وتجنبا لما عشناه في عهد الترويكا من صراعات سياسية كادت تحرق الأخضر واليابس وتذهب بالبلاد للمجهول فيمكن الاعتماد على حكومة توافقية بالأحزاب التي تتحصل على نسبة تفوق مثلا 10 في المائة مع التفاوض على مشروع مستقبلي موحد وجامع عوض الاعتماد على فكر حزب واحد مهيمن لا يجد اجماعا بين التونسيين في فترة شديدة التقلبات والهزات والارتجاجات.

 فالمجتمع التونسي في حاجة إلى قطيعة مع الماضي وتأسيس دولة عصرية متجهة أساسا للرفع من مستوى أهلها من الناحية العلمية والفكرية والتربوية والمادية بعيدا عن معارك الهوية والتخوين والتكفير والجهوية والمحسوبية وهذا يتطلب ابداع المشروع الذي يلتف حوله كل الناس ووجود الإرادة السياسية التي تتسامى عن تفاهات الأمور وبهرج الكرسي وهالة الزعامة.

فتوجهات الأحزاب الظاهرة هي الذهاب للانتخابات والفوز بها مهما كان الثمن وبعد ذلك يبدأ التفكير في الخطط والمشاريع والتحالفات وفي الخفاء هناك مخططات جاهزة وسيناريوهات معدة سلفا لأن وراء الستار ما وراءه والخوف أن تكون السوق الانتخابية مجرد مشهد فولكلوري لبيع الأوهام للبسطاء والفقراء والمهمشين توزع فيه الوعود والنقود والابتسامات الصفراء لا غير.

أما الانتخابات الرئاسية فأرادوها أن تكون لاحقة لغبار التشريعية وذلك للتنقيص من أهميتها حسب مع يعتقد المتوافقون بالنظر للصلوحيات الدستورية المفوضة لرئيس الجمهورية وهو القائد الأعلى للجيوش الثلاث والمخول لإعلان الحرب والسلم. فالمنطق المتعارف عليه هو تقديم الرئاسية على البرلمانية وليس العكس فهل تأخير الرئاسية الخوف من تأثيرها على الانتخابات التشريعية إذا كانت لاحقة لها وهي الضعيفة أم تمديد لبعض الأيام لساكن القصر الذي لا نسمع له صوتا في هذه الفترة وكأنه ألزم نفسه بالصمت الانتخابي قبل الأوان؟

والسوق الرئاسية تباع فيها الإمضاءات والتزكيات كما يباع رطل اللفت في الأسواق الاسبوعية والناس لا تعرف إلا القليل منهم وتجهل توجهاتهم واختياراتهم وكفاءاتهم وتنظر في الوجوه وكأنها قادمة من عالم آخر .فالجري وراء حب الظهور والبروز وتأثيث الوقت الضائع والتلاعب بالعقول وهدر المال العام  سمة لأغلب المشاركين حتى أصبحت المشاركة في الانتخابات الرئاسية كالذهاب لعرس أو المشاركة في حفل.

والغريب في كل هذا  أن الدولة تفتح خزائنها الفارغة كما يدعي أصحاب الحكمة فيها  وتمنح من المال العام لمن لا يستحق حتى يقوموا بحملاتهم الاستعراضية أمام الفقراء والمساكين ويبيعونهم كلاما فارغ المضمون وأوهاما ودجلا عقيما.


جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©