نصوص

سورية هي الأخرى على طريق الاستثناء العربي

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri

0
30 سبتمبر 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

حول ظروف وممهّدات الفوز الباهر الذي حقّقه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلّية المغربية كتب المفكّر الإسلامي فهمي هويدي مقالا بعنوان "المغرب على طريق الاستثناء العربي". و قد أورد في هذا المقال أهمّ ما جاء في تحليل أحد الخصوم الإسلام السياسي  المعارض المغربي علي أنوزلا حيث قال : " إنّ عنصر المفاجأة في الانتخابات لا يكمن في نتائجها وإنّما يكمن في السّياقات الصّعبة التي جاءت في ظلّها والتي تتمثّل في ضغوط السلطة والدّوائر المرتبطة بالقصر وفي ظلّ الإعلام الرّسمي والخاص المعادي للحركة الإسلامية وللإسلام السّياسي وفي ظلّ التراجع الكبير للإسلام السياسي في المحيط العربي والتراجع النسبي للنموذج الأردوغاني. وخلص علي أنوزلا إلى أنّ نجاح حزب العدالة والتنمية يقاس بأمرين مهمّين : الأول أنّه نجح في اختراق الطبقة الوسطى التي تقطن المدن ذلك أنّ أغلب فئات هذه الطبقة التي لا تشارك الحزب الإسلامي تصوّره المجتمعي أصبحت ترى فيه بديلا جسّد نزاهة اليد ومواجهة الفساد. الأمر الثاني وهو الأهم أنّ خطاب الأمين العام للحزب عبد الإلاه بن كيران الذي ركّز خلال الحملة الانتخابية على مهاجمة مراكز نفوذ السلطة وساهم في زحزحة هاجس الخوف الذي بدأ يعود ليتحكّم في عقول النّاس بعدما أزاحته ثورات الربيع العربي. وفي رأي الكاتب فإنّ العدالة والتنمية لو لم ينجح إلاّ في هذه النقطة الأخيرة لكتب له بماء الذّهب في ميزان أعظم إنجازاته التي قد يتجاوز أثرها حدود المغرب".

وللتذكير فإنّ الحديث على الاستثناء العربي قد انطلق عندما ارتطمت ثورات الرّبيع العربي بصخرة الثورة المضادّة وتوقّفت إلى حين. وجاء الاستثناء من تونس بفضل سعة صدر حركة النّهضة التي غلّبت مصلحة البلاد على ما سواها وتنازلت عن الحكم بهدف تجنيب البلاد السيناريو  الدموي المصري. فقد كانت الثورة  المضادّة في تلك الفترة على قاب قوسين أو أدنى من الانقلاب على الثورة والثّوار. وكان جانب مهم من الشعب التونسي آنذاك تحت تأثير وتخدير هذه الثورة المضادّة الشرسة. وتأكّد ذلك بوضوح وجلاء من خلال نتيجة انتخابات 2014 حيث فاز حزب نداء تونس  ب%  38 مقابل 29%   للنّهضة. وكان الامتياز لحركة النّهضة التي جنّبت البلاد السيناريو الدموي المصري. ذلك أنّ حركة النهضة تمكّنت بحركة وحيدة وفريدة من تحويل وجهة المعركة من الشارع ومن الاعتصامات والصّدامات والمواجهات والفوضى والفوضى "الخلاّقة" إلى الصندوق والمنافسة على  الصّندوق والإصرار على فرض الحل السلمي بما يتوافق وسنّة التدرّج  وطبيعة الشعب التونسي.

أمّا الاستثناء الثاني فقد جاء من المغرب سلطة ومعارضة في آن. فأمّا الملك محمّد السادس فكان دوره في هذا الاستثناء أنّه استوعب بسرعة مرامي ثورة الشّعب وتمكّن بفضل التنازل عن بعض سلطاته لفائدة السلطة المنتخبة من إنقاذ الموقف وتجنيب البلاد هزّات لا يعلم مدى خطورتها لو حدثت إلاّ الله. وأمّا قيادة الثورة فكان دورها في هذا الاستثناء أنّها لم ترفض العرض بل تفاعلت معه بسرعة وإيجابيّة و قبلت به. بما جعل الفريقين ينخرطان في العمل المشترك لإنجاز مشروع وطني سلمي يجعل من المعارك السّياسية والإعلامية والقانونية والانتخابية أساسا ومنطلقا لكلّ تدافع. وأمّا حزب العدالة والتنمية فكان دوره في هذا الاستثناء أنّه نجح في اختراق الطبقة الوسطى (كما سبق بيانه) بفضل نظافة و نزاهة اليد ومكافحة الفساد وبفضل الخصال القيادية لزعيمه عبد الإلاه  بنكيران الذي  استطاع من خلال مهاجمة مراكز نفوذ السّلطة من زحزحة هاجس الخوف لدى النّاس. وهو دليل ساطع على أنّ حركات الإسلام  السياسي تحتاج فقط إلى بعض الوقت.

لازلنا نذكر أنّ نهج السلم والسلمية والتدرّج هو ذات النهج الذي سلكته وانتهجته بداية الثورة السورية قيادة وشعبا حيث ظلّت الجماهير تنادي بالحل السلمي (سلمية سلمية) لما يقرب من بضعة أشهر. ولكن مع الأسف الشديد شهدت هذه الثورة منعرجا خطيرا غيّر لها مسارها حيث اصطدمت ب"جلمود صخر" وهو بشار وزبانيته الذي كان على درجة كبيرة من الشدّة وقساوة القلب والكفر والحقد اللّامتناهي استعصىت معه كلّ محاولات الجنوح إلى السلم والسلمية. وفي مرحلة لاحقة ترجمت هذه القساوة إلى شعارات من مثل "الأسد أو نحرق البلد"  وإلى براميل متفجّرة وإلى أسلحة كيماوية طالت الحرث والنسل والأخضر واليابس.

لقد أعاد النظام الفاشي السوري ومعه النظام الدولي إلى الأذهان وحشية القرون الأولى وجعل من كلّ البلاد أخدودا يحرق فيه الشعب السوري بالبراميل المتفجّرة وبالأسلحة الكيماوية وذلك تحت أنظار وشهادة النظام الدولي الأخرس و المتواطئ.

 في ظلّ هذا العنف الغير مسبوق في العصر الحديث من طرف حاكم تجاه شعبه وفي ظلّ صمت رهيب من المجتمع الدولي تجاه ما يجري ماذا يمكن للشعب السوري أن يفعل أو يصنع ؟ هل يرمي المنديل لعدم تكافئ موازين القوى ؟ هل يركن للظلمة وللوحوش الآدمية ؟  وهنا وعند هذا المفترق الصعب تصنع قيادة الثورة السورية الحدث على طريق الاستثناء العربي حيث استطاعت هذه القيادة في مرحلة أولى من فرض النّضالات السلمية على طول البلاد وعرضها لأطول مدّة ممكنة لتتمكّن في الأخير من انتزاع الخوف من قلوب النّاس، الأمر الذي هيّأ من جهة الشّعب السوري نفسانيا للدّخول في المواجهة المسلّحة التي فرضت عليه فيما بعد من طرف النظام، وقطع الطّريق من جهة أخرى على الثورة المضادّة حيث لم تتمكّن الولايات المتحدة طيلة سنوات الثورة من استقطاب معارضة "معتدلة" تكون نواة لثورة مضادّة ولم تتمكّن بعد جهد جهيد إلاّ من استقطاب وتدريب 60 عنصر "معارض" قتل بعضهم وفرّ الآخرون عندما احتكّوا بالثوار. واضطرّ النّظام السوري إلى الاستنجاد بالخارج لتوريد ثورة مضادّة من وراد الحدود(أيران ، روسيا، حزب الله،داعش) قد تصل إلى احتلال مباشر.

ما يجدر ملاحظته في هذا الشأن، أنّ الاستثناء التونسي أو المغربي لم يأت من فراغ، ولم تكن فاعلة فيه جهة واحدة دون أخرى، بل  كانت فاعلة ومؤثّرة فيه  كلاّ من الجهتين، رغم أنّهما جهتان متناقضتان (الثورة والثورة المضادّة). وملخّص ذلك في واقع الحال أنّ جهة عرضت الأمر بالحد الأدنى المطلوب وجهة قبلت به. فلو لم يتنازل ملك المغرب عن بعض سلطاته لما استجابت المعارضة. ولو لم ترض قيادة الثورة بالعرض لما حصل استثناء بالمرّة ولكان الحال غير الحال. إلّا انّه بالنسبة  للحالة السورية فإنّه لا يمكننا أن نتحدّث عن جهتين لأنّ فريق بشّار الأسد فريق أصمّ، بل  وأعمى البصر والبصيرة فهو لا يسمع  ولا يبصر ما يجري حوله من متغيّرات على الميدان. ولعلّ ما جعله يتمادى في ذلك إنّما هو الظرفيّة السياسية  في المحيط الإقليمي والدولي التي تنزّلت فيها الثورة.   ممّا جعل فريق الثورة يقابله باستثناء(من جانب واحد) في الصمود والجهاد والصّبر والثّبات على المبدأ والمقاومة والممانعة (الغير مزيّفة) وعدم الرّكون للاستبداد على نهج "صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة" وعلى نهج "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ" وعلى نهج "لكلّ مقام مقال". فتحيّة إجلال وإكبار للثورة السورية المجيدة، وما ضاع حقّ وراءه طالب. وإنّها لثورة حتّى النصر، حتّى النصر حتّى النصر

منجي المازني

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©