نصوص

سقط القناع بقلم ضو التريكي

لا تزال الثورة التونسية وأخواتها في الوطن العربي تسقط الأقنعة تلو الأقنعة. أولها كان قناع الغرب، الذي إدعى دوما نصرة حقوق الإنسان، وأصم آذاننا بالحديث عن الحرية والديمقراطية الموعودة، في الوقت الذي كان يساند فيه دكتاتوريات، طالما تستر عن جرائمها الواضحة للعيان. بل إن البنوك الغربية فتحت أبوابها أمام تدفق اموال رؤساء العرب وعائلاتهم، التي نهبوها من شعوبهم. فهل كان يخفى هذا الامر علي ساسة الغرب، أم ان ملاحقة أموال الجمعيات الخيرية قد شغلهم عن تلك الأموال؟. سقط القناع عندما لم تتحمل فرنسا الصدمة ال

0
28 أكتوبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

لا تزال الثورة التونسية وأخواتها في الوطن العربي تسقط الأقنعة تلو الأقنعة. أولها كان قناع الغرب، الذي إدعى دوما نصرة حقوق الإنسان، وأصم آذاننا بالحديث عن الحرية والديمقراطية الموعودة، في الوقت الذي كان يساند فيه دكتاتوريات، طالما تستر عن جرائمها الواضحة للعيان. بل إن البنوك الغربية فتحت أبوابها أمام تدفق اموال رؤساء العرب وعائلاتهم، التي نهبوها من شعوبهم. فهل كان يخفى هذا الامر علي ساسة الغرب، أم ان ملاحقة أموال الجمعيات الخيرية قد شغلهم عن تلك الأموال؟.

سقط القناع عندما لم تتحمل فرنسا الصدمة الأولى، وخادم مصالحها في تونس قد ضاقت به الأرض فأخذ يستنجد بهم وهو في السماء. لم تصدق فرنسا ولن تصدق أن المخلوع الذي طالما استعرض عضلاته على شعبه، قد فر من تونس خوفا من سلاح تونسي الصنع اسمه " ديغاج".

سقط القناع عندما لم تستطع إخفاء ذهولها وهي تعرض على الرئيس المغلوع كل المساندة حتى الأمنية.

سقط القناع عن مخابرات الدول المتقدمة، التي طالما اوهمتنا أنها تعرف عن أحوالنا أكثر مما نعرف، عندما فشلت فشلا ذريعا حيث فوجئت كغيرها بثورة تونس.

سقط القناع عن تلك الأحزاب التونسية ذات التوجه الليبرالي والعلماني والحداثي والديمقراطي، وخاصة منهم أولائك الذين وضعوا أيديهم في يد المخلوع من أجل ضرب المجتمع في هويته العربية الإسلامية، بنشر ثقافة الإنحلال. سقط القناع عنهم عندما إختار الشعب التونسي يوم 23 اكتوبر ممثليه الحقيقيين، فأنقلبوا على الديمقراطية التي كانوا يبشرون بها، كما انقلب اسيادهم الغربيين عليها عندما اختار الشعب الفلسطيني حماس. فنعم للديمقراطية إذا خدمت مصالحنا وتبا لها إذا اختارت الإسلاميين. حقا إنه عصر التآمر، فحتى الديمقراطية تآمرت مع الإسلاميين.

سقط القناع عن هؤلاء عندما انهزموا في الإنتخابات، فبدل أن يراجعوا حساباتهم، نجدهم يشتمون الشعب التونسي ويتهمونه بالجهل وعدم الوعي. لأنه لم يقبل سياسة التجهيل والتفسخ التي مارسها المخلوع وأزلامه.

سقط القناع عن هؤلاء، عندما اخذ بعضهم يكيل الإتهامات جزافا على عملية انتخابية أشاد بنزاهتها القاصي والداني، في حين صرح البعض الآخر بأنه لن يشارك في الحكومة والإصطفاف مع المعارضة، بالرغم من النداءات المتكررة من طرف الحزب المنتصر بأنه سيتشاور مع الجميع من أجل مصحلة تونس.

فلماذا تقابل الأحزاب الديمقراطية المهزومة في الإنتخابات، - والتي كانت تدعو لتقديم مصلحة الوطن على المصلحة الحزبية -  انفتاح النهضة على الآخر بالإنغلاق؟

أليس من المفروض اليوم أن نتعالى عن خلافاتنا الإيديولوجية من أجل مصلحة تونس؟

وهكذا سقط القناع الأخير عن هؤلاء بتقديمهم المصلحة الحزبية الضيقة على مصلحة البلاد. حيث لا يعقل أن حزبا تحصل على الأغلبية بجدارة، واختاره الشعب بإمتياز، ثم لم تأخذه نشوة الإنتصار للإعتداد بالنفس، ويفتح الأبواب أمام كل المنافسين للحوار والنقاش من أجل بناء تونس ضمن برنامج توافقي، ثم يجد الإعراض من الطرف الآخر، انه لأمر يدعو للحيرة والتساؤل عمن سيستفيد من كل ذلك.

ماذا بقي بعد سقوط الأقنعة؟

لم يبقى بعد سقوط الأقنعة إلا التحدي، على جميع المستويات.

تحدي للنهضة التي اتهمت بإزدواجية الخطاب، أن تبرهن للشعب أن إختياره في محله، وإنها عند حسن ظن شعبها بها، وأعتقد أنها قادرة على التحدي، فقد أثبتت قبل الإنتخابات وبعدها أنها الأقدر من غيرها على إدارة الأزمات من بورقيبة الى بن علي الى الحملات المسعورة للتشويه في وسائل الإعلام الداخلية والخارجية. لقد برهنت النهضة أنها الأفضل على جميع المستويات.

التحدي الثاني موجه للغرب، هل سيكون أذكى من المخلوع عندما قال للشعب التونسي " فهمتكم" وهو لم يفهم شيئا، فيتعامل مع الواقع الجديد بسياسة جديدة، أم أنه سيسقط في التحدي فيعميه عداءه المجاني للإسلام، فيتآمر مع ممثليه في تونس ضد الديمقراطية. يجب على الغرب أن يفهم أن عهد الإملآت قد ولى وإنقضى، وأن الشعوب العربية لا تكن عداء مجانيا للغرب كما يتصور، ولكنهم يتوقون لعلاقات تسودها الندية والإحترام المتبادل.

التحدي الثالث موجه للأحزاب والنخبة العلمانية في تونس والتي تنادي بالحداثة والديمقرطية ، هل ستغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، هل ستبرهن للشعب التونسي وهي المتهمة بولائها للغرب أكثر من ولائها للأمة العربية الإسلامية، على أنها وليد تونسي أصيل. ولا يكون ذلك إلا بالمساهمة في بناء تونس مع كل الشرفاء. ان المغلوع كان يدعي الديمقراطية والحداثة والعلمانية، لكنه كما نعرف كان يخدم أجندة خارجية.

التحدي الرابع وهو موجه للجميع، لقد دقت ساعة العمل، ومن الآن يجب أن نترك جانبا التجاذبات السياسية والإيديولوجية، ولنضع اليد في اليد ونبني تونس الجديدة تونس العدالة، تونس الحرية، تونس المساواة، تونس لكل أبنائها مهما كان لونهم او دينهم او عرقهم. شعارنا في ذلك نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا البعض عما اختلفنا فيه.

عاشت تونس حرة عزيزة بشعبها الأبي الذي بهر العالم بإنجازاته، رغم إتهامات المتهمين.    

            ضو التريكي – أبو النور – أستاذ تاريخ

 اسبانيا 27-10-2011

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©