نصوص

زمن الإبحار (1) رحلة غزة..الأبعاد والدلالات بقلم: نورالدين الملاخ

زمن الإبحار (1) رحلة غزة..الأبعاد والدلالات نورالدين الملاخ 2006 ،عام انطلاق سفينة الحرية:كان حلم إحدى الشركات الأمريكية في اتجاه نيويورك، ولوس أنجلوس، ولندن، وباريس، وروما، وسيدني، وطوكيو، وريو دي جينيرو، وهونج كونج،رحلات مبرمجة لفائدة "مترفي" الأرض.أسطول بمثابة مدينة متنقلة في أعالي البحار، سعته حوالي 100 ألف زائر، به جميع ما يحتاجه المسافر من خدمات صحية وتعليمية وشرائية… الخ،مشروع يكلف حوالي 8 مليارات دولار،الهدف منه حسب مهندسي الرحلة، تكوين مجتمع يوفر أسلوبا فريدا للحياة؛ حيث تكون سفينة الحر

0
17 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 زمن الإبحار (1) رحلة غزة..الأبعاد والدلالات

     نورالدين الملاخ     

        2006 ،عام انطلاق سفينة الحرية:كان حلم إحدى الشركات الأمريكية في اتجاه نيويورك، ولوس أنجلوس، ولندن، وباريس، وروما، وسيدني، وطوكيو، وريو دي جينيرو، وهونج كونج،رحلات مبرمجة لفائدة "مترفي" الأرض.أسطول بمثابة مدينة متنقلة في أعالي البحار، سعته حوالي 100 ألف زائر، به جميع ما يحتاجه المسافر من خدمات صحية وتعليمية وشرائية… الخ،مشروع يكلف حوالي 8 مليارات دولار،الهدف منه حسب مهندسي الرحلة، تكوين مجتمع يوفر أسلوبا فريدا للحياة؛ حيث تكون سفينة الحرية تلك هي أول مجتمع متحرك عُرف على وجه الأرض. ومن المفترض أن يكون مجتمعا عالميا لا ينتمي إلى جنس أو عرق واحد أو دين.

   إلا أن أصحاب المشروع الأمريكي، لم يضعوا في خرائطهم ومخططات إبحارهم محطة غزة المحاصرة،كما أن صاحب الفكرة الأمريكية لم يعرف بأن أدب الرحلة لا يقتصرعلى "مترفي العالم" الذين يبحثون عن المتعة،بل يهم أيضا "مستضعفي العالم" الذين يبحثون عن الانعتاق.

  الإبحار معناه السفر في البحر . والسفر انتقال من مكان لآخر من أجل تحقيق هدف مادي أو معنوي.المسافر،غالبا يكون قاصدا لوجهة محددة بوسيلة معينة، يصل بواسطتها إلى المكان المنشود حيث القصد.

 انطلق نهاية شهر ماي 2010  سفينة الحرية نحو غزة المحاصرة من طرف الكيان الصهيوني الغاشم ، من أجل كسر هذا الحصار الظالم الممارس بشكل مباشر من طرف الصهاينة برعاية الإدارة الأمريكية و مباركة الأنظمة العربية وصمت المنتظم الدولي على الجرائم الفظيعة المقترفة ضد الشعب الفلسطيني الأبي و أهلنا في غزة حاملي مشعل المقاومة و الصبر والمصابرة.

     أبى بعض أحرار العالم إلا أن يشاركوا أهلنا في غزة هذا الشعور النبيل و القوة والعزة، فكانت سفينة الإبحار إلى غزة.إرادة تحولت إلى مبادرة فعلية، فرفعت أشرعة سفينة الحرية من تركيا-التي كانت بالأمس القريب قزما يبحث عن موقع في العالم العلماني- نحو غزة من أجل فك الحصار المفروض على القطاع منذ يونيو 2007على أكثر من مليون ونصف فلسطيني.تركيا اليوم التي أصبحت جبلا شامخا يحتدى به في الرجولة والموقف الشجاع أصبحت قبلة انطلاق لرفع رايات التحرر والتحرير. 

    أكثر من 700 فرد مثلوا شعوب أكثر من 40 دولة صنعوا الفلك وأبحروا باسم الله مجراها ومرساها نحو أرض الحرية.  حدث قوي تتجلى عناصر قوته في:

بعده الاستراتيجي،وهو تعبير عن الإدارة العقلانية والبعيدة المدى والتي بنيت على ثلاثة أبعاد:التنظيم،العزم والمفاجأة.

بعده التخطيطي، أي اتخاذ مجموعة من التدابير المحددة من أجل تنفيذ الهدف المسطر لتدشين عملية فك الحصار

بعده الإجرائي،أي السعي وراء تحقيق الهدف المسطر بشكل مباشر أو غير مباشر.

أبعاد ثلاثة منسجمة ومتكاملة، جعلت رد فعل الكيان الغاصب يقع في فخ الانحصار أمام ما كسبته سفينة الحرية من ربح لوسام الشهادة، ومشروعية الموقف ومساندة الشارع العالمي.  

حدث عظيم، في حد ذاته تعبير واضح على أن القضية الفلسطينية قضية أمة مستضعفة تقاوم الاستبداد و الطغيان. أمر سعى الاستكبار العالمي منذ عقود على جعل القضية الفلسطينية تنحصر في زاوية ضيقة  في الشرق الأوسط ،وبجعلها بؤرة توثر تنحصر في المكان و الزمان،يسهل احتواؤها و القضاء على أناسها،بسن قوانين جديدة و إلزام الآخر بشكلها قبل جوهرها. فأسطورة مكافحة الإرهاب- مثلا- من إبداع العقل المستبد صنعت له "دمى" متحركة ألبست ثوب الطهارة و حقنت بدماء الكراهية والعصبية والتوتر، فأصبحت قابلة للاستعمال لأي هدف ولو كان دنيئا، مما نتج عن ذلك أحداث عنيفة واصطدامات خطيرة تشمئز لها القلوب و الأنظار في كل بقاع العالم-أمريكا،المغرب،الهند،اسبانيا،باكستان،الجزائر...- أيام سوداء خلفت صورة قاتمة، لا يمكن وصفها ظاهريا عند العامة إلا بالظلامية والإرهاب ...وعند الخاصة إلا بصراع الحضارات .أسست لذلك منظومة فكرية وهمية على قاعدة لا قرار لها، اتخذت صبغة "العالمية" ضد كل "قوة اقتحامية" تقاوم الجور والظلم والاستبداد، وهو ما يشرعن الفعل المستبد ضد إرادة الاقتحام.سلطة وهمية اكتسبت قوتها و جبروتها من صورة وهمية قاتمة، عمل المستكبر على صناعتها منذ عقود...

     صورة تظهر المستبد وديعا و المقاوم ذئبا  متعطشا للدماء ، يتحين الفرص لغرز أنيابة في جسم الحمل المتسامح ،القابل للتعايش مع الجميع في أي وطن،وباسم أي دين. فالثقافات مندمجة و التطبيع بكل أشكاله وألوانه مشروع ومكافحة الإرهاب من أجل ذلك واجب.

     كثير من المفكرين والمحللين السياسيين،من كتب عن انقلاب الصورة التي نعيشها اليوم في العالم، خاصة القضية الفلسطينية، لكن قليلا من يلمسوا حقيقتها.عندما بزغ فجر مبادرة "أسطول الحرية"  بدأت تتبدد غيوم العواصف الهوجاء  لتزيل الغبش عن العيون الرمداء،وتظهر حقيقة الواقع المر،وأن الصورة فعلا معكوسة، والمنظومة الفكرية التي أسست عليها الاستراتجيات و الخيارات السياسية تتجه نحو قبلة مغلوطة ، وأن الدمى المبثوثة في عالمنا العربي والإسلامي شحنتها بطاريات غريبة قابلة للتفجير في أي زمان وأي مكان لتحقيق هدف جديد، يعطي  المصداقية لأي فعل مستقبلي ويصنع "فوبيا"تفرز ثقافة الرعب والتنابز بالألقاب والصراعات الوهمية وتصنف العالم إلى محور شر وآخر !!

   مبادرة "أسطول الحرية" كشفت القناع، وأظهرت الصورة الحقيقية للسياسات الاستعمارية الجديدة في عالم المستضعفين من العالم.بذلك أصبح الفعل "المبادرة" أقوى من الكلام،خاصة وأن الحدث كشف عورة المستعمرين الجدد المختبئين خلف قناع السلام والتعايش وإيقاع "سنفونية" عالمية لأسطوانة شرخة،أبواقها أصوات حكام عرب يتقنون ثقافة الصمت الطويل والضجيج في الوقت والمكان المناسبين،ويرقصون على إيقاع    آهات الأيتام وجراح الشعوب وجماجم الشهداء.

  حصار غاشم على أهلنا في غزة، لا تستطيع صورة صحافي تجسيد حقيقته ولا ريشة مبدع ملامسة أبعاده ولا كلمات شاعر وصف معاناة أهله ودرجة صبر نسائه وأطفاله ومقاومة رجاله، كما لا تستطيع مقالة محلل ضبط معالمه.

   حصار فاضح لصمت عربي مخجل، نسجت خيوط قيده في البيت العربي وأفرز سم عنكبه في أرض خصبة بثرواتها المادية والمعنوية، أرض الأنبياء والأتقياء، أرض الطهارة ورمز القدسية والسمو والارتقاء لمعالي النبل والشرف والقرب من الله.

   لكن من دبر لمؤامرة الليل المظلم، نسي بأن الليل القاتم يعقبه النهار الفاضح والذي يبدأ بتنفس صبح يحمل نسيم الحرية وتهب معه ريح الإيمان لمواجهة تيارات الهدم وكسر سيوف الاستعمار.

   حصار "محنة" بلاء وابتلاء،لكن يريد الله لها أن تصبح "منحة" شهادة ويقين ورفعة وعنوان عزة وكرامة ورفع الذل والاستدلال على أمة  قدرها النصر والتمكين إن صبرت  وصابرت وهجرت مواطن الفساد والإفساد وهاجرت وأبحرت  نحو شاطئ النجاة في بحر الظلمات وطوفان الاستبداد واقتحمت عقبات وعقبات  لفك الرقاب،بقيادة الأحرار الأطهار.  

     يا أحرار العالم:

    مزيدا من الفعل الرشيد، لتصبح "سفينة الحرية" الأولى "أسطول الحرية"الدائم

    حذار من الفعل المتنطع، أي فعل "الدمى" الموجهة والمشوشة على كل الحركات العالمية التحررية الموصوفة بالفوضى في القاموس الاستكباري لهدف كبح فعلها وكسر شوكتها.

    لنرفع جميعا أشرعة  سفن الحرية في بحر الظلم و الظلمات،الإبحار ضرورة وليس متعة.

    لنقتحم عقبات الأمواج العاتية و طوفان البحار الهائجة نحو شاطئ النجاة والانعتاق.

   الإبحار سنة الله في كونه، منذ نبي الله نوح عليه السلام إلى سيدنا محمد رسول الله الذي هاجر إلى المدينة سعيا لتأسيس مجتمع الحرية.

   الهجرة بمعناها النبوي والإبحار بمعناه المجازي سنة الأنبياء والرسل، وجب إتباعها والسعي لتثبيتها في كل وقت وحين، بحثا عن الاستقرار والطمأنينة في مجتمع عمران أخوي،سماته العزة والكرامة والحرية.

ألا هُبِّي، رياح النصر، فينا     ---   ولا تُبقي جموعَ المجرمينَا

أفي صُبْحِ الإفاقةِ من خُمُولٍ   ---   وصَحْوٍ عَمَّ دارَ المسلمينَا

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©