زفرات مكبوت عائد من الوطن
حدثني صديقي العائد من توه من الوطن قائلا: إستوقفني في الطريق وأخذ يلف بسيارتي يمنة ويسرة.. ناظرا إلي تارة وإليها تارة أخرى.. سابا أمي وكل من له علاقة بأصلي وفصيلتي.. ومتلفظا ببذيء الكلام الممتلئ به قاموسهم النتن.. وأنه يحلم بأن يركب سيارة مثل التي في حوزتي ناهيك عن تملكها، ونحن الذين في الخارج نعود لهم كل صيف بسيارات فخمة متباهين بهم عليهم.. وهو الذي مضى عليه عشرون عاما في خدمة الدولة التي لم تزده شيئا بل أنقصته مدة من عمره خدمة لها دون مال يذكر.. طلب مني جهارا أن أعطيه "الأورووات"، ضحكت منه وقل
- 8 أكتوبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
حدثني صديقي العائد من توه من الوطن قائلا: إستوقفني في الطريق وأخذ يلف بسيارتي يمنة ويسرة.. ناظرا إلي تارة وإليها تارة أخرى.. سابا أمي وكل من له علاقة بأصلي وفصيلتي.. ومتلفظا ببذيء الكلام الممتلئ به قاموسهم النتن.. وأنه يحلم بأن يركب سيارة مثل التي في حوزتي ناهيك عن تملكها، ونحن الذين في الخارج نعود لهم كل صيف بسيارات فخمة متباهين بهم عليهم.. وهو الذي مضى عليه عشرون عاما في خدمة الدولة التي لم تزده شيئا بل أنقصته مدة من عمره خدمة لها دون مال يذكر..
طلب مني جهارا أن أعطيه "الأورووات"، ضحكت منه وقلت له: تحب الهندي..!! (شجيرة الصبار) لا ليس لدي "أورووات" كما طلبت.. فوصفني بالحمرنة والجحشنة.. وأهانني ولطمني لقلة حيائي وتجرئي على عون أمن.. ثارت ثائرتي وعزمت على تأديبه لكن والدي نهرني وترجّاني، وأن هؤولاء ظلمة يستغلون بدلتهم تلك لإهانة المواطن..
فقلت لأبي: لو كنت ضابطا، ما كان ليستطيع أن يفعل ما فعل. بل سينحني لي.. ولكنني لست ضابطا، ولا رادع لأفعاله لانعدام المراقبة، وقلة المسؤولية، ولهذا فعل ما فعل.
قال لي والدي: ألم أشرح لك في بداية دراستك أهمية أن يكون المرء ضابطا. فالمزايا التي يحصل عليها كثيرة.. من بينها هذا، وذاك، وغيرها لا يحصى ولا يعد.. يتجاوز المرور في الازدحام دون توقف.. حتى في المخبزة يأخذ خبزه بسرعة ويمضي… وفي وسائل النقل لا يدفع معلوم الركوب.. وله مؤسسة خاصة من أجل التموين والدخان.. الناس لا يحترمونه فقط، بل يهابونه.. ويا ويل من يدوس له على طرف..
قلت لوالدي: فكرت بجدية وقتها، وكنت على وشك القبول، لأنها فرصة جيدة كي أتخلص من الدراسة المملة.. لولا أنني رأيت وقتها ضابط ينهال بالضرب على أحد المجندين الجدد لمجرد أنه لم يكوِ قميصه.. لذلك كرهت أن أكون ضابطا.. وتراجعت عن قراري.
ثم أدرت وجهي إلى ذلك العون وقلت له: لو كنت من العائلة المالكة.. ما كنت لأتغرّب.. بل لأسكن هنا.. لأنني كما تعرف أنت ومن والاك، كنت منحت بعض الاستثناءات.. وتغاضيت أنت وأمثالك عن كثير من التجاوزات.. وسيتشرف أي سمسار، أو تاجر بناء، أن يقدم لي أرضا في المكان الذي أحب.. وبالسعر الذي أحدد.. وأستطيع خلال أسبوع أن أبني أفضل (فيلا) في المرسى.. وتكون لي أنت من الحراس.. ولكنني لست من العائلة المالكة، ولذلك فعلت ما فعلت..
طبعا أولئك عندهم أموال كثيرة جاءوا بها من أرض الكاوْ كاوْ.. من خلال تجارتهم بالـ... والعياذ بالله.. وهم قادرون على أن يهدموا "الحوش" فوق رأسي ورأس أجدادي الذين تمتد سلسلتهم إلى الفاطميين، حيث قدموا مفاتيحها صاغرين وولّوا الأدبار وهم يحمدون الله أنّ هؤلاء لم يطالبوهم بالإيجار عن الفترة التي قضوها هنا. لهذا سهل عليهم هدم شجرة العائلة حين أزالوا بيتنا من ذلك المكان بحجة بناء مجمع تجاري..
يا صديقي متوجها إلي! أنت تتابع الحياة السياسية في بلدنا.. وتستطيع أن تكتب، وتعبّر بأسلوب لبق مقنع.. قل للحكومة إنّ الظلم انتشر.. والفساد عم.. وإنّ الرواتب لا تكفي.. وأنّ الموظف هناك يعمل ليل نهار، ثم تقدم له الحكومة راتبا شهريا لا يكفيه سجائر.. الماء يتوقف عند الطابق الثاني لقلة الضغط.. بل لكثرة الضغط عليه.. والمصعد يصعد حتى الطابق الثاني في أكثر الأحيان، لأنه لم يصمم بشكل يراعي الكثافة السكانية والتوسّع العمراني.. الناس غرقوا بالرشاوي.. والمسكين لا يستطيع العيش..
قلت له: في الواقع أنّ صفة الحمرنة أو الجحشنة لدى قدماء العرب العقلاء ترمز إلى صفة حميدة من صفات التحمل والصبر، لما يتمتع به الحمار عامة والحمار العربي خاصة من أرقى صفات العمل والصبر والجلد والذكاء.. ولعل من أهم صفات الذكاء لدى الحمار أنه قد يحفظ طريقه غيبا من أول مرة يطرق فيها طريقا جديدا.. ولهذا فقد استخدمه عتاة المهربين في الطرق الجبلية الوعرة من أجل تحميله، وتركه يخاطر وحيدا بعبور الحدود ليلا، ومع كل تلك المخاطر فإنه كأولئك الأعوان المساكين الذين تنطبق عليهم هم صفة الجحشنة، لتحملهم وصبرهم، ولا يجدون كلمة شكر واحدة من مالكهم المهرب؟؟؟ أما أنت فلا تنطبق عليك هذه الصفة لأنك لم تستطع أن تتحمله..
الكاتب اليوم يا أخي صار ممسحة للجميع.. الناس يطالبونه، والحكومة تطالبه أيضا.. فكلما قابلت أشخاصا من شرائح مختلفة.. وجدتهم يتذمرون.. ولأنني لم أتجرأ حتى هذا اليوم على كتابة سطر واحد مما سمعت من أمثالك.. اكتفيت بأن أشاركهم أحزانهم.. حتى لو تجرأت وكتبت.. لن تجرأ أي صحيفة أو ناشر على إذاعة ما أكتبه.. الأعذار كثيرة.. تعرفونها طبعا.. فما فائدة الكلام؟.
صحيح ما فائدة الكلام..؟ لأنني من جهة أخرى مطالب.. لا.. لا.. ليس من الحكومة بالتحديد.. إنني مطالب من أي شخص أقابله هنا.. أكان عربيدا أو صالحا.. أي واحد منهم مضمون له حق العودة، مسؤولا أم لا.. يطالبني بشيء من العتب الممزوج بالتعنيف: يا أخي أنت تعرف الحال.. عش الواقعية.. لا تساهم في تخريب عقول الأجيال وإفساد تربيتهم من خلال السماح بترويج مثل هاته الأشياء.. حببهم في بلادهم، ولا تنفرهم منها.. هل يمكن أن ترفع الدولة الرواتب ومواردنا محدودة.. ونحن ما زلنا نواجه نظاما عالميا جديدا غازيا..؟ إنّ التحمل واجب على كل مواطن في الوقت الراهن..
وهكذا يمسي الكاتب ممسحة للجهتين.. الناس يحملونك مسؤولية شقائهم، ومن تسلطوا على رقاب العباد يحملونك مسؤولية تهييج الناس..
ولأنّ الكاتب مطالب من الجهتين، تهمله الجهتان معا.. الناس يظنون أنك بجرة قلم تستطيع إجبار الحكومة على تغيير سياستها.. والحكومة تدس رأسها تحت الرمال، ولا يحرك لها ساكن أي كان في المقابل، بل تعلن الحرب عليك.. ولهذا لم يتدخل أحد حين جردني الدهّان القادم من بلاد الواكْ واكْ من لوني الطبيعي.. بل تشوق إلى رؤية ما سيحدث لي.. لو أنك كنت مسنودا أو يدك طويلة لوصلت الشكوى إلى المسؤول، بل لأوقفت أنت بنفسك ذاك العون..
وبما أنني مثلك، لست ضابطا ولا من العائلة المالكة.. إنما كاتب.. والكاتب عليه أن يحمل خطايا الآخرين دون تذمر.. كما أنه قوّال.. لا يستطيع أن يدعم إلاّ الحقيقة.. ولا يخاف من أحد.. سأدعم قضيتك هاته المرة، لكن معاتبا، ومذكرا إياك ما قاله الحلاج لشيخه الجنيد: "لو قال المؤذن: الله أكبر. بصدق الإشارة، لما حملته هذه المنارة، وكانت تفتتت من تحت أقدامه الحجارة".
فلو رجعنا إلى الله بقلوبنا، لجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا.. ما استأسدوا علينا إلا بكثرة ذنوبنا.. إن كان مارأيته هناك ليس بمعقول، فألزم غربتك وإلا قعادك في الحبس يطول.. أنت تخبرني بقصتك هذه كي تقنعني بمطلبك.. وهو أن نقاوم فكرة إقامة نصب تذكارية لهم بعد الموت.. أتركهم ينصبون لأنفسهم ما يشاؤون من تماثيل، لأنها ستغدو أماكن أمينة يلجأ إليها من يريد أن يبول..
فتحي العابد
كتبت بحمد الله في شهر أكتوبر 2009