نصوص

رَمضَان فِي المَانِيا: حُضُور "الدِّقْـلَـة"* وغِـيَـاب "الزَّيْـتُـونَـة

جاء رمضان، شهر القرآن شهر التقرّب الى الله والقُربُ منه والحنِينُ اليه...أمعنتُ بُرهةً مع الحاضرِ والذِّكْرياتِ فإذا برمضان يدعُوني وأنا في غُربة بلادِ الغربِ للأستعداد له وللحديث عنه..فرمضان هو رمضان في الشرق أو في الغرب، انه يشحذُ الهِمَم ويَفتحُ القلوب للعبادة وللعمل الصالح ليتقرّب الإنسان الى الله ويزداد أكثر حِنيّة لَــه. وكما يَختلِف مذاقُ الشّرقِ عن الغرب ، يختلف مذاقُ رمضان في ألمَانيا لكنَّه مذاقٌ متميِّزٌ على أيّة حال ...فالأيَّامُ هنا لا يفارقها هدوءَها المُعتاد وليْس ثمّة مظاهر تغيير

0
21 أغسطس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

جاء رمضان، شهر القرآن شهر التقرّب الى الله والقُربُ منه والحنِينُ اليه...أمعنتُ بُرهةً مع الحاضرِ والذِّكْرياتِ فإذا برمضان يدعُوني وأنا في غُربة بلادِ الغربِ للأستعداد له وللحديث عنه..فرمضان هو رمضان في الشرق أو في الغرب، انه يشحذُ الهِمَم ويَفتحُ القلوب للعبادة وللعمل الصالح ليتقرّب الإنسان الى الله ويزداد أكثر حِنيّة لَــه.

وكما يَختلِف مذاقُ الشّرقِ عن الغرب ، يختلف مذاقُ رمضان في ألمَانيا لكنَّه مذاقٌ متميِّزٌ على أيّة حال ...فالأيَّامُ هنا لا يفارقها هدوءَها المُعتاد وليْس ثمّة مظاهر تغيير في الشوارع أو الأسواق ولا يستشعر المسلم رائحة رمضان الاّ عند دخول المركز الإسلامي الذي تزدهر فيه الحركة بشكل غير عادي تعوّض الإحساس بغياب هيبة رمضان وجماله في الشوارع ووسائل الإعلام  بالبلاد الإسلاميّة.

ومن الملامح المُمَيّزة في رمضان ألمانيا، الإفطارات الجماعيّة بالمركز كامل الأسبوع والنُّكهة الثقافيّة الدّسِمة التي تتمثل في الحراك الثقافي الدعوي والإجتماعي المكثّف طِوال الشهر.فالمسجد هنا له دور كبير في تجميع المسلمين على موائد القرآن والإفطار ليقوّي فيهم روابط الألفة والمودّة ويحيي فيهم  وفي أبنائهم الشعور بشخصيّتهم الإسلاميّة ولهذا السبب يحرص القائمون على المراكز على توفير كل مستلزمات التوفيق والنجاح .

ولأن رمضان هو قراءة القرآن وإطعام الطعام، تحرص المراكز الإسلاميّة على فتح أبوابها أمام المسلمين خلال هذا الشهر أكثر، فَهُما أي القرآن واطعام الطعام  الميزاتان البارزتان فيه. صحيح أن مائدتي الأكل والقرآن لا تخلوا حتى أثناء العام الاّ أن لذّتهما وخُصُوصيّتهما تتجليّان اِزدهاراً في الكم والكميّة في هذا الشهر من سائر الشهور الأخرى.

فمائدة الأكل في رمضان يكون أهمّ ما يميّزها مع حلول آذان المغرب حبّــات التمر مع كأس لبن أو حليب، فالتمرُ ثابت ثبوت هلال الشهر وليس فقط أيّها تمر بل عادة ما يكون التمر التونسي " الدِّقْـــلَـة" فهو أشهرُ التمور وألذّها طعماً (عندي) وهذه النوعيّة هي الوحيدة تقريبا التي تباع في الأسواق الألمانية، حتى أنّك تجزم أن على كل مــائدة افطار حبــات من تمر " الدِّقْلـَة" ولا يُستثنى من ذلك موائد غير التونسيين بل على موائد جميع المسلمين الآخرين عربا كانوا أم أتراكا أم مسلمي البلقان من البوسنةوالهرسك والبانييّ كوسفو..

هذا الحضورُ المتميّز للتمر " الدِّقْلـة" يُقابِله غياب الحضور التونسي في الشق والعنوان الثاني لملامح رمضان والمتمثّل في مائدة القرآن، فلقد تعوّد القائمون على المراكز الإسلاميّة باِرسال دعوات استضافة لأئمّة دعاة وقرّاء من البلاد العربيّة لينشّطوا الجانب الثقافي الدعوي بالمراكز وذلك  بإعطاء الدروس والمواعظ وإقامة الدوارات الشرعيّة طيلة شهر رمضان اضافة الى امامة المصلين في ختم القرآن في التراويح وصلاة التهجّد والإعتكاف في العشر الأواخر .هؤولاء الدعاة المشايخ والقرّاء عادة ما يكونون من مصر، أرض الكنانة و"أم الدنيا" الاّ أن اخوانهم آخرين من المغرب الأقصى وليبيا واليمن هم كذلك حاضرون،..فقط  الغياب لدعاة ومقرئي تونس؟؟؟

المفارقة ـ وهي محزنة في كثير من الأحيان ـ أن القائمين على أشهر المراكز الإسلاميّة في ألمانيا هم تونسيّون ومن أبناء الحركة الإسلاميّة وهم الذين يبحثون ويجتهدون كل رمضان في استضافة هذا الداعية المصري أو المغربي أو اليمني أو الليبي ولكنهم عجزوا على استضافة داعية ومقرئ من تونس، من بلاد الزيتونة؟؟؟

تونس جامع الزيتونة، الذي له تاريخ طويل من العلم والإصلاح والإشعاع الدعوي الحضاري والذي أسّسه القائد الإسلامي العظيم ،الفاتح لتونس حسان بن النعمان ، هذا الجامع الذي لعب على امتداد تاريخ طويل أدوارا جليلة في انجاب علماء عظام تجاوز اشعاعهم حدود تونس الى أعماق أفريقيا، هذا الجامع وهذه البلاد تونس يُحال دونه ودونها اليوم في امكانيّة دعوة أحد خرّيجي الزيتونة ليقوم بما يقوم به خرّيجي الأزهر أو القرويين أو ...الذين يأتون الى ألمانيا رمضان بعد رمضان..

ان المتأمّل في خريطة المراكز الإسلاميّة في المانيا يلاحظ أن المغرب الأقصى  ولمصر كذلك حضور قويّ في هذا المجال حتى أن المغرب كمملكة قائمة على دعم واِنشاء المساجد وتفريغ أئمّة دعاة يقومون على هذه المراكز..الاّ تونس عوض أن تكون كمثيلاتها من الدول اختارت نهجًا آخر.

لقد " نجحت" تونس الرسميّة في فتح مقرّات سمّتها "وداديات"، يلتقي فيها بعض من العمال المهاجرين وبأعداد أصابع اليد الواحدة يلعبون بها لعب الورق ويتسامرون على القهوة والشاي واِذا ما فكّرت فيهم الدولة بمناسبة سياسيّة أو حزبيّة وفي مرّات قلائل بمناسبة المولد النبوي الشريف ، فإنها تُوفد لهم  بعض مدرّسي التربية المدنية وليس الاسلامية يعلّمون هؤولاء الغلابة  "تعاليم" السابع من نوفمبر ويذكّرونهم بحسانته طالبين منهم تزكيته ودعمه..ودفع جزء من أموالهم لصالح صناديق ادّخار الله أعلم بِمَصَارِفِها؟؟

عزاء المراكز الإسلاميّة والزيتونة الممتحنة أن دعاة (*) ينتسبون الى تونس وقد نهلوا من دروس العلم كانت في يوم من الأيام تُلْقى في جامع الزرارعيّة وصاحب الطابع وارتقوا بعلمهم في المهاجر وهم اليوم يجوبون ألمانيا طولا وعرضا شمالاً وجنوبًا متنقلين من مركز الى مركزِ آخر يعظون ويذكّرون الناس برب الناس معلنين أن في غياب الزيتونة فانهم هم الممثلين لها الحقيقيين...

ان تونس اليوم المعروفة بـ"الدّقلة" أو بـ"الهريسة" وبالسياحة ، فإنّها وعن قريب ان شاء الله ستُعرف وكما كانت بتونس الزيتــــونة وتونس جامع القيروان وان غدًا لناظره لقريب.

تقبّل الله منا ومنكم الصيام

والسلام عليكم ورحمة الله

موسى بن أحمد

كارلسروه في 10 رمضان 1431 الموافق لـ20 أوت 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الدقلة: نوع من أنواع التمور وهي ألذّها طعما

* الزيتونة: نسبة الى جامع الزيتونة وجامعته الإسلاميّة

  * الدعاة: هم الشيخ محمد الهادي الزمزمي ، الشيخ الهادي بريك، الشيخ حبيب الرباعي ، الشيخ محمد بوزيد...وغيرهم

 

 

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©