روح المبادرة العربية... الوقف الفوري لسفك الدماء
أكثر ما يؤرق السوريين ويقض مضاجعهم في الوطن وفي المهاجر هو هذا السفك اللامحدود وغير المتوقف منذ ثمانية أشهر للدماء السورية الزكية وهذه الاستهانة بأرواح السوريين وهذه الاستباحة اللامتناهية للأعراض والحرمات السورية. أبطال من كل الأعمار استشهدت، وأطفال يُتّموا، ونساء رملت، وبيوت على ساكنيها هدمت، ومساجد ومآذن على المصلين فيها قصفت، ومزارع وبساتين مع أهلها أحرقت، في حصيلة جاوزت الأربعة آلاف شهيد، وآلاف أخرى من الجرحى، وعشرات الآلاف من المعتقلين الذين يتعرضون لأشد أنواع التعذيب وكثيرا ما يقضون تحت ال
- 20 نوفمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أكثر ما يؤرق السوريين ويقض مضاجعهم في الوطن وفي المهاجر هو هذا السفك اللامحدود وغير المتوقف منذ ثمانية أشهر للدماء السورية الزكية وهذه الاستهانة بأرواح السوريين وهذه الاستباحة اللامتناهية للأعراض والحرمات السورية. أبطال من كل الأعمار استشهدت، وأطفال يُتّموا، ونساء رملت، وبيوت على ساكنيها هدمت، ومساجد ومآذن على المصلين فيها قصفت، ومزارع وبساتين مع أهلها أحرقت، في حصيلة جاوزت الأربعة آلاف شهيد، وآلاف أخرى من الجرحى، وعشرات الآلاف من المعتقلين الذين يتعرضون لأشد أنواع التعذيب وكثيرا ما يقضون تحت التعذيب لينضموا إلى قوافل الشهداء، وآلاف أخرى من المهجرين إلى تركيا ولبنان والأردن يعيشون في ظروف إنسانية قاهرة خاصة مع دخول فصل الشتاء وبرده القارس في هذه البلاد، إضافة إلى الآلاف من الملاحقين داخل الوطن ممن يبحث عنهم عناصرُ المخابرات والشبيحة ليلا نهارا للقضاء عليهم إما بقتلهم أو إعدامهم تحت التعذيب وهم يتنقلون من بيت إلى بيت أو من مزرعة إلى مزرعة ومن مخبئ إلى آخر يبحثون لهم عن مكان آمن يؤويهم ليستأنفوا مظاهراتهم السلمية ومطالبتهم بالحرية والتعددية والديموقراطية في اليوم الموالي وأرواحهم على أكفهم يجابهون الأسلحة الثقيلة والخفيفة بحناجرهم، ويواجهون الرصاص والقذائف بهتافاتهم وأهازيجهم يقودون الجموع، ويشحذون الهمم، ويبعثون الأمل في النفوس.
وإجرام الدولة هذا لم يؤرق السوريين وحدهم بل تعداه ليؤرق إخوانهم العرب والمسلمين بل ويقض مضاجع الإنسانية في كل أنحاء الدنيا.
وجاءت المبادرة العربية بالرغم من تأخرها كثيرا لإيقاف سفك الدماء السورية وحقنها وسحب القوات المسلحة من مواجهة الحراك الشعبي، وتمكين المتظاهرين السلميين من حقهم بالتظاهر والتعبير عن طموحاتهم ومطالبهم، لتلقى لها صدى إيجابيا في الشارع السوري ولدى مختلف مكونات المعارضة بل واستقبلت بترحيب عربي وإقليمي ودولي على المستويين الشعبي والرسمي.
لكن هذه المبادرة بما تحمله من معان إنسانية لقيت نفس التعنت واللف والدوران والمماطلة والتأجيل والتسويف ومحاولة كسب الوقت من نظام القتل والقهر والعدوان في سوريا الذي لقيته مبادرات ودعوات أخرى إقليمية ودولية لوقف شلال الدم في سوريا، في محاولة لإخراج هذه المبادرة من مضمونها ونزعها من روحها. ويتبجح هذا النظام بأن كل ما حدث من سفك للدماء السورية جاء نتيجة "أخطاء" ستخضع للتحقيق من لجان مختصة في ظل قوانين تجعل جلاوزة المخابرات وقطعان الشبيحة في مأمن من أن يطالهم أي عقاب وادعى هذا النظام في تحليله "المنطقي" أنّ أطرافا عربية ـ لم يحددها ـ تتخذ من المبادرة العربية مطية للوصول إلى مجلس الأمن الدولي وكرر سيمفونيته المشهورة أنه يحارب "العصابات المسلحة" ويقف في مواجهة "مؤامرة دولية تستهدف أمن ووحدة سوريا واستقرارها" وأنهم مستعدون للقتال إذا فرض عليهم.
إذن هم يعترفون أنّ هناك "أخطاء" وبالطبع هي ترقى لتكون جرائم ضد الإنسانية ـ بتصنيف المجتمع الدولي ـ أزهقت أرواح الآلاف من السوريين وهي أي هذه "الأخطاء" كافية لإسقاط حكومات ورؤساء وأنظمة حتى ولو كانت لا تمتلك إلا أدنى معايير الشفافية والقانونية واحترام حقوق الإنسان.
ثم أين تلك اللجان التي شكلت للتحقيق في هذه "الأخطاء"؟ والتي لا يفتأ نظام الاستبداد والقمع يرددها على أسماع الناس ليحاول تغطية جرائمه اليومية ومذابحه المستمرة المتكررة في أنحاء سوريا الذبيحة.
وعن أي استهداف لسوريا يتحدثون؟ بعد أن استهدفوا هم ـ أي نظام الإجرام في سوريا ـ حرمة السوريين ووحدة السوريين وأمن السوريين وكرامة السوريين وسيادة السوريين.
ثم من يريدون أن يقاتلوا؟ الشعب السوري أم من يتصدى لحمايته؟ هم يقتلون يوميا وما سئموا من قتل الشعب السوري منذ أكثر من أربعين سنة في حصيلة أخرى لا يعلمها إلا الله العليم.
من حق الشعب السوري أن يطالب بحريته، ومن حق الشعب السوري أن يستمر بثورته، وهو مستمر بها ومصر عليها إلى أن ينال كل مطالبه شاء نظام الاستبداد في سوريا أم أبى. ويتطلع الشعب السوري إلى مبادرة الجامعة العربية وإلى اصطفافها إلى جانب الشعب السوري ومطالبه العادلة... فعصابة الحكم في سوريا لا تريد سحب المظاهرالمسلحة ولا عناصر الجيش والمخابرات ولا قطعان الشبيحة من الشارع، ولا وقف سفك الدم السوري، ولا تريد لأي مظاهرة تنادي بإسقاطهم أن تخرج ولا أي نوع من الحوار يدور مع المعارضة إلا أن يكون خاضعا لشروطها ولا لحل الأزمة في الإطار العربي أن يحدث إلا على مقاييسها، وتريد هذه العصابة أن يخضع مراقبوا المبادرة العربية لشروطهم ومقاييسهم، هم يريدون إخراج المبادرة العربية من مضمونها وسلبها روحها فليتنبه إخواننا العرب وليسارعوا باتخاذ خطوات عاجلة من أجل حماية المدنيين في سوريا ووقف سفك دمائهم.
د.جهاد عبد العليم الفرا
كتب في 20 نوفمبر 2011