نصوص

رمضانيات ... موقفان متمايزان (29 )

رمضانيات 1431 موقفان متمايزان (29 ) الدكتور عثمان قدري مكانسي لما وصل موسى بقومه على أرض فلسطين وانطلق بهم إلى بيت المقدس أمرهم موسى عليه السلام أن يدخلوها فاتحين ويُجلوا من احتلها واتخذها موطناً ، فهي سكنى أبيهم يعقوب عليه السلام وسكنى أولاده قبل أن يذهبوا إلى يوسف عليه السلام في مصر " .... يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) " (من سورة المائدة ) فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد

0
8 سبتمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

                                  رمضانيات 1431                            موقفان متمايزان (29 )                                               الدكتور عثمان قدري مكانسي لما وصل موسى بقومه على أرض فلسطين وانطلق بهم إلى بيت المقدس أمرهم موسى عليه السلام أن يدخلوها فاتحين ويُجلوا من احتلها واتخذها موطناً ، فهي سكنى أبيهم يعقوب عليه السلام وسكنى أولاده قبل أن يذهبوا إلى يوسف عليه السلام في مصر "  .... يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) " (من سورة المائدة )  فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها فأمرهم رسول الله - موسى عليه السلام - بالدخول إليها وقتال أعدائهم ، وبشرَهم بالنصر والظفر عليهم  . فعصوه وخالفوا أمره خوفاً من العماليق الأقوياء ، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون إلى مقصد مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى . لقد اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمروا بدخولها وقتال أهلها قوماً جبارين أشداء وأنهم لا يقدرون على مقاومتهم ولا حربهم  ، ولا يمكنهم الدخول إليها ما داموا فيها فإن يخرج هؤلاء العمالقة منها  دخلوها ، وإلا فلا طاقة لأصحاب موسى بهم . "  قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) " وهذا ردّ الجبان الذي يؤثر السلامة على استرداد حقه ، ويفرّط فيه خوفاً وهلعاً . إن هؤلاء اليهود اعتادوا أن يكونوا خدماً  في مملكة فرعون ، وتصرفهم هذا تصرفُ الخدم والعبيد الذين ألِفوا حياة الذل والهوان ، فكانت عقوبتهم أن يتيهوا في الصحراء أربعين سنة ، فينقرض هؤلاء ويخرج من أصلابهم رجال عاشوا الحرية وتذوّقوا طعم الكرامة ، فعلى يد أمثال هؤلاء تُستردّ الحقوق . وقالوا مقولة الجهل بالذات العلية حين طلبوا من موسى - راغبين عن الجهاد  - أن يذهب وربه ليقاتلا ، أما هم فيودّون النصر على طبق من الورد يقدم لهم سهلاً يسيراً . إن الفرق بين أصحاب موسى عليه السلام وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شبيه هذا الموقف كبير ، ففي غزوة بدر حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه والمسلمين الذين خرجوا لاصطياد القافلة ففوجئوا بجيش قريش المدجج بالسلاح ، وكان العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة أن يمنعوه في مدينتهم كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، ولم يعدوه أن يحموه خارج المدينة . فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى رأيهم ويتوثّق من إيمانه فقال : أشيروا عليّ أيها الناس ، فتكلم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم تكلم المقداد بن عمرو فقال ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لككما قالت بنو إسرائيل لموسى ‏‏:‏‏ ‏‏" اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلىبرك الغماد لجالدنا معك من دونه ، حتى تبلغه ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم خيرا ، ودعا له به . ثم قال أشيروا عليّ أيها الناس – فالمتكلمون الثلاثة من المهاجرين وهو يريد الأنصار . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ ‏‏:‏‏ والله لكأنكتريدنا يا رسول الله ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أجل ؛ قال ‏‏قولة المؤمن الصادق المحب لله ورسوله :‏‏ فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدناأن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة ،فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذاالبحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ،إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدُق في اللقاء ‏‏.‏‏ لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ،فسر بنا على بركة الله . ألا ترى أيها الأخ القارئ البون الشاسع بين ما قاله المؤمن بالله ورسوله الذي يعتبر نفسه جندياً من جنود الله ، ويرى أن عليه أن يقول سمعنا وأطعنا ثم يمتثل للأوامر دون تلكؤ ولا تكاسل ، وبين ما قاله اليهود لنبيّهم ؟ فأمر الله ورسوله لا بد من الالتزام به – إن كنا مؤمنين – لنحوز رضاه والجنة في الآخرة ، والعز والنصر في الدنيا . فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ، ونشَّطه ذلك ؛ ثم قال ‏‏:‏‏ سيرواوأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلىمصارع القوم . هذا ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى المسلمين الطاعة والامتثال والاستعداد النفسي والقلبي ، كان الله تعالى راضياً عنهم ، ومن رضي الله عنه فقد فاز ، وكان النصر على خطاهم . وكان جزاء يهود أن قال تعالى يوبخهم ويعاقبهم ، ويسمهم بالفسق ، والفاسق منبوذ مطروح : "  قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) "

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©