نصوص

رمضانيات... تصوير الحياة (23)

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} رمضانيات 1431 تصوير

0
2 سبتمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

                                       رمضانيات 1431

                                 تصوير الحياة (23)

                                                       الدكتور عثمان قدري مكانسي

تعال نصوّر ما يجري أمامنا من فوق ناحية البحر ، من ارتفاع بخار متصاعد من مائه ، يبدو خفيفاً يكاد لا يُرى إلا إذا أمعنا في النظر . يظل مرتفعاً قليلاً قليلاً ليبلغ بعد ذلك عنان السماء ، فإذا به يتجمع خيوطاً دقيقة بيضاء يلمحها الناظر  دون عناء ، ثم نرى هذه الخيوط تتشابك بلطف وهدوء فإذا بها قطن مندوف رقيق الحاشية تتخللها زرقة السماء الصافية ، وترى هنا وهناك مثيلات لها تتجمع قريباً منها أو بعيداً .. ثم تراها تتقارب بفعل الرياح المتحركة حولها  ، فإذا بها غيمة بيضاء رقيقة تكبر وتنمو وتتحرك ببطء نحو الشرق ، وقد تقف قليلاً لينضم إليها رقيقات الحواشي التي كنت قبل قليل مثلهُنّ ، وتكبر الرقعة البيضاء وتتسع رويداً رويداً مساحة وسماكة ليتغير لونها إلى الرمادي الخفيف بلحوق قطع الغيوم الأخرى بها أو بأخواتها حتى تراهنّ يملأن السماء الفسيحة ويتزاحمن فيها ، ولعل بعضها يعلو بعضها حتى تصبح سوداء أو مثل ذلك ، وتمنع عنا رؤية السماء ، فإذا بالنور يضعف والهواء يشتد فيدفع هذه السحب نحو الشرق بقوة ، ولعل بعضها يصطدم بالأخرى فإذا بضوء ساطع قويّ يصدر عنها يملأ جنبات الأرض ، ثم تسمع صوت الرعد مجللاً مدوياً كمدافع الحرب الضخمة العملاقة ، ولكننا لا نرى قذائف الدمار تحطم الأبنية والمنشآت ، بل نحس بقطرات المطر تتوالي برفق فوق رؤوسنا ، وتتوقف على ثيابنا ، فإذا ما زادت قليلاً بدأت ثيابنا تتبل ، وبدأت حبات الغيث تمتزج بالقشرة الأرضية من تربة جافة ، فإذا رائحة الأرض طيبة النسائم تخترق خياشيمنا ، وما أطيبها من رائحة ، ثم تنقلب القطرات طلاً يتوالى دقائق ثم ينقلب وابلاً فيختلط بالأرض ، ثم يخترقها ، ثم يسيل عليها .

وتشرب الأرض العطشى ماء الحياة ، وترتوي جنباتها ، فتنتشي بعد أيام أو أسابيع وتتشقق ليخرج منها الزرع والخضرة فنأكل ، ولتكتسي الأشجار حلة قشيبة ، ثم تتدلى ثماراً وأعناباً فنتذوّق ، ويمتلئ ضرع الحيوانات ألباناً وتكتنز لحماً ، وتتجمل جلوداً وفروات ، فتكون حياة للإنسان ورزقاً وسعادة .، وقد كان قبل أن ينزل الغيث ينظر إلى السماء راجياً رحمة ربه وفضله وخيره .

ثم تسطع الشمس من جديد وترسل اشعتها ، فإذا بالأخضر يصفرّ وإذا بالماء ينحسر ، وإذا بالحياة تبدأ دورة جديدة مستمرة إلى ما شاء الله أن تستمر ...

يقول تعالى مصوراً ماذكرتُه  قبل قليل بأسلوب تصويري بديع يدل على عظمة الخالق سبحانه

" 1- اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ

   2- فَتُثِيرُ سَحَابًا

   3- فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ

  4- وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ

 5- َفإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) "  وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)

 6- َفانْظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ

 7- إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) " 

هكذا – أخي الحبيب – يخرج الله تعالى الحيّ من الميت ، وهكذا يعيدنا حين يشاء – سبحانه - إلى الحياة في اليوم الآخر الذي حدده ، ووعدَناه . فآمن به ذوو البصائر ، وغفل عنه أصحاب القلوب الميته .

إن المولى الجليل خلقنا من عدم ، أفلا يحيينا من وجود ، والوجود أسهل من العدم ، وكل أمر سهل إذا أراده الله تعالى ، وانتبه معي إلى هذا النداء العلوي الذي يأخذ بالألباب ، فيفهمه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد "  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۖ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) " فهل بعد هذا من وضوح ؟؟؟

 اللهم إننا آمنا بك وبذلك اليوم وبرسلك وملائكتك وكتبك ، فاقبلنا ولا تردّنا خائبين .

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©