رغم توصيات المقرر الأممي معاناة ضحايا قانون الإرهاب لم تتغير
... شخصيات عرفت بأسماء أبنائها الذين سجنوا في إطار ما يسمى بـ"معاضدة المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال". أسماء وأشخاص من سجنان ورأس الجبل وقمّرت وأريانة وغيرها التقوا ليناضلوا من اجل دفع الظلم الذي تعرض له أبناؤهم، كما يقولون، فإذا بهم يقتحمون ساحات العمل الحقوقي ليشكلوا جزءا ولو بسيطا من ظاهرة جديدة في حياتنا السياسية لم تكن معهودة من قبل.
- 16 فبراير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
محمد الحمروني
أم خالد .. أم ماهر .. أبو غيث .. عائلة الناصري.. شخصيات عرفت بأسماء أبنائها الذين سجنوا في إطار ما يسمى بـ"معاضدة المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال". أسماء وأشخاص من سجنان ورأس الجبل وقمّرت وأريانة وغيرها التقوا ليناضلوا من اجل دفع الظلم الذي تعرض له أبناؤهم، كما يقولون، فإذا بهم يقتحمون ساحات العمل الحقوقي ليشكلوا جزءا ولو بسيطا من ظاهرة جديدة في حياتنا السياسية لم تكن معهودة من قبل.وما بين مكاتب المحامين ومدارج وزارة العدل ومحكمة تونس، وما بين السجون ومقرّات المنظمات الحقوقية، دفعت غريزة الأمومة والأبوة هؤلاء ليقتحموا عوالم لم يكونوا يتوقعون يوما أن يكونوا فاعلين بارزين فيها.قبل ثلاث أو أربع سنوات وخلال ذروة الحملة على الشباب المتدين، استفاقت عدة مكونات للمجتمع المدني "التقليدية" على وجوه جديدة ونبرة حادة قاطعة لا تتلعثم وهي تبحث عن مفردات تليّن بها خطابها أو شقوق في ثنايا الكلمات تعبر من خلالها عما يجيش بخاطرها.في تلك الفترة صدمت كلمات أبو غيث الغزواني الحاضرين بإحدى الاجتماعات، حين قال وهو يصف ما أصابه بسبب اعتقال ابنه "….أنا لم أكن يوما إرهابيا ولا متطرفا .. ولكن من يمس شعرة من ابني سآكل لحمه الحي بأسناني"..يومها أصابت هذه الكلمات الحاضرين بالصدمة ويومها انهالت دموع أبو غيث مثلما انهالت دموع الحاضرين الذين صفقوا طويلا للرجل.
ومثل الغزواني الأب كان حال العم سعيد الناصري ذلك الشيخ الذي جاوز الـ 65 من العمر .. يقول العم سعيد " بدأت معاناتنا مع بدء الحملة الأمريكية على العراق، .. وفي حدود سنة 2004 تحول احد أبنائي المسمى حسني إلى هناك وشارك إلى جانب المقاومة في المعارك التي دارت في الفلوجة قبل أن يعود إلى سوريا.بعدها أوقف حسني وأعيد إلى تونس وأطلق سراحه بعد التحقيق معه دون أن يسجن، ولكن الحملة ضده وضد العائلة لم تتوقف حتى دخل أربعة من أفراد العائلة إلى السجن منهم من خرج ومنهم من ينتظر.ولان ابنها نقل إلى سجن بعيد عن مقر إقامتها تنهض بيّة زوجة العم سعيد على الساعة الثالثة صباحا يوم الزيارة لتعد بعض الأكل لأبنائها، وعلى الساعة الخامسة صباحا يغادر الأب البيت قاصدا سجن "الهوارب" الواقع في ولاية القيروان.وتستغرق الرحلة نحو أربع ساعات إضافة إلى تعطيلات الزيارة وإجراءاتها.. ولا يعود العم سعيد إلى بيته إلا في حدود الساعة الخامسة بعد ان يمر في طريق عودته على عدد من مكاتب المنظمات الحقوقية والمحامين والصحف بالعاصمة.ويشكو العم سعيد من الاقتحامات المتكررة لمنزله ليلا ونهارا، وقد أثارت هذه الزيارات المتكررة لرجال الامن وما يترافق معها من حالة تأهب واستعراض للقوة خوف جيرانه.
ولم تكن حال الأمهات أحسن من حال الآباء فقد عشن الخوف والجوع بل إن حياتهم انقلبت رأسا على عقب بسبب سجن أبنائهن. أم ماهر .. سجن ابنها سنة 2006 وينتظر أن تنقضي مدة حكمه في ديسمبر 2010 .. تقول هذه الأم "ماساتنا بدأت منذ إعلان استشهاد مروان اخو ماهر في حرب الفلوجة التي دارت سنة 2004، ومنذ ذلك الوقت لم تهدا المضايقات التى نتعرض لها والمداهمات لمنزلنا لا فرق في ذلك بين ليل أو نهار".
ومنذ ذلك التاريخ وضع ماهر تحت مجهر أعوان الأمن وبدأت المضايقات ضده وضد العائلة وحتى بعد إيقافه في 2006 لم تتوقف المضايقات ضدنا مما اضطر أختيه إلى ترك المعاهد العمومية للدراسة في معاهد حرة بعد أن بلغت المضايقة لهن بسبب حجابهن درجات لا تحتمل.وفي نفس السياق كشفت أم ماهر لـ"الموقف" أن السلطات الأمنية حرمتها وكافة أفراد عائلتها من حقها القانوني في الحصول على جواز السفر، وحتى لما أصيبت ابنتها صفاء (21 سنة) بسرطان القولون لم يسمح لها بالسفر للتداوي في الخارج حتى وافاها الأجل. … "كانت صفاء مخطوبة وكانت تستعد للزواج .. كانت كلها حيوية وحب للحياة ولكنهم سرقوا منها حياتها بعد أن حرموها من السفر للعلاج" تقول أمها.ولم يسلم من المضايقات الأمنية حتى الأصهار، فبعد زواج الأخت الثانية لماهر بأسبوع تم إيقاف زوجها وترك رهن الاعتقال لمدة 4 اشهر قبل أن يطلق سراحه دون محاكمة.
من جانبها أكدت أم خالد الناطقة باسم أمهات وعائلات الشبان ضحايا قانون الإرهاب أن الأغلبية الساحقة من العائلات اشتكت من التجاوزات الأمنية الخطيرة بحقها.وتتمثل تلك التجاوزات إجمالا في الاقتحامات المتكررة وغير المبررة لقوات الأمن بالزي المدني والرسمي لمنازلهم ليلا أو نهارا دون اعتبار لأي حرمة ودون استئذان، بل إن تلك الاقتحامات عادة ما تتم عن طريق تسور الحائط الخارجي للمنزل وعادة ما تترافق مع حملة ترهيب كبيرة، كأن تنتشر الفرق الأمنية في الأنهج المحيطة بالمنزل المستهدف، ويأخذ بعض أعوان الفرق المختصة مواقعهم فوق أسطح المنزل وأسواره كأنما يقتحمون ثكنة مدججة بالسلاح أو كأنهم يطاردون واحدا من أعتي المجرمين.وعلاوة على حملات الترهيب والتنكيل بالموقوفين وعائلاتهم تصر السلطة على ممارسة سياسة التجويع تجاه تلك العائلات .. وفي هذا السياق أكدت أم خالد للموقف أن بعض الأمهات اضطررن إلى العمل كخادمات في المنازل لتوفير ثمن "القفة" لأبنائهن.وأضافت قائلة "لقد تم تجويعنا حتى أن بعض الأمهات بتن لا توقد لهن نيران في بيوتهن إلا مرة واحدة في الشهر بمناسبة إعداد القفة لأبنائهن .. وبلغ بنا شظف العيش حدّا جعل بعض العائلات تحرم من النور الكهربائي لمدة سنة أو أكثر لأنها كانت عاجزة عن ثمن الاستهلاك، ونفس الأمر بالنسبة للماء حيث تأكد لدينا أن بعض العائلات ظلت محرومة منه لمدد قد تبلغ أحيانا بعض الأشهر".
هذه جوانب من ظروف عيش بعض هذه العائلات، وهي لا تعكس إلا جزءا بسيطا من معاناة يومية جعلت حياة هذه العائلات تنقلب رأسا على عقب. وكانت أم خالد تردد كلما وجدت نفسها وجها لوجه مع رجال الأمن "لقد اخرجتموني من بيتي ومطبخي الذين كانا يمثلان عالمي الخاص".وتعكس هذه الكلمات النقلة التي عاشها أولياء هؤلاء الشبان حتى أن البعض منهم ممن كانوا لا يولون للشأن العام أهمية تذكر باتوا منخرطين وفاعلين فيه. ورغم ذلك فان المأساة كما قالت أم ماهر مستمرة وهناك أناس يتألمون في صمت ولا يكاد أنينهم يُسمع بل منهم من قضى ورحل في صمت على غرار صفا التي تحدثنا عنها سابقا.
نقلا عن الموقف