رسالة تونس الحقيقية - محمد كريشان
رسالة تونس الحقيقية 'الرسالة وصلت'... هكذا يقول المسؤولون التونسيون بعد أربعة أسابيع من الاحتجاجات العنيفة في مدن عديدة من البلاد، لكن لا يبدو أنها ذات الرسالة 'مضمونة الوصول' التي أراد الناس إبلاغها حتى لو كانت ممهورة بالدماء!! هؤلاء المسؤولون ومريدوهم من الصحافيين يرددون أنهم لم يستلموا من هذه الرسالة، متعددة الصفحات، إلا تلك المتعلقة بالتنمية وفرص العمل مفضلين، على ما يبدو، دس باقي الصفحات في جيوبهم أو رميها جانبا. جيد أن تتحدث الحكومة عن رصد اعتمادات جديدة لتنمية المناطق المظلومة والمهمشة وع
- 12 يناير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
رسالة تونس الحقيقية
'الرسالة وصلت'... هكذا يقول المسؤولون التونسيون بعد أربعة أسابيع من الاحتجاجات العنيفة في مدن عديدة من البلاد، لكن لا يبدو أنها ذات الرسالة 'مضمونة الوصول' التي أراد الناس إبلاغها حتى لو كانت ممهورة بالدماء!! هؤلاء المسؤولون ومريدوهم من الصحافيين يرددون أنهم لم يستلموا من هذه الرسالة، متعددة الصفحات، إلا تلك المتعلقة بالتنمية وفرص العمل مفضلين، على ما يبدو، دس باقي الصفحات في جيوبهم أو رميها جانبا.
جيد أن تتحدث الحكومة عن رصد اعتمادات جديدة لتنمية المناطق المظلومة والمهمشة وعن فرص عمل جديدة لآلاف العاطلين عن العمل، حتى ولو جاء ذلك في سياق اللهث وراء إطفاء الحرائق عوض التحسب لها. لكن ذلك ليس كل شيء، الناس لم تخرج ساخطة إلى الشارع فقط من أجل فرص العمل وجلب المزيد من المشاريع. إن التأكيد الحصري على البعدين الاقتصادي والاجتماعي للتحركات، دون غيرهما من الأبعاد، يعد خطأ فادحا سواء جاء نتيجة سوء فهم أو تغاضيا عن الواقع. كلاهما لا يغتفر في جردة حساب السياسيين.
أمران أساسيان حملتهما أوراق الرسالة، جنبا إلى جنب مع النواحي الاقتصادية المعيشية، أولا أن المناخ السياسي في البلاد بات مخنقا بشكل مخيف، وثانيا أن مستوى الفساد بلغ درجة لم يعد المواطن قادرا على مزيد من تحملها. لقد تحولت تونس في السنوات الماضية للأسف الشديد إلى تونسين، واحدة زاهية إلى أبعد الحقوق يقدمها مسؤولون وإعلام استمرؤوا الدعاية إلى حد الكذب، وأخرى حقيقية يخوض في تفاصيلها الناس في مجالسهم لكنهم لا يجدون لها من ملمح خارجها، حتى تحول هذا الواقع إلى ما يشبه انفصام الشخصية المرضي. سدت قنوات التعبير السلمي ودجنت منظمات المجتمع أو قمعت، وحولت أغلب الأحزاب السياسية المعارضة إلى مجرد دكاكين تثير السخرية فيما تحول الحزب الحاكم إلى تجمع عريض للمنتفعين. أما حرية الصحافة فغائبة بالكامل تقريبا مع إعلام رسمي متكلس هو أقرب إلى إعلام أوروبا الشرقية زمن الحرب الباردة منه إلى أي شيء آخر. جفت السياسة وانزوى السياسيون الجادون في بيوتهم وتغول الأمن في كل مفاصل الحياة حتى بات المقاربة الأولى والأخيرة لكل الملفات القائمة. أما الفساد فالكل يتحدث عنه بالحالات الجلية الواضحة وبالأسماء المحددة دون أن يتجرأ أحد من المسؤولين على الخوض فيه سواء لجهة تفنيده أو البحث فيه إن كان جديا. لا يعقل أن يكون ملف الفساد هذا في أوساط مقربة من السلطة حديث الكبير والصغير في البلاد دون أن يقع تحريك أي ساكن.
هذا هو مربط الفرس، ضائقة اقتصادية واجتماعية، معطوف عليها بيئة سياسية مكتومة الأنفاس يزيد في تعكيرها فساد لا يمل الناس من الخوض فيه إلى حد التندر. من هنا كان يفترض أن تكون الرسالة التي أوصلها المحتجون إلى أصحاب القرار محملة بكل هذه المعاني المتداخلة لكي يكون الرد عليها في محله تماما . أما أن يقع انتقاء بعض الأوجه وتجاهل أوجه أخرى فلن يقود إلا إلى رمية دون رام يزيد في تعكيرها الإصرار على العصا الغليظة في التعاطي مع المحتجين.
لا بد من انفراج سياسي حقيقي وصادق في البلاد ومحاربة جادة للفساد مع إعطاء الأمل للشباب في حياة أفضل وأعدل، هذا هو الدرب الذي أحرق الراحل محمد البوعزيزي نفسه لإضاءة بدايته فيما شكل شهداء الأيام الماضية فوانيسه الجانبية. لقد نبه هؤلاء بالدم إلى ما كان يمكن أن يفهم بسهولة دون إراقته.
'الكرامة قبل الخبز'، قولة شهيرة للزعيم النقابي التونسي الشهير فرحات حشاد الذي اغتالته عصابات الاستعمار الفرنسي عام 1952، لا بد من استحضارها اليوم ولو في صيغة معدلة تقول 'الكرامة مع الخبز'. والكرامة لا يمكن أن تعني بداهة سوى الحرية. هل وصلت الرسالة فعلا؟!