نصوص

رسالة إلى ملك السعودية:رجاءً، لا تفكروا في إخماد الشمس!:عبدالرحيم والي

جلالة الملك، أنا مواطن من بلاد الشمس، أجلس الآن على بعد كيلومترات قليلة من المحيط الأطلسي، و على بعد حوالي ثمانين كيلومترا من ذلك الفندق الفخم الذي قضيتم فيه عطلتكم الاستجمامية الأخيرة، أي أنني من المغرب، البلد الذي لا تأتي إليه جلالتكم ـ كباقي ملوك و أمراء النفط و سائر قادة البراميل ـ إلا للاسترخاء و الاستحمام و الاستجمام. من جهتي، لم يسبق لي أن زرت بلدكم و لن أزوره أبداً، لسبب بسيط هو أنني لا يمكن أن أضع قدمي في بلاد ما تزال حكومتها تقطع رؤوس الناس في الشوارع و الساحات العامة كل جمعة، و تمنع ا

0
31 أغسطس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 


جلالة الملك،

أنا مواطن من بلاد الشمس، أجلس الآن على بعد كيلومترات قليلة من المحيط الأطلسي، و على بعد حوالي ثمانين كيلومترا من ذلك الفندق الفخم الذي قضيتم فيه عطلتكم الاستجمامية الأخيرة، أي أنني من المغرب، البلد الذي لا تأتي إليه جلالتكم ـ كباقي ملوك و أمراء النفط و سائر قادة البراميل ـ إلا للاسترخاء و الاستحمام و الاستجمام.

من جهتي، لم يسبق لي أن زرت بلدكم و لن أزوره أبداً، لسبب بسيط هو أنني لا يمكن أن أضع قدمي في بلاد ما تزال حكومتها تقطع رؤوس الناس في الشوارع و الساحات العامة كل جمعة، و تمنع النساء من رخصة السياقة، و تخنق الحريات العامة و تمنع الأحزاب السياسية، و تتدخل أكثر من ذلك لقمع ثورة شعب صغير في الجوار.

و مع ذلك أجد نفسي مضطرا لمكاتبتكم بعد أن راجت أنباء، في بداية "الربيع العربي"، عن تقدم جلالتكم بعرض لشراء الموقع الاجتماعي فيسبوك ظنا منكم أنه المتسبب في ثورات الشعوب الناطقة بالعربية.

فقد اتضح الآن، بالملموس، أن الثورات امتدت إلى إسبانيا و إسرائيل و لا شك أنها ستمتد إلى إيران و إلى الدول المحيطة بمملكتكم. و من المؤكد أن رياح الثورة ـ و رغم الأموال الطائلة التي قمتم بتوزيعها على الشعب الذي تحكمونه ـ لن تمر دون أن تجعل ذلك الشعب يهب لمطالبتكم بحقه في الحرية، و الكرامة الإنسانية، و العيش مثل باقي شعوب الأرض.

ليس هذا ما يهمنا هنا يا جلالة الملك، بقدر ما يهمنا أن قناة الجزيرة، التي يملكها جاركم أمير قطر، قد نشرت مؤخرا خبرا يقول إن فريقا علميا اكتشف أن سبب الثورات التي يشهدها العالم هو الشمس التي أرسلت عواصف كهرومغناطيسية نحو الأرض، أثرت على سلوك الناس و جعلتهم أكثر "تطرفا"، فهبَّ العربي، و الأمازيغي، و الإسرائيلي، و الفرنسي، و الإسباني، و غيرهم ليرفعوا في وجه حكامهم شعار: "الشعب يريد..."، و تراوحت إرادة الشعوب بين إسقاط النظام، و إسقاط الاستبداد، و إسقاط الفساد، و غير ذلك.

لا أعرف، يا جلالة الملك (دْيَالْ السعودية بالحق!)، إن كنتم قد قرأتم عن تاريخ الشعوب ما يكفي. و لذلك أستسمحكم في أن أقول إن الشمس كانت، من الناحية التاريخية، أول إله تتم عبادته في مصر القديمة باعتباره الإله الواحد الأحد، و من حيث هي رمز للنور و الضياء، و دحضٌ للظلام، و نفيٌ للسواد و انعدام الرؤية. و لا غرابة، بالتالي، أن تكون الشمس ـ إذا صدقنا القناة التي يملكها جاركم أمير قطر ـ هي مصدر تطلعات الشعوب اليوم، في عصر التكنولوجيا المتقدمة، إلى الحرية و العدالة و الكرامة الإنسانية. و ما أخشاه على جلالتكم هو أن تفكروا ـ كما فعلتم حيال موقع فيسبوك ـ في شراء الشمس و إطفائها لاحقاً، أو ـ كما قال أحد أصدقائي الظرفاء ـ أن تفكروا في تغليف الكرة الأرضية بمظلة كبرى تمنع وصول أشعة الشمس إلى الناس، سعياً منكم إلى إخماد ثورات الشعوب.

نعم، أخشى عليكم أن تفعلوا هذا لأن نظامكم قد غمر المنطقة العربية بما يكفي من الظلام و الظلاميين من مختلف الدرجات و الأصناف و الألوان. و كمواطن مغربي فإني أشعر أن ظلام التيارات الوهابية الصادر من بلدكم قد طغى في كثير من مراحل تاريخنا المعاصر على روح الإسلام المغربي المستنير الذي تعلمناه من آبائنا و أمهاتنا و فقهائنا، و فتح المجال أمام كل من هب و دب لارتداء عباءة و وضع قطعة سواك بين فكيه و خوض غمار الفتوى. فكان هناك مَنْ أفتى بقتل المواطنين في شوارعنا و مقاهينا و مطاعمنا و فنادقنا، و كان هناك مَنْ قاد حملات التعزير و قطع رؤوس الناس و أيديهم و شفاههم، و كان هناك مَنْ أفتى بقتل صحافيين و باحثين في بلدنا، و مَنْ أرسل طردا ملغوماً إلى بعض جرائدنا، و غير ذلك من البلايا التي كان مصدرها نظامكم، و لا أقول بلدكم و لا شعبكم.

كل هذا الظلام كان مصدره نظامكم رغم وجود الشمس و رغم استمرار الأرض في الدوران حولها. و قد و صلنا ما وصلنا من بلاياكم، من التطرف الوهابي إلى الدعارة، و الشمس ما تزال تطلع علينا كل صباح، و رغم أننا بلاد الشمس بامتياز. فكيف إذا تمكنت جلالتكم من شراء الشمس و تمويل برنامج فضائي لإطفائها؟

أكيد أن الأمر سيكون كارثة كونية، و ستموت كائنات بشرية و حيوانية و نباتية كثيرة، بل ربما ستعود الأرض إلى العصور الجليدية، أو قد تظهر الديناصورات من جديد، لكنَّ كل هذا لن يهمكم في شيء (و الكل يعرف ذلك!) مقابل استمرار نظامكم و بقاء عرشكم. و لذلك فإني أخشى عليكم من مغبة تفكير من هذا القبيل لأنه، ببساطة، سيعجل بسقوط نظامكم حتى و إن لم يخرج الشعب الذي تحكمونه بقبضة من فولاذ ليحتج في الشوارع و الساحات العامة و يطالب بإسقاطكم، أو حتى بمحاكمتكم. فالقوى العظمى لن تقف مكتوفة الأيدي و هي ترى أنكم تقضون على حياة الإنسان و الحيوان و النبات، و تخمدون واحدا من أهم مصادر الطاقات البديلة، و تنقلون العالم إلى "سِفْرِ الرؤيا" (Apocalypse). و من المؤكد أن آلاف الطائرات المتطورة، الرابضة على حاملات الطائرات ضمن الأسطول الأمريكي الذي يحمي نظامكم و أنظمة جيرانكم، ستنطلق في دقائق قليلة لتحول نظامكم ذاك إلى ذكرى من ذكريات التاريخ.

إني أنأى بكم يا جلالة الملك عن تفكير كهذا، و أدعوكم ـ بالمقابل ـ إلى زيارتنا من جديد في بلاد الشمس لشحن بطاريات الثورة في جسدكم المبجل و أجساد حاشيتكم، عساكم تنخرطون في نَفَس "الربيع العربي" عبر تدشين مسلسل إصلاحي يضمن لكم بقاء عرشكم، و يضمن للمواطنين في بلدكم حق الحياة بعيدا عن سيوف جلاديكم، و حق الانتظام في أحزاب سياسية بعيدا عن غيابات زنازينكم، و يكفل للمرأة حقها في العيش على قدم المساواة مع الرجل بعيدا عن عقلية الحريم و مِلْك اليمين، و احتقار عقلها و جسدها معاً.

أرجو من جلالتكم فقط أن تتأكدوا لدى جاركم أمير قطر، صاحب قناة الجزيرة، من صحة الخبر الذي يعزو ثورة الشعوب إلى الشمس. فإذا ثبت أنه صحيح فمرحباً بكم هنا، في بلد الشمس، لأخذ حصة ثورية تجعلكم تقودون الإصلاح في بلدكم قبل أن يقودكم التفكير الأعوج،  الذي ابتدأ من محاولة شراء فيسبوك و قد ينتهي إلى شراء الشمس، نحو الهلاك المبين.

و لجلالتكم واسع النظر.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©