رحلتي الى بيت الله الحرام (1)
كانت الساعة تشير إلى العاشرة والربع صباحا، ليوم الاثنين 31 أكتوبر 2011، الموافق للرابع من ذي الحجة، عندما أقلعت طائرة الخطوط الجوية التونسية من مطار الحجيج، في اتجاه جدة، في رحلتها رقم 5085، وكانت السماء آنذاك ملبدة بالسحب السوداء الداكنة، والأمطار تتساقط رذاذا، ودرجة الحرارة خارج الطائرة منخفضة، وفي أثناء فترة التأخير المسجلة بساعة، كنت مع زميل لي في العمل "الحبيب بن عمر" في قاعة الانتظار، نتجاذب أطراف الحديث حول مناسك الحج، وحول توقيت أدائها، وحول العودة إلى جدة لأداء عملنا الذي سنسافر من أجله
- 5 ديسمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كانت الساعة تشير إلى العاشرة والربع صباحا، ليوم الاثنين 31 أكتوبر 2011، الموافق للرابع من ذي الحجة، عندما أقلعت طائرة الخطوط الجوية التونسية من مطار الحجيج، في اتجاه جدة، في رحلتها رقم 5085، وكانت السماء آنذاك ملبدة بالسحب السوداء الداكنة، والأمطار تتساقط رذاذا، ودرجة الحرارة خارج الطائرة منخفضة، وفي أثناء فترة التأخير المسجلة بساعة، كنت مع زميل لي في العمل "الحبيب بن عمر" في قاعة الانتظار، نتجاذب أطراف الحديث حول مناسك الحج، وحول توقيت أدائها، وحول العودة إلى جدة لأداء عملنا الذي سنسافر من أجله، وكانت حينذاك أهازيج الغناء الصوفي تنبعث من ركن غير بعيد من أركان القاعة الكبيرة، وقد كنت أظن في بادئ الأمر أنها تنبعث من تسجيل "شان ستريو"، إلا أنّ زميلي "الحبيب بن عمر" أشار لي بيده، وأشار إلى "فرقة السلامية" المنتصبة بالركن الأيسر من قاعة الانتظار، ليدحض ظني ويؤكد لي بأنها فرقة إنشاد ديني حقيقية، وقد شدت انتباهي هذه الفرقة بأناشيدها الصوفية في مدح خير البرية والصلاة والسلام عليه، فقد كانت تبث الشوق والحب لرسول الله صلى الله عليه و سلم في قلوب الحجيج من خلال كلماتها المعبرة، ونغماتها المتناسقة، والمؤثرة، وهذه المدائح والأذكار طالما توجهت لها سهام نقد السلفية الوهابية، معتبرة كلماتها ومضامينها متناقضة مع العقيدة الإسلامية وكفر وزندقة والحاد، ودعت إلى تعطيل أنشطتها ومعاقبة القائمين بها، على خلفية أنها تكرس عقيدة الاستغاثة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبالأولياء الصالحين، واعتبارها من عمل الشيطان وفيها شرك عظيم بالله رب العالمين، فطلب الإغاثة في نظرهم لا يكون إلا من الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأنّها تكرس عقيدة التوسل برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والأولياء الصالحين وهي في نظرهم من العقائد المنحرفة عن منهج الإسلام الصحيح ولكن هذه المدائح بما فيها من غث وسمين، في نظري هي جزء من تراثنا الحضاري، وجزء من موروثنا الثقافي، وبالتالي هي جزء من كياننا لايمكن شطبها من حياتنا بمجرد جرّة قلم، بل يمكن تخليصها من الانحرافات العقائدية التي شابتها، والاستفادة من جوانبها المضيئة في تطوير حياتنا الثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية، وكم من أمم نهضت و أقلعت في ميادين التنمية الاجتماعية والثقافية َوالاقتصادية حين عرفت كيف توظف مخزونها التراثي والحضاري التوظيف الصحيح، فلا مجال للشطب أو التهميش أو المكابرة إزاء التعامل مع تراث أمتنا، ألسنا في حاجة إلى تنمية الجانب العاطفي والوجداني تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم لدى الناشئة، حتى تتربى على أخلاق النّبوّة الطّاهرة، أليس الجانب العاطفي والوجداني هو جزء أساسيّ وهامّ يختزنه الفعل الإنساني الواعي والمتوثب والطامح لدى شيبنا وشبابنا، ألم يعبر رسولنا صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى حين قال : " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَ وَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينْ"، والحب المقصود هنا هو تلك العاطفة الجياشة تجاه المحبوب، التي ينمّيها ذكره وذكر محاسنه وخصاله، وهو من عمل القلوب، يجلّى الصدئ عنها، ويقرب المحب من محبوبه زُلْفَى، لذلك في الموقف النبوي : شتان بين من يقف بين يدي رسولنا متواضعا باكيا، وبين من يقف بين يديه متكبرا جافيا.