نصوص

رجُلان في المدينة.. أو الصّداقة في اختبار السّياسة

: "رجُلان في المدينة" عنوان شريط سينمائي فرنسي من زمن ما بعد الأبيض والأسود بقليل، بطولة الممثّلين الفرنسيين العالميين جون قابان وآلان دولون، يروي قصّة صداقة بين رجلين وأُسرتين، تسوق الأقدار وتحرّشات مفتّش شرطة أحد الصّديقين "جينو" (آلان دولون) إلى المقصلة بعد تعرّضه إلى المضايقات والهرسلة المستمرّة التي دفعت به إلى قتل ضابط الشرطة الذي حوّل حياته إلى جحيم مستغلاّ وظيفته متجاوزا للقانون رغم أنّ القاتل-الضّحيّة المسرّح من السجن حديثا قد اندمج من جديد بمساعدة صديقه "جرمان" (جون قابان) في المجتمع و

0
13 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

: "رجُلان في المدينة" عنوان شريط سينمائي فرنسي من زمن ما بعد الأبيض والأسود بقليل، بطولة الممثّلين الفرنسيين العالميين جون قابان وآلان دولون، يروي قصّة صداقة بين رجلين وأُسرتين، تسوق الأقدار وتحرّشات مفتّش شرطة أحد الصّديقين "جينو" (آلان دولون) إلى المقصلة بعد تعرّضه إلى المضايقات والهرسلة المستمرّة التي دفعت به إلى قتل ضابط الشرطة الذي حوّل حياته إلى جحيم مستغلاّ وظيفته متجاوزا للقانون رغم أنّ القاتل-الضّحيّة المسرّح من السجن حديثا قد اندمج من جديد بمساعدة صديقه "جرمان" (جون قابان) في المجتمع وتزوّج بعد أن استعاد حياته المدنيّة على إثر فترة قاسية قضّاها في السّجن.
ولئن لم ينجح المربّي جرمان كازينوف في إنقاذ صديقه جينو من مصير الإعدام فقد دافع عنه كشاهد أمام المحكمة قائلا في شهادته "إننا نحن من يصنع من شخص هادئ وزوج مثاليّ مجرما".
شاهدت الفيلم مرّتين قبل ثلاثين عاما وضاعت عنّي بعض التفاصيل أو الكثير منها لكنّ بعض مشاهده لا تزال عالقة بذهني وأكثر منها معنى تلك الصّداقة والوفاء للصّديق ومشاركته لحظات العُسر برباطة جأش.
ليس مطلوبا أن نوافق المُخطئ على خطئه فما بالك حين نخترع له المبرّرات والذّرائع، لكن ليس مقبولا أن نتخلّى عن مُضطهد أو مظلوم لعلّ في تقديم شهادة صدق أو قولة حقّ ما ينجيه من عذاب أليم ويمنع عنه ظلامة لا تمحو أثرها الأيّام.
يعتبر الفيلسوف الفرنسي لفيناس، الذي جمعته صداقة استثنائيّة امتدّت على ستين عاما بالفيلسوف موريس بلانشو، أنّ وجه الآخر يُسائلنا ويُشعرنا بالمسؤوليّة تُجاه ضعفه وهشاشته، فعدم المبالاة بأنّات المظلومين ومُصادقة مضطهديهم يدعوان إلى الشّكّ في صدق صداقتنا لأيّ منهم.
أسوق هذا الكلام بمناسبة إعلان نبأ وفاة رجل الدّولة والسياسة الفرنسي فيليب سوغان، الذي ولد في تونس سنة 1943 وعاش فيها حتى حصول البلاد على الاستقلال في 1956 عندما قرّرت والدته مغادرة تونس إلى فرنسا، وبوفاة فيليب سوغان، رئيس دائرة المحاسبات الذي شغل مناصب عليا في الدّولة ورأس كُلاّ من البرلمان الفرنسي والحزب الحاكم قبل أن ينسحب في سنة 2004 من الحياة السياسية إثر هزيمته في الانتخابات البلديّة أمام الاشتراكي الفرنسي دي لانوي التونسي المولد هو الآخر، برحيله فقدت الساحة السياسية والثقافية الفرنسية واحدا من أبرز رموزها الفاعلين خلال عقدين. وقد ترك رحيله فراغا كان يشغله بنشاطه المتنوّع والمؤثّر، ولوعة في قلوب من كان معهم في السرّاء والضّرّاء وناصرهم مظلومين وظالمين. كان سياسيا مختلفا، كاد يرتقي به طموحه إلى قمّة المجد والسلطة ووضعته مواقفه المتفرّدة مرّات في قلب الحياة السياسية ومرّات على هامشها، ولكنّه ظلّ يحتفظ بدور يعدّل به الكفّة لصالح أصدقائه عند الشّدائد، فهو ممّن أسهموا في وصول ساركوزي إلى سدّة الحكم.
لقد صار فيليب سوغان من رجال الأمس وقد يطويه النّسيان أو تحتفظ ذاكرة التاريخ بمسيرته الحافلة، هذا الذي شبّهته إحدى الصّحف الألمانيّة بأنّه مزيج متفجّر من الإمبراطور نابليون الثالث والجنرال شارل ديغول في حين يرى نفسه شخصيّة تجمع بين ديغول ومالرو أي السياسي والمثقّف. لكنّ شيئا ما سيبقى في صدور من ظلّوا ينتظرون دون جدوى أن يقول سوغان كلمة نُصح لأصدقائه تُشجّعهم على طيّ صفحة المظالم والآلام التي لحقت بضحاياهم وغيّبتهم سنوات طويلة في أقبية السجون، وقد كان الرّاحل يعلم بمأساتهم ويتفهّم المتسببين فيها ويقدّم التبريرات لصنيعهم ويُدافع عن خياراتهم.
لقد أذاعت التلفزة التونسيّة، القناة الرّسميّة نبأ وفاة سوغان في حينها في نشرتها الرئيسية مع تقرير حول أهمّ محطّات حياته وشريط يصوّر عددا من زياراته لتونس ومقابلاته مع الرئيس التونسي، وذكرته بأفضل عبارات التمجيد، كما خصّصت له الصحف التونسية الصّادرة في صبيحة اليوم الموالي لوفاته مقالات احتلّت مع صوره مساحات واسعة من صفحاتها الرئيسية والأولى واستطلعت بعضها رأي شخصيات وطنية ومنهم أمناء لأحزاب سياسية من المعارضة الوفاقيّة فعبّرت كلّ هذه الأوساط عن شعورها بأنّ المُصاب جللٌ وأنّ صرحا قد هوى.
كانت أبواب البلاد مشرعة في وجهه يزورها متى شاء ويستقبله حاكمها دون بروتوكولات. لقد قالت التّلفزة والصّحف أنّ سوغان كان صديقا كبيرا لتونس، وقد لا يكون في الأمر غرابة ولكن فيه بعض المغالطة إذ إنّ أيّ بلد يمكن أن يمثّله من يحكمه ولكنّه لا يُختزل في حاكمه، ولم يكن السياسي الفرنسي صديقا للجميع ولا مُحايدا تجاه الخلافات السياسية الداخليّة بل كان منحازا لطرف لم تكن خياراته دائما محلّ إجماع ولا رضا من قبل الطبقة السياسية وهيئات المجتمع المدني أو منظمات حقوق الإنسان الوطنيّة والعالميّة.
قد يحوز سوغان السياسي إعجابك حتى وإن لم يكن في بلاده موفّقا أو حسن الطّالع دائما، فقد كان أمّة برأسه مع العمالقة وكان ورقة من ورقات شيراك الذي يحكم بلا قسمة، أحبُّ الأنظمة إلى قلبه النظام الرئاسوي وأحبّ صيغ المشاركة عنده هي المبايعة.. لكن من حقّي وحقّك أن نسأل سوغان عن سبب دعمه لسلطة تُكيّف الانتخابات وتصوغ القوانين على قياسها وتتّخذ موقفا متشدّدا تجاه قوى المعارضة، وعن صمته إزاء الانزلاق الاستبدادي الذي عطّل الحياة السياسية. لم يكن فيليب سوغان يدعم نمطا في التنمية حقّق نتائج مقنعة وإنّما كان وفي كلّ المراحل يدعم نهجا سياسيّا انعدم في ظلّه إمكان تشكّل فضاء عمومي تعدّدي يضع بلد مولده في طريق الحداثة السياسية دون مخاطر.
بأيّ معنى إذن يكون سوغان صديقا لتونس وليس فقط صديقا لطرف فيها؟ لا شكّ أنّ الحاكمين يجلبون الصّداقة لبلادهم وذاك واجبهم وشرط نجاحهم وتجلب صداقتهم لرؤساء الدّول الأخرى ونُخبها الاستثمارات والسوّاح إلى بلادهم ولكنّ صديق نظام حاكم ليس ضرورة صديق الشّعب ولا هو صديق البلاد بأسرها، وقد ذكر أحد مُحرّري صحيفة "الصباح" التّونسية أنّه "رغم مرور العلاقات التونسية الفرنسية مرارا بمراحل شدّ وجذب خاصّة في عهد حكومة جوسبان الاشتراكية فقد تميّز الفقيد الكبير ومجموعة من السّاسة الفرنسيين بمواقفهم المساندة مبدئيّا وبطريقة تكاد تكون لا مشروطة للخيارات السياسيّة والتنمويّة لتونس دولة ومجتمعا وشعبا"، ولا نعلم إن كان أمثال سوغان يقومون بدور مُطفئي حرائق أم مُنتزعي مكاسب لصالح دُولهم عبر الدبلوماسيّة النّاعمة وغير الرّسميّة. لهذا السّبب تكون صداقة سوغان لتونس شبيهة في منطقها بـ "عداء" جورج غالاوي لمصر، فبعض وسائل الإعلام الرسميّة المصريّة التي تكرّمت عليه بنعت "بلاوي" عوض لقبه الأصلي لا ترى فيه نصيرا لقضيّة الشعب الفلسطيني المحاصر في غزّة يُريد أن يمدّه بشريان الحياة زمن جدار الفصل العنصري وجدار العزل الفولاذي ولا ترى فيه مُعارضا لسياسات الاحتلال الصهيوني وإنّما مجرّد حاقد على مصر.
الصّداقة والسّياسة، قيمتان نقيضتان على الأقلّ على سُلّم قيم عصرنا. فالصّداقة يمكن أن تُقدّم قُربانا على مذبح السياسة فكم فرّقت السياسة بين الأصدقاء وإذا جمعتهم على مصلحة على حساب المبادئ والقيم فمن المشروع التّساؤل إن كانت صداقة حقيقيّة أم كانت شراكة ضدّ عدوّ قد يكون في حقيقته شقيقا أو ابن عمّ، فالسّياسة ميدان الاختلاف والمصالح العاجلة والصّداقة وضع للمصالح الأنانيّة بين قوسين وإقرار بالاختلافات والتّعامل معها بحبّ، هو حبّ الإنسان حرّا مُكرّما، لذلك قيل "إنّ الخلاف لا يُفسد للودّ قضيّة"، وما سوى الودّ بين الدول الحرب والفتن وهي التي بها خراب العمران وزوال الحضارات وإفساد القُرى وجعل الأعزّة أذلّة. إنّ صداقة تزرع الفتن ولا تمنعها ضربٌ من النّفاق السّياسي والاجتماعي وأثرٌ من آثار أزمة أخلاقيّة أتى بها النّقيضان: الانحطاط والحداثة.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©