نصوص

رجال أمن أمْ زبانية إذلال و قتل في تونس ومصر؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ بسم الله الرّحمان الرّحيم. رأى النّاس خلال مظاهرات القاهرة في الأيّام الأخيرة أختَنا المواطنة المصرية الّتي أهانها "كلاب الأمن المصري" على الطّريق و عرَّوْها وكشفوا جسدها حتّى رأينا إبِطَيْها ولون حمّالة صدرها. وشاهد جميعُنا الشرطي القذر الّذي دهْسها بحذائه النّجس على صدْرها العاري في حين كان زميلاه يجرّانها على الأرض.. من لم يرَ هذا المشهد الوحشي فعليه باليوتيب وفيس بوك ليَدْمَى قلبه ! والمُلفِت أنّ السيّدة متحجّبة كما أمرها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلن تكون إذ

0
19 ديسمبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرّحمان الرّحيم.

 

رأى النّاس خلال مظاهرات القاهرة في الأيّام الأخيرة أختَنا المواطنة المصرية الّتي أهانها "كلاب الأمن المصري" على الطّريق و عرَّوْها وكشفوا جسدها حتّى رأينا إبِطَيْها ولون حمّالة صدرها. وشاهد جميعُنا الشرطي القذر الّذي دهْسها بحذائه النّجس على صدْرها العاري في حين كان زميلاه يجرّانها على الأرض.. من لم يرَ هذا المشهد الوحشي فعليه باليوتيب وفيس بوك ليَدْمَى قلبه !

والمُلفِت أنّ السيّدة متحجّبة كما أمرها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلن تكون إذن مُخرّبة!

وقد أدانت "هيلاري كلينتون" هكذا وحشية وطالبت بالتّحقيق فيها، ودعت الشّرطة المصرية إلى احترام حقوق الإنسان. فلا قِيَمَ في مصر و لا ضوابط و لا مبادئ حتّى نتعلّم الإنسانية و الرّحمة من هيلاري والأمريكان الّذين اغتصبوا النّساء في العراق وأهانوا الإنسان.  

و استفزّني منذ مدّة خبر مفاده أنّ مصالح وزارة الدّاخلية التونسية بدأت تعمل من أجل تغيير هيئة ولباس أعوان قوّاتها المختلفة، وتبحث عن أفكار تُجسّدُ الزّيّ الجديد فحضرني بسرعة المثل التونسي:

"يا مزيّن من بَرّة آشْ حالِكْ من الدّاخِل".

أتناول في هذه المقالة سلوك وأخلاقيات أعوان الأمن التونسي بالأساس ولا يمنع أن يكون الانشغال بهذا الهمّ في كلّ بلد عربي مسلم.

لكنّني بعد هذا المقال أخشى أوّل فرصة أضع فيها قدميّ على أرض الوطن بعد ثورته أن يتمّ اقتيادي إلى ورشة من ورشات الدّاخلية الشّهيرة لكي أُجْبَرَ هناك على الإعتراف بأنّي أرْنبٌ !

قصّة الأرنب هي ممّا يُروى من الفكاهات المضحكات المبكيات عن تلك العصابات الّتي يمكن تسميتها بأيّ إسم ما عدى إسم الأمْن، والّتي لا زال أكثر قادتها المجرمون يُعشّشون في وزارة الدّاخلية في انتظار تطهيرٍ جدّيّ منتظر ، فدَعُوني أستهلّ بها مقالتي هذه لعلّي أنْسِيكم مشْهد المصرية المُحزن !

قيل في هذه النّكتة أنّ الأمم المتّحدة أرادت أن تخْتبر الأمن من كلّ بلد في القبض على المجرمين الفارّين، فكانت مادّة الاختبار أن يقع إطلاق أرنب في المدينة ، ثمّ بعد ساعة يطلقون وراءه شرطةَ بلدٍ مَا للبحث عنه .. فشرطة دولةٍ تأتي به بعد ساعة وشرطة دولةٍ أخرى تأتي به بعد ساعتين وثالثة في وقت أقلّ ورابعة في وقت أكثر، وهكذا حتّى جاء دور الشرطة التّونسية فمرّت السّاعات والسّاعات ولم يعودوا لا بالأرنب و لا حتّى بأيْديهم فارغة، فذهبُوا يبحثون عنهم فوجدوهُم مُجتمعين على قِطٍّ يعذّبونه ويُشبعونه ضربا وركلا ويقولون له: هيّا اعترف وقُلْ بأنّك أرنب!

هذه نادرة لطالما تداولها اللّسان التّونسي فسجّلت على صفحة التّاريخ إلى جانب نَوادرَ وحكاياتٍ أخرى، ما سجّله كتاب كليلة ودمنة الّذي جاء بالحِكَمِ الثمينةِ على ألسنة جمْعٍ من الحيوانات في زمن تعطّلت فيه ألسنة البشر بالقمع وتميّزَ بأوضاع سياسية مُعيّنة.

لكن صاحبُكم الّذي يكتب لكم هذه السّطور، كنتُ شاهدا عن قرب وأذكر لكم فيما يلي وقائع حقيقية لا صلة لها بالقطط والأرانب.

ففي شتاء سنة 1991 و إبّان حرب ما يُسمّى بعاصفة الصّحراء على العراق تحرّك الشّارع التونسي وكُنتُ إذّاك أعمل في القُوّات الخاصّة وهي الفرقة المرموقة في الجيش التّونسي من ناحية التّكوين والجاهزية والمُعوّل عليها في المهامّ الصّعبة، وكنت مُكلّفا بحماية مركز ولاية في الجنوب التونسي والمؤسّسات الحسّاسة فيها، وكانت فرق الأمن تواجه المتظاهرين المندفعين بدوافع عِدّة، منها الغيرة على الشّعب العراقي الشّقيق، ولقد لمسنا من قريب شراسة وقمع أعوان الدّاخلية ضدّ المواطن التونسي الأعزل الرّاغب في تفريغ همومه بالصّياح في الشّارع و أيضا مشاركة أخيه العربي كما قلنا في همومه.

واتّفَقَ أن كنتُ أتفقّد بعض نقاط الحراسة في المدينة ليلا ثمّ عدتّ إلى مقرّ فرقتي بمبْنى الولاية،  إذ بمواطن يغْلي كعاصفة، ويطلب من جنودي أن يسمحوا له بأن يراني ولمّا خرجتُ له انفجر باكيا ومزمْجرا بفيض من الغضب الّذي لا حدّ له، ثمّ قال لي يا سيّدي أختي لم تعُد إلى البيت بعد أن شاركَتْ في مُظاهرةِ اليوم و بلغني أنّها اعتُقِلت في منطقة الشّرطة بالمدينة فذهبْتُ أبحث عنها فخرج عليّ أحدُ كلابهم  "كوميسار" وقال لي: هل أختك فلانة ؟

قلت نعم .. فقال لي كلاما لا تحتمله أنت يا سيدي لو كنت مكاني ـ قلت له ماذا قال لك؟ قال: قال لي إنتظرْ هناك في الطريق أختك عندنا.. ستلبس ثيابها وتأتيكم!

هذه هي أخلاق حافظ الأمن التّونسي عامّة إلاّ القليل النّادر منهم!

لا أصف لكم كيف ضاقت بي الأرض بما رحبت وأنا أستمع وأنظر إلى هذا المواطن المُهان، الممسوس في كرامته وشرفه وهو في بلده من طرف أعوان أمن بلده، وذنْبُه هو وأختُه أنّهما تظاهرا وحملا همّ الأمّة،  وقلتُ في نفسي لو كنّا تحت الاحتلال الصّهيوني ما سمعنا هذا في شرفنا وكرامتنا، بلْ لقد كان آباؤنا فيما مضى تحت الاحتلال وما سمعوا مثل هذا !

إرادة استرداد الكرامة والشّرف هو الّذي أخْرج التّونسي إلى الشّارع وأسقط السّفلة إلى الأبد.

لذلك فإنّ اليوم، من أولويات الأولويات: أن تضع الحكومة الّتي تولّت أمرنا كرامة الإنسان التّونسي على رأس مشاغلها وعزّتَه وشرفَه، حتّى وهو موقوف من أجل أيّ تهمة كانت.

هذا الكوميسار المنحطّ الّذي جرح المواطن في صميم كيانه وأدخله بخطابه المنحطّ في ثورة عنيفة عنوانها الكرامة والشّرف، والبوليس الّذي داس في القاهرة على صدر أختكم المصرية بعد أنّ عرّاها في الشّارع، هُما من مدرسة واحدة هي مدرسة الطّاغوت! مدرسة فرعون وهامان وجنودهما! ولكم أن تتخيّلوا أي قِيَمٍ وأخلاق يمكن أن يُربَّى عليها هكذا جنود.

ألا يكفي أن يُقال لهذا الأخ أنّ أخته موقوفة وهي في الحفظ والأمان حتّى تنظر المحكمة في أمرها من أجل التّظاهر مثلا ؟ ألا يكفي أن تتولّى شرطيتان أو ثلاث إعتقال المتظاهرة المصرية في كنف الاحترام اللّازم ووضعها في سيارة الشّرطة ؟ ألا يكفي أن يُجرَّد المتظاهر من أي وسيلة بيده كالحجارة مثلا أو عصا ثمّ يُشحن في العربة دون أن يجتمع عليه أربعة أو خمسة بعصيّهم وهو مُلقى على الأرض يرضخون رأسه حتّى يُفارق الحياة كما نرى كلّ يوم على شاشاتنا ؟

نُطالب حكوماتنا بعد ثوراتنا، في نطاق حفظ كرامة شعوبنا، أن يُطهّروا بجدّ تلك الأجهزة الظّالمة المظلمة، وأن يعتمدوا في المستقبل في انتداب هذا السّلك مقاييس غير الّتي كانت تُعتمَد في عهد الطّواغيت السّاقطة، فلا مجال بعد اليوم لحافظ أمن ليس له أب أو أمّ أو مجهول الهوية، ولا مجال لشرطيّ جاهل منتدَبٍ بالمحسوبية. وأقترح أن تضاف سنة تكوينية زائدة لكلّ سلك إلى تكوينه، تُسمّى "مرحلة تكوين حضاري" تُعطى فيه دروس دينية يُقدّمها أساتذة شريعة متخصّصين وتُعطى فيه دروس مدنية في حقوق الإنسان الكونية. وتُنظّم في خلال هذه المرحلة لتلاميذ الأمن زيارات لمعالم دينية وحضارية روحية. لعلنّا بعد ذلك نتعامل في الشّارع مع رجل أمن إنسان وليس مع عزرائيل أو شيطان! فمـا رأيكـم ؟

وإلى لقــــــاء قادم إن شـــاء الله .

مخلــوف بــريــكي – فرنســا                   

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©