رائعة عراقيّة تُبكيني ... الأرملة المرضعة : معروف الرصافي
800x600 Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-bidi-font-family:Arial;} رائعة عراقيّة تُب
- 27 سبتمبر 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
رائعة عراقيّة تُبكيني ...
هند الهاروني- تونس
بسم الله الرحمان الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
تونس في 27 سبتمبر 2010-18 شوال 1431
كلّما تذكرت هذه القصيدة الرائعة و الشهيرة، بكيت. كنت قد تعلمتها في المرحلة الأولى من دراستي و تأثرت بها لسببين:
1. طبيعة القصة ذاتها إذ تصور المعاناة الإنسانية لأرملة فقيرة لا تقو على العيش و تحتاج إلى سند.
2. لصدق التعبير فيها.
فلم أنساها.
:: الأرملة المرضعة ::
للشاعر العراقي -من مواليد بغداد- معروف الرصافي (1875-1945) رحمه الله :
لَقِيتُها لَيْتَنِي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَا *** تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَا
أَثْوَابُهَا رَثَّةٌ والرِّجْلُ حَافِيَةٌ *** وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا*** وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا *** فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَا
المَوْتُ أَفْجَعَهَا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا *** وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَا
فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَا *** وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَا *** فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَا
وَمَزَّقَ الدَّهْرُ ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا *** حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَا
تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَا *** كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَتْ زُبَانَاهَا
حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً *** كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا
تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا *** حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَا
قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْدَامٍ مُمَزَّقَةٍ *** في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَا
مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا *** تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَا
تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ *** هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَا
مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا *** إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَا
يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ *** كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَا
مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ *** وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَا *** تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَةً بَاتَتْ مُرَوَّعَةً *** وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَا *** وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَا
قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَا *** وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَا
وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَها *** بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ ، آهَاً مِنْهُمَا آهَا
كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَدَةً *** وَمَوْتُ وَالِدِهَا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَا
هَذَا الذي في طَرِيقِي كُنْتُ أَسْمَعُهُ *** مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْسِي وَأَشْجَاهَا
حَتَّى دَنَوْتُ إلَيْهَا وَهْيَ مَاشِيَةٌ *** وَأَدْمُعِي أَوْسَعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَا
وَقُلْتُ : يَا أُخْتُ مَهْلاً إِنَّنِي رَجُلٌ *** أُشَارِكُ النَّاسَ طُرَّاً في بَلاَيَاهَا
سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَكْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا *** في قَالَةٍ أَوْجَعَتْ قَلْبِي بِفَحْوَاهَا
هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا *** مَا في يَدِي الآنَ أَسْتَرْضِي بِهِ اللهَ
ثُمَّ اجْتَذَبْتُ لَهَا مِنْ جَيْبِ مِلْحَفَتِي *** دَرَاهِمَاً كُنْتُ أَسْتَبْقِي بَقَايَاهَا
وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُو مِنْكِ تَكْرِمَتِي *** بِأَخْذِهَا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّاهَا
فَأَرْسَلَتْ نَظْرَةً رَعْشَاءَ رَاجِفَةً *** تَرْمِي السِّهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَايَاهَا
وَأَخْرَجَتْ زَفَرَاتٍ مِنْ جَوَانِحِهَا *** كَالنَّارِ تَصْعَدُ مِنْ أَعْمَاقِ أَحْشَاهَا
وَأَجْهَشَتْ ثُمَّ قَالَتْ وَهْيَ بَاكِيَةٌ *** وَاهَاً لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَا
لَوْ عَمَّ في النَّاسِ حِسٌّ مِثْلُ حِسِّكَ لِي *** مَا تَاهَ في فَلَوَاتِ الفَقْرِ مَنْ تَاهَا
أَوْ كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ *** لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَا
هَذِي حِكَايَةُ حَالٍ جِئْتُ أَذْكُرُهَا *** وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى الأَحْرَارَ فَحْوَاهَا
أَوْلَى الأَنَامِ بِعَطْفِ النَّاسِ أَرْمَلَةٌ *** وَأَشْرَفُ النَّاسِ مَنْ بِالمَالِ وَاسَاهَا
انتهى