نصوص

رئيسهم وديكتاتورنا

يوم الإثنين الماضي، اي بتاريخ 21/06/2010 وعلى الساعة السابعة و النصف صباحا ،كنت أسير وسط العاصمة السويسرية بيرن ، رأيت رئيس الدولة (يسمونه رئيس الكنفدرالية) ماشيا على قدميه ، يحث خطاه قاصدا في مشيه ، ولما كان المشهد غريبا عني ، فقد وقفت اشيعه بغبطة خفية. كان الرجل يمشي وحيدا ، لاحرس ، ولا تشريفات ، ولا حتى سيارة تقله حيث يريد..ثم هو الان وسط الناس ، المنكب بالمنكب ، عمال النظافة يتجاوزونه في الطريق ، دون ادنى تحية حتى... صحيح أن الناس كانوا يرمقونه ، ولكن ـ وللامانة ـ رجل واحد حياه دون ان يتوقف

0
25 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يوم الإثنين الماضي، اي بتاريخ 21/06/2010 وعلى الساعة السابعة و النصف صباحا ،كنت أسير وسط العاصمة السويسرية بيرن ، رأيت رئيس الدولة (يسمونه رئيس الكنفدرالية) ماشيا على قدميه ، يحث خطاه قاصدا في مشيه ، ولما كان المشهد غريبا عني ، فقد وقفت اشيعه بغبطة خفية. كان الرجل يمشي وحيدا ، لاحرس ، ولا تشريفات ، ولا حتى سيارة تقله حيث يريد..ثم هو الان وسط الناس ، المنكب بالمنكب ، عمال النظافة يتجاوزونه في الطريق ، دون ادنى تحية حتى... صحيح أن الناس كانوا يرمقونه ، ولكن ـ وللامانة ـ رجل واحد حياه دون ان يتوقف قائلا له: صباح الخير و مضى... تذكرت وانا أمضي ، بعد أن غاب عن ناظريَّ ، كيف غُرست فينا هالة صورة الزعيم ، وكيف أنه مخلوق فوق مستوى البشر ، حتى اننا و نحن صغار ، كنا نؤمن بأن بورقيبة ، لا يقضي الحاجة البشرية ، بل هو مخلوق من نوع خاص ... كما تذكرت كيف كان يأتي رئيس نظامنا الذي تبرع لحكمنا دون إذن منا ، في زيارات (فجعية) ، فتفحص الممرات التي سيسلكها ،و تخلى البيوت من ساكنيها ، ليسكنها البوليس (دون دفع الآجار طبعا) ، و تصعد الفرق الخاصة لتعتلي الاسطح ، و بيديها احدث الرشاشات ، خوفا من اعداء الشعب الذين قد يتربصون بزعيمه الفذ ، و يريدون به شرا...

ولأننا في بلاد الامن و الآمان ، لا بد للبوليس المحلي ، وقت الزيارة ، ان يجرد من سلاحه ، و ينحى جانبا ،لعل و عسى (واشكون يدري).... تذكرت أيضا سجينا عاديا ، كيف صاح عندما مات بورقيبه و منعونا من الفسحة اليومية ، وظلت الغرف مغلقة إلى الغد : الله لا ترحمك ، امتعّبنا حيْ و ميت... في الحقيقة هذه المفارقة العظيمة ، لا توضح المسافة بين الرئيسين ، بقدر ما تظهر الفرق بين الشعبين ...شعب انتخب موضفا لخدمته ، فخدمه و مع هذا يشعره دوما أنه دون المستوى ، فلا يحلم ابدا أن يستشعر حلاوة الكرسي، فضلا عن أن يمد يده بالظلم أو السرقة ، وشعب مد عنقه للسكين ، وصفق لأول من ركب ، و استمرأ المذلة ، حتى أصبح الوضع الطبيعي هو الخنوع و التصفيق ، ولذلك برم به الشابي ، ودعاه إلى التضحية و الفداء حتى يعتق نفسه من الرق... هذا الحال ، جعلنا نستشعر النقص ، و نكاد نصدق اننا امة لا تليق بها الكرامة ، غير أن التاريخ يسعفنا ، إن تذكرنا قول الغريب بالمدينة المنورة ، عندما رأى عمر رضي الله عنه ، ينام بالبطحاء دونما حراسة: عدَلْتَ ، فَأمِنت ، فنِمت. .

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©