نصوص

ذكرى النكسة على وقع الثورات العربيَّة

تحمل الذكرى الثالثة والأربعين لحرب عام 1967، أو ما اصطُلح على تسميته بـ "النكسة"، التي حلَّت هذا الأسبوع دلالات خاصة، فهذه الذكرى جاءت في غمرة تحولات هائلة يشهدها العالم العربي تؤذِن بالتخلص من أحد أهم الأسباب التي قادت العرب إلى أقسى هزيمة في تاريخهم المعاصر، ألا وهي سيادة أنظمة الاستبداد التي لم تبدِ أي حرص على مراكمة

0
5 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

 

تحمل الذكرى الثالثة والأربعين لحرب عام 1967، أو ما اصطُلح على تسميته بـ "النكسة"، التي حلَّت هذا الأسبوع دلالات خاصة، فهذه الذكرى جاءت في غمرة تحولات هائلة يشهدها العالم العربي تؤذِن بالتخلص من أحد أهم الأسباب التي قادت العرب إلى أقسى هزيمة في تاريخهم المعاصر، ألا وهي سيادة أنظمة الاستبداد التي لم تبدِ أي حرص على مراكمة أسباب القوة التي تؤهِّلها لتحقيق إنجازات في ساحة الحرب مع الكيان الصهيوني؛ لقد غيَّرت نتائج هذه الحرب مجرى الصراع بين الكيان الصهيوني الغاصب وبين العالم العربي، ففي 132 ساعة تمكَّن هذا الكيان الصغير أن يُلحق الهزيمة بالعرب على ثلاث جبهات، وفي آنٍ معًا، وعلى إثر ذلك تضاعفت مساحة الأرض العربية المغتصبة إلى ثلاثة أضعاف، لينضمَّ المزيد من الفصول إلى سفر المعاناة الفلسطينية على وجه الخصوص، لقد كان من أبسط مقتضيات تحمل الأنظمة الرسميَّة المسئوليَّة عن نتائج الحرب، أن تتمَّ محاسبة النخب الحاكمة المسئولة عنها، كما يحدث عادة لدى الأمم الأخرى، وقد كان من الطبيعي أن تصرَّ الأمَّة المسئولة عن مصيرها على إحداث تغيير في البنى السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة التي أنتجت الهزيمة ورفدت روحها، ولما تخلفت الأمة عن ذلك وجدنا أن هذه الأنظمة لم تترددْ في إضفاء شرعيَّة على النتائج التي أفضت إليها هذه الحرب.

فقد ضغطت الأنظمة العربية على الفلسطينيين للتوافق مع إسرائيل حول تسويات تسمح لها بالاحتفاظ بجزء كبير من هذه الأرض التي احتلت في هذه الحرب، وكأنه لا يكفي اغتصاب الحركة الصهيونيَّة لأكثر من 78% من مساحة فلسطين التاريخيَّة، إن صدى كلمات الرئيس المصري حسني مبارك أثناء آخر زيارة قام بها للخارج، وتحديدًا في البحرين لا زال يتردَّد في السماء، عندما وبَّخ الفلسطينيين وقيادتهم لأنهم جَمَّدوا المفاوضات بسبب إصرار إسرائيل على البناء في المستوطنات، لقد تطوَّعت بعض مكونات النظام العربي لتقديم صيغ تسمح لدولة الاحتلال عمليًّا بالاحتفاظ بسيطرتها على القدس؛ وتسدل الستار على مطالبة الفلسطينيين بحق العودة للاجئين، فحسب منطق النظام العربي الرسمي الأعوج، فإنه بإمكان المسئولين عن الهزائم ليس فقط مواصلة تمتعهم بالحكم، بل ضمان بقاء ماكينزمات العمل التي تؤدي إلى المزيد من الهزائم.

فنظرًا لغياب أدوات رقابة فاعلة على هذه النظم، فإنها بدلًا من التزود بأسباب القوة التي تضمن تعزيز موقع دولها في معادلة الصراع مع الكيان الغاصب، فإنها لم تختر التسليم بالأمر الواقع فقط، بل إن هذه الأنظمة أصبحت طرفًا أساسيًّا في التصدي لكل من يقاوم المشروع الصهيوني، من هنا لم يتردد النظام العربي الرسمي في مشاركة إسرائيل في معاقبة الأطراف الفلسطينية المقاومة للمشروع الصهيوني، والمشاركة بفاعلية في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني في أعقاب فوز حركة حماس.

ومما لا شك فيه أن الذي سمح للنظام العربي الرسمي أن يُقدم على هذا السلوك هو طبيعته الشموليَّة الديكتاتوريَّة التي لا تسمح بمطالبة رؤوس هذا النظام بتحمل مسئولياتهم، وتفتح المجال لطرح الأسئلة المطلوبة، وتلقِّي الإجابات عليها، اللافت للنظر هنا أن المسوّغات التي حاول النظام العربي الرسمي بها إضفاء شرعية على توجهاته "السلاميَّة" تجاه إسرائيل في أعقاب حرب عام 67، انهارت في أعقاب القراءة الإسرائيليَّة لهذه الحرب؛ فعالم الاجتماع الإسرائيلي عوز الموغ يقول أنه من المحتم أن تندلع الحروب بين العرب وإسرائيل، لأن النزاع الإسرائيلي – العربي "نزاع بين حضارتين وثقافتين متناقضتين تناقضًا تامًّا، ولهذا فإن هذا النزاع شبيه بجبل بركاني نشط ينفجر من آنٍ لآخر؛ توجد انفجارات نتائجها طفيفة وتوجد انفجارات تهزُّ الأرض وتحرك طبقاتها، وكانت حرب الأيام الستة كذلك"، على حد تعبيره.

إذن المسألة ليست كما حاول رءوس نظم الحكم العربيَّة إراحة نفسهم، وتصوير الأمر وكأنه صراع قابل للحلّ، في حال أبدى الفلسطينيون المزيد من التنازلات، والذي يدلِّل على القراءة العربيَّة الرسمية المغلوطة لسياقات حرب عام 67 ونتائجها، هو حقيقة أن المجتمع الإسرائيلي أصبح أكثر تطرفًا بعد هذه الحرب، والآن وبعد أكثر من أربعة عقود على هذه الحرب، فإن استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تؤكِّد أنه في حال أُجريت الانتخابات التشريعيَّة حاليًا، فإنه ستشكل في إسرائيل الحكومة الأكثر تطرفًا، أي أن التوجهات الحمائميَّة التي صدرت عن النظام العربي الرسمي، تواجه باستجابة معاكسة في الجانب الصهيوني، والمفارقة أن أحد أسباب انزياح المجتمع الصهيوني نحو التطرف هو إدراك مكوناته، إن الرهان على القوة يؤتي أكُله، حيث باتت النظم العربيَّة الرسميَّة تتجنَّد لتخليص إسرائيل من مصادر الخطر وبؤرِه.

فقد قال المستشرق الإسرائيلي شاءول مشعال أنه يتوجَّب على قيادات دولة إسرائيل "أن تشعر بالامتنان للأنظمة العربيَّة التي تتولَّى محاربة الحركات الإسلاميَّة بلا هوادة، معتبرًا أن أخطر سيناريو يواجه إسرائيل بعد حرب الأيام الستة هو تعاظم دور القوى العربيَّة التي ترفض التوافق بحال من الأحوال مع بقاء المشروع الصهيوني.

من هنا تبرز أهمية ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي الهائلة، والرهانات المعقودة عليها في إحداث تغيير جذري وتام للتخلص من البيئة المنتجة للهزائم، وعلى الأقل هذا ما يخشاه الصهاينة، فرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي ادَّعى في خطابه الأخير أمام الكونجرس أن إسرائيل مرتاحة للتحولات الديمقراطية في العالم العربي، هو نفسه الذي أقام الدنيا ولم يقعدْها وهو يضغط على زعماء العالم لعدم مطالبة الرئيس مبارك بالتخلي عن الحكم، وقد نقل مقرَّبوه عنه قوله: "ما يحدث في العالم العربي قد يعيدنا حتى إلى ما قبل حرب عام 1948".

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©