نصوص

د.المرزوقي بين عهدين ورئاستين

"محكوم علينا نظرا لازدواجية طبيعتنا أن يكون النضال من أجل "أنسنة" البشرية مشروعا لا نهاية له ومعركة كل لحظة." (د.المرزوقي) (1) أربعون مرشّحا للرئاسة أو يزيد، قليل منهم من ناضل من أجل هذا الحق وكثير منهم كان من معاول النظام الاستبدادي التي حاول أن يئد بها أحلامنا في يوم نختار فيه من يحكمنا دون خوف أو إكراه. وأغلبهم لم نكن نسمع له همسا فضلا على أن نسمع له ركزا! اليوم يُيمّم هؤلاء وجوههم شطر قصر قرطاج معتقدين أن الطريق إليه يمكن أن تكون سالكة إذا عبّدها المال الفاسد والوعود الكاذبة! كثير منهم حالمو

0
22 سبتمبر 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة



"محكوم علينا نظرا لازدواجية طبيعتنا أن يكون النضال من أجل "أنسنة" البشرية مشروعا لا نهاية له ومعركة كل لحظة." (د.المرزوقي) (1)

أربعون مرشّحا للرئاسة أو يزيد، قليل منهم من ناضل من أجل هذا الحق وكثير منهم كان من معاول النظام الاستبدادي التي حاول أن يئد بها أحلامنا في يوم نختار فيه من يحكمنا دون خوف أو إكراه. وأغلبهم لم نكن نسمع له همسا فضلا على أن نسمع له ركزا!
اليوم يُيمّم هؤلاء وجوههم  شطر قصر قرطاج معتقدين أن الطريق إليه يمكن أن تكون سالكة إذا عبّدها المال الفاسد والوعود الكاذبة!
 كثير منهم حالمون مدفوعون من قِبل أعداء الحرية توجههم من الداخل أطماعهم الشخصية و"أنواتهم" المضخّمة، وتتحكم فيهم من الخارج أجهزة "الخلفان والنهيان والتعبان والثعبان"! هؤلاء كلهم لا يعنوننا ونعتقد أن  شعبنا سيفضحهم يوم الإنتخاب يوم يقفون على حقيقتهم في مواجهة الصناديق  التي سيجعل منها شعبنا قلاعا محصنة عن الاختراق ومجزرة لأنصار الطغاة ومشايخ النفط والإنقلابيين!

التاريخ لا يرحم ولا يحابي أحدا فإذا كانت محركات البحث تجهل كثيرا من المترشحين فإنها تعرف بعضهم وتحفظ لهم مواقفهم، تشهد لهم بالإحسان إن أحسنوا وتشهد عليهم بالإساءة إن أساؤوا، وتبيّن من ثبت على مواقفه المبدئية في كل الأحوال ومن كان له في كل حال موقف!
تذكر من ناضل وثبت ومن تقلب وساوم وباع واشترى، وجعل النضال مطية لتحقيق مجد خاص وإشباع هوى ذاتي، كلما لاح له بصيص ضوء لمواقع الصدارة قفز إليه ليكتشف أنه لاهث وراء سراب!
 
نعم في قائمة المرشحين من ناضل وعارض وراغم الاستبداد في مواقع وآلمه في أخرى، ولكن لا نعلم منهم من أوذي بالحجم الذي أوذي به الدكتور المنصف المرزوقي، ولا نعلم منهم من ثبت على موقفه المبدئي بأن نظام الهارب "بن عليّ" نظام فاسد لا "يصلح ولا يصلح" ولا تنفع معه المهادنة والمساومة!  كما كان موقفه الدائم أن "المنظومة السياسية الفاسدة وانتهاكات الحقوق الفردية والسياسية مرتبطة بالنظام الاستبدادي ارتباط الظل بالماشي تحت الشمس. هي من خصائصه الجوهرية لذلك هو مثل الاستعمار والعبودية يحتاج للاستئصال لا للإصلاح." (2)

ثبت الرجل في أشدّ الفترات سوادا وحلكة واستمرّ يبشر بغد أفضل لتونس "الجمهورية الثانية" التي تتسع لكل أبنائها على مختلف ألوانهم ومشاربهم. مقالاته وكتبه وتصريحات ومقاطع الفيديو المبثوثة في مواقع النت كلها تشهد له أننا أمام رجل الرسم البياني لآدائه  الحقوقي ونضاله السياسي واضح لا اضطراب فيه ولا تقلّب، إلى درجة أن أي مهتمّ بحقوق الإنسان أو بالشأن السياسي يمكنه أن يعرف موقف الدكتور المرزوقي من أي قضية حادثة،  بما في ذلك مواقفه التي تبدو أحيانا لمخالفيه مستفزة أو متطرفة! ... قد يتسرع أحيانا ويندفع بحماسة ـ ربما  تكون موروثة عن أصله المرزوقي ـ فيخطئ ولكنه لا يصرّ على خطئه إن تبيّن له بالحجة القاطعة أنه أخطأ وينقد نفسه ويراجعها على الملإ ويعتذر  بشكل لا يقدر عليه إلا ذوي النفوس الكبيرة.


وقد سبق لصاحب هذه الكلمات أن تعرّض بالنقد للدكتور المرزوقي وتَبْيِينِ  خطأه في موقف اتخذه، فلم يكن منه إلا أن أصدر اعتذاره الشديد وأسفه وسحب موقفه (3) في اليوم الموالي. ولما قابلته لم يعلّق على الموقف بأكثر من الابتسام! كان ذلك قبل توليه الرئاسة وأما بعدها فلم تترك لنا الأقلام المأجورة والحاقدة عليه مجالا لنقد بنّاء!

للدكتور المرزوقي كغيره من البشر عيوب ومثالب ومواقف كثيرة يمكن أن ينتقده فيها أي ناقد، ولكن تجربته في الرئاسة أثبتت أنه مناضل أصيل وأنه لم يكن يتخذ حقوق الإنسان والنضال من أجل الحريات مطية لتحقيق أغراض شخصية.

 تعامل في حدود المتاح له من قانون انتقالي ومن موازنات، وتقدير موقف وسط بحر متلاطم من مكر التآمرين من منظومة الاستبداد والحاقدين الحاسدين من رفاق الأمس، حاول قدر استطاعته أن لا تؤتى "الثورة" والديمقراطية الوليدة من قبله، وقد وفّق في ذلك إلى حدّ بعيد رغم ما يمكن من تسجيله على الصعيد الحقوقي ـ الذي لم تكن خيوطه بين يديه ـ من تقصير!

وسط هذه الجماهير الغفيرة من المترشحين للرئاسة أعتقد أن الدكتور المرزوقي هو أفضلهم وهو أقدرهم على حماية ما تبقّى من "الثورة" وتحقيق بعض أهدافها في الحرية والكرامة وهو الأصلب في مواجهة الرياح التي تريد أن تعصف بما تبقّى منها، وهو أفضل المترشحين ـ في نظري ـ فيما يتعلق بعدم المساومة على المبادئ وعدم الركون لقوى الاستبداد والضغط. وهو الأشدّ عنادا في وجه اللوبيات المتنفذة القذرة!
هذا ظني به وهو ظن كثرين من أمثالي، ونعتقد أنه هو الأوفر حظا بالفوز إذا تمت الإنتخابات في جوّ من التنافس النزيه والشفاف!

لست ممن يقول بأنه الخيار الوحيد والأوحد ولا أقول بأنه ليس في تونس مثله أو خيرا منه، ولا أقول هوّ أو الضياع والتيه فتلك لغة ممجوجة أبغضها لأنها تذكر بالعهد البائد ويبغضها الدكتور المرزوقي ذاته، ولكن للأسف نراها من حين لآخر!
يكفي أن نقول بأنه على رأس قائمة المرشحين وينتظر منه أن يكون أحسنهم آداء لمصلحة تونس وشعبها، ولذلك سيمنحه الناخبون أصواتهم. نعتقد أنه سيفوز بالرهان ولكن ذلك ليس آخر المطاف ولا نهاية المسار فالفوز الحقيقي حين يستمر ناخبوه في اسناده وتشجيعه على حسن الآداء في مواجهة الرياح العاتية التي ستواجهه!


الفوز الحقيقي حين يستمر الشعب في حماية "ثورته" وديمقراطيته الوليدة، حمايتها من المتربصين بها من فلول الاستبداد السابق، وحمايتها من صاحب السلطة الذي هو نزّاع بطبعه إلى الاستبداد إن واتته الفرصة كما بيّن الكواكبي رحمه الله! وفي هذه سنكون بالمرصاد له ولغيره!

على الدكتور المرزوقي إن فاز بالرهان أن يُحصّن منصبه بالمستشارين الناصحين، وأن ينتصح في مواطن الانتصاح، ويستشير في مواطن الاستشارة، فما ندم من استشار كما يقول صلى الله عليه وسلم!

على الدكتور المرزوقي إن فاز أن يحافظ على أصدقائه ومناصريه لأنه إن خسرهم فلن يربح لصفّه أعداءه وحاسديه وما أكثرهم! وعليه أن يذكر قوله " الخطاب العروبي الديمقراطي والخطاب الإسلامي الديمقراطي ، هما اليوم القوتان المعاديتان للاحتلال الخارجي والاحتلال الداخلي وتوحدهما يبقى في آخر الأمر الأمل الوحيد لأمتنا في الخروج من عار الاستبداد والتخلف والتبعية" (4)

وإن لم تؤل الرئاسة إليه ـ وهو خلاف المتوقّع ـ  فتلك ليست الطامة كبرى فموقعه في بلده ووسط شعبه ومناصريه والمعارضين الاستبداد والحالمين باستكمال المسار محفوظ، ويكفيه أنه دخل نظيفا وخرج شريفا!

ويستمر  الكفاح من أجل غد  أفضل رغم الداء والأعداء!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من مقال للدكتور المرزوقي  بعنوان "حركة حقوق الإنسان: الحصيلة والمستقبل" تونس نيوز نقلا عن الجزيرة نت 1 ديسمبر 2008)

(2) نفس المصدر السابق

(3) نقد الشيخ القرضاوي بناء على موقف خاطئ في مقال نشر في تونس نيوز  بتاريخ 19 مارس 2008 ونشر الرّد بتاريخ 24 مارس واعتذاره في 25 مارس (معي نسخة من جميع النصوص)

(4) تونس نيوز 25 مارس 2008 ، من نص الإعتذار المذكور آنفا.

 

طه البعزاوي / صابر التونسي
22 سبتمبر 2014

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©