نصوص

د.العودة: مجتمعنا لم يعد معزولاً والتعصب لا خير فيه

دعا فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ إلى البعد عن التعصب والتشدد في أمور الدين والدنيا مؤكداً أن التعصب يُعمي الإنسان عن مشاهدة الإيجابيات عند الآخرين، أو يجعله لا يرى من الحياة إلا وجهًا واحدًا، ولا من الأقوال إلا قولاً واحدًا، ولا من الحقيقة إلا جزءًا أو جانبًا منها، وكذلك

0
14 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


دعا فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ إلى البعد عن التعصب والتشدد في أمور الدين والدنيا مؤكداً أن التعصب يُعمي الإنسان عن مشاهدة الإيجابيات عند الآخرين، أو يجعله لا يرى من الحياة إلا وجهًا واحدًا، ولا من الأقوال إلا قولاً واحدًا، ولا من الحقيقة إلا جزءًا أو جانبًا منها، وكذلك التشدد الذي هو الأخذ دائمًا بالأشدّ والأحوط لم يعد مناسبًا لكثير من الناس، بل هذا فيه نوع من الفتنة للناس خاصة في الأزمنة الّتي اتسعت فيها نطاقات الناس، ولم يعد مجتمعنا معزولاً.

وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يُبَثُ على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "مناقشات" ـ: إنّ الله عز وجل وضع عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على الأمم من قبلنا؛ ولذلك فإنّنا إذا نظرنا إلى كثير من أحوالنا الاجتماعية أو حتى في جانب الفقه والفتوى، فإنّه يظهر لنا أن التعصب لا خير فيه.

وأكد فضيلته أننا في أمسّ الحاجة إلى الاعتدال والتوسط والموضوعية، ومراعاة أحوال الناس وظروفهم، لافتًا إلى أنّ هذا أمر معتبر في القرآن الكريم والسنة النبوية.

جاء ذلك رداً على رسالة من أحد الشباب وصلت لبرنامج الحياة كلمة حملت عدداً من الأسئلة والاستفسارات التي تعبر عن حالة من صراع الأفكار تساءل الشاب فيها:

لماذا يتم تعليم الطلاب الأحكام الشرعية من وجهة نظر واحدة وغالباً تكون الآراء حنبلية ؟ أليس الأصل أن نأخذ بالدليل الصحيح الصريح الثابت من الكتاب والسنة ولا يهم من جاء به من الأئمة الأربعة إذا كان صحيحاً؟

ثم يقول الشاب: لنعلم أن الضغط لا يولد إلا الانفجار وأن التشدد لا يولد إلا الابتعاد عن الحق وتركه بالكلية، وختم حديثه بما قاله مسلم أصبح ملحداً : تأكدوا من إيمان أبنائكم قبل أن تضربوهم على الصلاة .

مسئولية.. وتوجيه

وأجاب الشيخ سلمان العودة قائلا: إنّني من واقع معرفتي بالشباب، فإنَّك قد تجد الشاب في فترة معينة ربما لا يستطيع أن يحكم تفاصيل الاختيارات والمواقف التي يفعلها، وذلك بسبب وجود دوافع نفسية، أو ظروف خاصة تجعل الإنسان ربما يعبّر عن صراعاته بهذا الشكل.

وذكر فضيلته: أنّ مسئولية الدعاة والموجهين أن يستوعبوا هؤلاء الشباب، وأن يكون لديهم القدرة على الاستماع إليهم بشكل جيد، والإنصات لجوانب الحق التي يقولون بها، وتوجيههم وإرشادهم لجوانب الخلل الّتي ربما تحتاج إلى تجربة حتى يصلوا إليها.

مشيراً إلى أن التدين يجب أن يكون حياة نقدم من خلالها القدوة الحسنة للعالم كله وألا يكون مجرد وظيفة نضغط بها على شبابنا خاصة في هذا العالم المتغير.

وأوضح الدكتور العودة: أنّنا عندما نتحدث عن العالم الممتد من شرقه إلى غربه، حيث فيه تغيرات هائلة جدًا في التعليم والتقنية، والمعرفة، وفي السياسة، وموازين القوى المتحكمة في هذا العالم، وكل جوانب الحياة، و السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نعتقد أن مجتمعًا ما سواء كان سعوديًا أو خليجيًا أو عربيًا أنه بمعزل عن هذا العالم؟، فإذا كانت الإجابة بلا ، فإن ذلك يجعلنا نتساءل عن منطقة التأثير التي نستطيع أن نؤثر بها على الآخرين؟!

وحذّر فضيلته من ( التماهي والذوبان) وانسياق بعض الناس مع هذه المتغيرات وكأنهم لا شخصية لهم وكما عبرت عنه إحدى الأخوات " عرب بعيون زرقاء "، كذلك أولئك الذين يعالجون حالات الانفتاح والأوضاع الدولية بمزيدٍ من الانغلاق يمثل تحديا آخر وكلا الأمرين يحتاج إلى معالجة.

وعن دراسة المذهب الحنبلي قال الشيخ سلمان: إن كل بلد عنده مذهب معين يتم تدريسه، لأنه من الصعب جدًا أن يُدرّس للطلاب -مثلًا- في المرحلة المتوسطة أو الثانوية الفقه المقارن ويقال لهم في كل مسألة إن مذهب مالك كذا ومذهب الشافعي كذا وأبي حنيفة، والأدلة.. إلى آخره، ولذلك ليس شيئًا مستهجنًا أن يكون مذهب ما سائدًا في بلد معين، ويتم العمل بموجبه في الجملة، لكن هذا لا يعني أن المذهب هو حق محض، وإنما قد يوجد في - بل يوجد قطعًا - في المذاهب الأخرى ما هو أصوب منه، كما يوجد في المذهب ما هو أصوب من غيره.
وأضاف فضيلته أن الحجة في النهاية ليست في قول الإمام ولا في المذهب، ولكن في الكتاب والسنة؛ مشيرًا إلى أنه فيما يتعلق بالتطبيق، ومدونة القضاء، والنظام الاجتماعي العام، والجوانب الدستورية، فإنه ينبغي أن يكون ثمّ انتقاء من الأقوال الفقهية بما يتناسب مع المصلحة ومع ظروف الناس، وقبل هذا وذاك يتناسب مع التأصيل الشرعي.

الزيدية.. وأهل السنة

وتعقيبًا على مداخلة تقول: لم يرق لي يومًا أن أرى وهابيًا في اليمن، لكني لم أكن ثوريًا ولا عصبيًا، بل كنت أبحث عن وطني وعقيدتي وعقلي، قال الشيخ سلمان: يجب على الإنسان ألا يكون ثوريًا ولا متعصبًا، مشيرًا إلى أنّه من حق الإنسان أن يبحث عن وطنه، كما أنه من حق أي وطن أن يحافظ على خصوصيته، فليس مطلوبًا أن يتحول -مثلاً- المغرب من مالكي، ولا أن تتحول مصر من شافعي، ولا أن يتحول ما وراء النهر من حنفي، ولا أن يتحول اليمن من شافعي.

وأضاف فضيلته: إن المذهب الزيدي هو أقرب المذاهب لأهل السنة، لافتًا إلى أنّ الزيدية في اليمن تماهوا واندمجوا بسبب الروح المنفتحة البعيدة عن التعصب، كما أنّ هناك تراثًا للإمام الشوكاني والصنعاني وابن الوزير والمقبلي وغيرهم من أئمة الإصلاح والتجديد، والذين تُدرّس كتبهم في مدارسنا و جامعاتنا، فضلاً عن كونها جزءًا من ثقافتنا، كذلك فإنّه قلمّا توجد مكتبة طالب علم إلا وفيها كتب أمثال هؤلاء الأئمة ومؤلفاتهم ومصنفاتهم.

تنوع.. وتكامل

وأعرب الدكتور العودة عن أمنيته في ألا تتحول هذه الخصائص إلى نوع من التباعد، أو الاستقصاء أو التباغض ما بين بلد وآخر، وأن نحرص دائمًا على التنوع والحوار والتكامل، بدلاً من أن يكون حالة من التترس، وكأن كل طرف يريد أن يقضي على الطرف الآخر، وأن يكون لدينا روح عالية وقدرة على الأخذ بالأفضل، وأن يكون عندنا تعاون في القدر المشترك.

ولفت فضيلته إلى أنه التقى قبل أيام مع إخوة من قادة العمل الإسلامي في الكويت حيث أكّد على ضرورة أنّ يكون هناك تعاون في القدر المشترك، موضحًا أنّ العالم فيه أكثر من أربعة ونصف مليار إنسان غير مسلمين، أليس من المشترك الذي يتفق عليه معظم الأطياف الإسلامية إيصال الرسالة الإسلامية لخمسة مليار إنسان، لم يسمعوا بالإسلام بشكلٍ جيد، وهذا يؤكد على ضرورة أن يكون هناك رسالة نتفق جميعًا على إيصالها للآخرين وعلى استخدام أحدث وسائل التقنية في تبليغه، مشيرًا إلى أن وجود تنوع في أطيافنا، ومجموعاتنا، ومدارسنا أمر طبيعي وتاريخي، لكن لا ينبغي أن يتحول هذا التنوع إلى حالة من التعاند أو التباغض.

الحياة كلمة.. ونبذ التعصب

وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول: إنّ برنامج "الحياة كلمة" ساهم في تغيير فكرته عن التعصب، قال الشيخ سلمان: إنّنا لا نبرئ أنفسنا من أنه ربما يكون في طرحنا أو طرح زملائنا من الدعاة ربما باجتهاد أو بنقص خبرة، أو بكونه عاش نمطًا واحدًا، يحتاج إلى أن يتدرب ويتعلم كيف يُقدّم ما لديه وكيف يستمع إلى الآخرين، فهذا حق أيضًا ينبغي أن نقوله لأنفسنا.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©