نصوص

دولة العبادلة الثلاثة وغيرهم أمنيات علّها تتحقق

الناصر الهاني تمرّالأيام لتصنع حاجبا على العقول . وتقدّم الطريق معبدة للنسيان . حتى يكتسب الحاضر وجوده القصيرالذي سيدعه للاحقه . ولكن الذاكرة رغم هذه الاجتراحات ، وهذا التدافع للصور، والخيالات ، والحقائق ، والصالح ، والطالح من الأعمال ، والأقوال ، والصفات ، والذوات لا بد لها إن كانت متوثبة ، ومنتصبة أن تختزن ما يروق لها سلبا وإيجابا . ولعل الحراك الدائر في وطننا اليوم يجعلنا نتذكر صدأ الفترة الماضية ، وصديد القمع الظاهر، والمطروز في حنايا الأزقة ، والقرى، والأرياف ، والسواد الذي طبع صدور من حكمو

0
15 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الناصر الهاني
               تمرّالأيام لتصنع حاجبا على العقول . وتقدّم الطريق معبدة للنسيان . حتى يكتسب الحاضر وجوده القصيرالذي سيدعه للاحقه . ولكن الذاكرة رغم هذه الاجتراحات ، وهذا التدافع للصور، والخيالات ، والحقائق ، والصالح ، والطالح من الأعمال ، والأقوال ، والصفات ، والذوات لا بد لها إن كانت متوثبة ، ومنتصبة أن تختزن ما يروق لها سلبا وإيجابا . ولعل الحراك الدائر في وطننا اليوم يجعلنا نتذكر صدأ الفترة الماضية ،  وصديد القمع الظاهر، والمطروز في حنايا الأزقة ، والقرى، والأرياف ، والسواد الذي طبع صدور من حكمونا ، وحاكمونا، بداية من الذي يوزّع بطاقة الولاء، وصولا إلى سيّده في رأس الهرم ، الذي يمهر المانيفاستوات التي حكمت على شعبنا بالقهر، وجعلتنا طحينا قبيحا في ماكينة الفراغ للكشكول الأحمر المشبوه ، ولماسكرا البنفسج لسيدة تونس الأولى ، و"امرأة" السيدة العقربي تلك المرأة الزغرادة التي تبارك، وتعيد المباركة ، وترفع صور البراءة لصانع التغيير، بعد أن يوافق على إخراجها العبادلة الثلاثة (عبد العزيز بن ضياء وعبد الله القلال وعبد الوهاب عبد الله) . فما أكثر عُبّاد الله عندنا ، ولا توبة ، ولا فعلا صالحا.!!!!

        مَسَكَنَا العبادلة وطابورهم . والذاكرة مهما نسيت لن تنسى الندوة الصحفية التي أقامها السيد عبد الله القلال، في بدايات شهر مارس سنة 1991 ، على ما أتذكر تلك الندوة التي أُعلن عنها مباشرة بعد أخبار السهرة ، وأرجئت لأكثر من ساعة ونصف ، لأن المادة المرتجلة - الملفقة  لم تكن جاهزة . وأشبعتنا التلفزة " السبعاوية "  ليلتها،  بأغاني ناظم الغزالي ، ونبرته الحزينة للموّال العراقي " تركة زرياب الغالية"

جاءت الندوة وتجشأ فيها سي عبد الله بماطاب ولذّ عن حادثة باب سويقة .  وساعتها فقط انقسم الناس إلى طائفتين : أتباع نور، وأتباع ظلام . ولكن لمن انحاز الشعب المغبون ؟؟

أتباع النور : هم بناة المدنية ، والتحضر ، والبدلات المكوية ، والفولارة البنفسجية في الجيب العلوي فوق القلب تماما لنصف هذا المعسكر، وحقائب الجلد المستطيلة التي توضع على الكتف الأيسر، ويشدها سير طويل ، وأظافر الإبهام ، والسبابة الطويلين المتسخين دائما بقطران السجائر، أو بقايا تبغ الغليون المائل تحت شاربين كثّين ، وبرنيطة لينين المائلة ، غير المتناسقة مع معطف غوغول ، الذي يزيد طوله ، وينقص بحسب أجساد سادة النصف الثاني لهذا المعسكر.

  أما المعسكر الثاني ، فكلهم في صحف عبد العزيز الجريدي - عراب النظام - فكلهم شاذون، لواطيون،  بائعو بخور، قتلة، تربطهم بالخارج مصالح ظلامية . تبدو صور الكاريكاتير الخاصة بهم مضحكة . تذكرنا بنوادر جحا ، والخزاف ،وأبي العِبر، والنوكى ، والمغفلين ، الذين لطالما تحدث عنهم أبو علي القالي ، والجاحظ ، وفكاهات الأدب العربي . ولكن ما هي الصور التي رصدت للشعب المسكين؟؟

      رزح الشعب تحت صورة نمطية ، أرادها لها النظام ،  وطابوره من المثقفين ، والمنظرين الذين محظوا علومهم لذلة شعبهم وتجهيله ، واستحماره . فلا يظهر الشعب إلا في طوابير المهللين ، رافعي الصور. ويعلنون الولاء ، والبراء للصانع الحكيم ، الرائد ، المقدام ، الهمام ، الغظنفر .

  وبدأت التعبئة التي رصدت لها أموال المجموعة الوطنية . واستهدفت هذه السياسة معتقد الشعب ، وهوية البلد بوعي ، وداء دفين . لكن متى كانت النهضة تمثل عقيدة الشعب ووطنه في العموم؟؟

        النهضة جزء من طيف إسلامي ، له حق التواجد ، ليغني جملة الروافد التي تغذي المجرى الإسلامي في تونس المسلمة ، العربية ، الإفريقية ، المتوسطية ، المشاركة في الفضاء الكوني ، الساعية للمشاركة في الفعل الإنساني الخلاق . ولا يمكن أن يدعي طرف من الأطراف تمثيليته المطلقة لدين ، أو لفكرة ، أو لعقيدة . وهذا ما تتنصل منه النهضة ، وتعلن عن حجمها بتواضع ماضيا ،  وحاضرا . وهذا ليس تكتيكا ، بل هو الواقع . وإن تجاوزت هذه الحدود فنظنّ أنها ستعلن ساعتها عن نهايتها . وذاك ما لا يرجى .  لهذا فحرب النّظام لم تكن حربا ضد هذا الفصيل السّياسي ، والخصم الإيديولوجي . بل كانت حربًا ضد عقيدة البلد ، وهويّة شعبه ، مع اِحترام مغايرة من لم يكن مسلما بالتطبيق ، أو بالنّوايا.  فيحقّ لكل فرد أن يدين بما يريد وينتمي لما يهوى . لكن لقائل أن يعترض : كيف لنظام متحزّب بحزب يؤمن بالآية الكريمة " وقل اِعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" أن يحارب العقيدة !!!

صحيح ، هذا ظاهر الكف . ولكن باطنه يحوي قتلا مبرمجا في مقررات التربية ، ونشاطات الرياضة، وبطون الكتب ، وأنشطة الثقافة ، وسيمياء الأرض ، ويوتوبيا الناشئة .  لكن من برمج هذه السياسة الذكية . وكان مهندسا لجفاف المنابع ، وتصحير الأدمغة ، ليس التجمعيون ، ولا العبادلة . لأن ثقافتهم لا تصل إلى هذا الحد من الذكاء السلبي ، والشيطنة الوجيهة ، لدى أبالسة الأرض ، والسماء .

   بل إن من أنابهم عن ذلك هم الأكثر ولاءً ، وذكاءً . فهندسوا هذه المرحلة . ونجحوا فيما أرادوا . ونخّلوا الفكر، وجعلوا منه مسخا . وصارت صورة التونسي مهزوزة . وضُرِبت أركان وجوده . وتُفِّهَتْ مناحي الحياة جميعها . وصارت الأصوات كلها صوتا واحدا . وصنعوا مونوفونية عجيبة، استمرت لتسحق كل صوت مخالف . ولهذا تحتفظ الذاكرة ببعض من هندسوا هذه المرحلة . ولكن ليسوا كلهم . فهذا ما ظهر لنا منهم ، وما بطن كان أشد ، وأعظم .                                                  وبالمقابل تحتفظ الذاكرة كذلك بصور من وقفوا ضد هذه الموجة الجارفة . وتكسرت في النهاية موجة الفساد على حدود أسوارهم . لذا حري بنا أن نحتفظ بصورهم . ونخلدها بأروقة الذاكرة . لتكون نبراسا لأجيالنا اللاحقة سلبا وإيجابا  .  ولعلي هنا أبدأ بما ورد في الندوة الصحفية ليلتها :  إذ أطل علينا

1/ أنس الشابي الذي تكلّم من شرفة دار التجمع القديمة ليبّين أن الإسلاميين لاهمّ لهم إلا القتل .  ورأى أن الحل لاجتثاثهم يكمن في القضاء على الكتب الرجعية ، وبث ثقافة التقدمية التي طبقها في حينها السيد صالح البكاري وزير الثقافة  ، الذي قال لنقضي على هذه الملة ، لا بد من ثقافة القبح . ونجح في فترة وجيزة في أن يصبح المِزودُ هو الحزب الأكثر اِنتشارا ، وصار حبوبة رمزا على العملة . وتوارت  صورة  المفكر. وصار هشام جعيط نكرة ، لا يعرفه إلا البوليس السياسي .

2/ منصف الشلّي ومنظاره الذي تمكن من امتلاك أشرطة فيديو صورت برحاب المركب الجامعي بتونس. ليبين أن الجامعة خطفت ولا بد من إرجاعها لحضن الدولة . فتم ما أرادوا.  وصار بيان
 
  7 نوفمبر يدرس قبل مبادئ حمورابي ،  والثورة الفرنسية  .  ولا ننسى حلقته الشهيرة حول حادثة باب سويقة ، وأخصائيي علم النفس الذين استدعاهم  ليدلوا بدلائهم في الحادثة دون علم ودراية بمن فعلها . ولا دراية بدوافع فعلها، إن صحت نسبتها للإسلاميين . وإن كانت لهم ،  فالأمر مرفوض ، ويدانون بها ، ويجب أن يتحملوا مسؤوليتها. والقتل والعنف لا يسقطان بالتقادم ، لحرمة النفس عند الله سبحانه . حتى وإن كانت القوانين ترى بذلك .                                                                    

3/العالم : السيد عبد الباقي الهرماسي : أحترم الرجل لعلمه ، لكن هجمته الشرسة على المساجد , ودور تحفيظ القرآن ، والمواقع الأثرية ، عرفت في زمن وزارته ظلما مقيتا ، كان بوعي ، وذكاء منه لضربها ، وتهميشها .

4/ زهير المظفر ، والصادق شعبان ، وأكاديمية التجمع ، و 800 مدرس جامعي ، تنكبوا جميعهم لدك حصون الفكر، والثقافة ، وخلق مجال للميوعة ، وأن يفقد الفرد ثقته في كل من يجاوره ، أو يحمل له ودا.

5/ مسلسلات رمضان وممثلوا التفاهة ومسارح الفراغ والعبث.

7/ منشطو الويكاند ، وباقي أيام الأسبوع : من نجيب الخطاب ، والمخضرمة هالة الركبي ، وسفيان تشويه ، وحاتم بن عمارة ، وللأزواج فقط .

8/ بعض رؤساء المحاكم الذين استكرشوا على حساب مظلومية المساكين  . ويعلمون جيدا أن ما ينطقون به ظلم بواح.

9/ بعض من الشُرَطِ من خريجي الجامعة ، طوّعوا مناهج دراساتهم ، وأطروحاتهم لهندسة التعذيب ، وتفننوا في ظلم الناس ، وتمتعوا بعذاباتهم ، وعناصر الشغب الذين انهالوا على ذلك الشاب أمام وزارة الداخلية يوم 14/1/2011.

 10/صحف ، وكتب ، وقنوات سمعية ، وبصرية ، أبّدت حاكمية الفرعون ، وصنعت من حرمه نفرتيتا وجعلتها سيدة أولى على رقابنا غصبا ، وحبذا لو كانت مثقفة ، و ساعتها نحترم الأنثى الواعية فيها ، كسمير العبيدي ، وسمير بن عبد الله،  وبوبكر الصغير. وانظروا كيف أن أسماءهم تتشابه.

11/  قاعدة حزبية وفية وفاء الشبيبة الهتلرية للفوهر تطبق ما تؤمر به.

هذه هي الكواكب التي تراءت لنا في منامنا . وشتّان بينها وبين الكواكب التي ظهرت في رؤيا يوسف عليه السلام . ولكن سنواتنا العجاف كانت أطول .

أما ما نريد رؤيته بمحبة ، وود ، فكل من سعى للصلاح ، ورأب الصدع ، ومنفعة العباد ، والبلاد ، ولمن جهر بالحقّ في ذروة الباطل . ولكن لنا شوق كبير لرؤية وجوه ظهرت في أحداث  الثورة الأخيرة . وضاعت عنّا رغم حاجتنا لرؤيتها كلما احتجنا للأحبة :

1/ شهداء الثورة الصادقين ، لا الذين ماتوا في عمليات سطو، أوتصفية حسابات .

2/ تلك المرأة التي هددت الدكتاتور بأبنائها الثلاثة المتبقين بعد أن اِستشهد الأول .  فأم الشهيد هزت أركان عرش الظلم .

3/ قائد الطائرة الذي اِمتنع عن القيادة لترحيل الطرابلسية.

4/ الشرطي الذي كان يبكي في الوقت الذي يحمل أصحابه أسلحة القتل وآليات العذاب.

5/ قائد القوات البرية السيد رشيد بن عمار والجيش الذي حمى المتظاهرين من أنياب قناصي قوات التدخل وسواعد السرياطي .

7/ بائع الخضار ذلك المتعفف الذي كتب لافتة على شاحنته " اللي ما عنداش ياخذ بلاش ".

8/  كل أصوات الدفاع عن حقوقنا ، والقائمة طويلة وتشمل الأحرار من تونس ، ومن خارجها .

ونحمد الله أن القائمة كانت ثُمَانِيّة لا سُبَاعِيَّة لأن رقم سبعة طالما كرهنا بسببه الأرقام.

وإلى أن تكون لوطننا صفحات مشرقة أخرى لا نرى فيه من يظلمنا ولا يصنع من آلامنا سلّما لرقيه.

   مساء 15/3/2011م         

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©