نصوص

دفاعاً عن الدّيمقراطيّة

الديمقراطيّة والإقصاء نقيضان، والعلاقة بينهما جدليّة وإقصائيّة، فهي جدليّة لأنّ الديمقراطيّة إقرار بحقّ الاختلاف ومشروعيّة التّنوّع ولأنّ الديمقراطيّة لا إقصائيّة، وهي علاقة إقصائيّة لأنّ الإقصاء طرف فيها وهو مطلق بطبيعته. وقد تكون في الديمقراطيّة مستويات تُقاس بمقدار ما تسمح به من التعبير والتنوّع، فأدنى مستوياتها الانتخاب وأعلاها الشّورى، أمّا الإقصاء فلا درجات فيه ولا تدرّج فهو جارف وطوفانيّ قد تمنعه بعض السّدود وقد يكسرها جميعا. بعض البلدان تقول إنّ أولويّاتها تنمويّة وبعضها الآخر يعتبر أنّ

0
16 فبراير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


الديمقراطيّة والإقصاء نقيضان، والعلاقة بينهما جدليّة وإقصائيّة، فهي جدليّة لأنّ الديمقراطيّة إقرار بحقّ الاختلاف ومشروعيّة التّنوّع ولأنّ الديمقراطيّة لا إقصائيّة، وهي علاقة إقصائيّة لأنّ الإقصاء طرف فيها وهو مطلق بطبيعته. وقد تكون في الديمقراطيّة مستويات تُقاس بمقدار ما تسمح به من التعبير والتنوّع، فأدنى مستوياتها الانتخاب وأعلاها الشّورى، أمّا الإقصاء فلا درجات فيه ولا تدرّج فهو جارف وطوفانيّ قد تمنعه بعض السّدود وقد يكسرها جميعا.
بعض البلدان تقول إنّ أولويّاتها تنمويّة وبعضها الآخر يعتبر أنّ أولويّاته أمنيّة أو سياسية.. فكيف تكون الأولويّات مختلفة لبلدان تعيش نفس الوضع الحضاري وتمرّ بنفس المرحلة التّاريخيّة وتمتلك نفس الخلفيّة الثقافيّة؟
يعود السّبب في ذلك، على الأرجح، إلى تمكّن عقليّة الإقصاء من النفوس وتغلغل نزعة الانفراد بالرّأي وبالسّلطة وبالقرار في الممارسة. فالإقصاء بنية نفسيّة وعقليّة واجتماعيّة وسياسيّة؛ الشّيء الذي يجعلها تمتدّ على أكثر من مرحلة تاريخيّة وتخترق النّسيج الحضاري والاجتماعي، ولأنّ بلداننا العربيّة والإسلاميّة تتطوّر بسرعات مختلفة ولا تملك غالبا زمام أمرها وتُحدَّد لها أدوارها وفق أولويّات غيرها فإنّ انتقالها الديمقراطي يتأجّل أو يتعثّر، وتنميتها السياسيّة تتعطّل أو تُجهض، وما أزماتها المستفحلة وصراعاتها البينيّة المزمنة وحروبها الأهلية الكامنة والمتفجّرة إلاّ نتائج لنهج الإقصاء عوض نهج المشاركة والمصالحة. فسياسة الإقصاء هي التي أجّجت الحرب في صعدة والحراك في جنوب اليمن، والبحثُ في أفضل صيغة للمشاركة والحكم الذّاتي هي التي جعلت التّفاوض بين المغرب وجبهة البوليساريو ممكنا. وكما أنّ تصفية الاستعمار وإقامة دول جديدة لم تؤدّ بصورة حتميّة إلى إرساء ديمقراطيّات ناشئة فإنّ الإطاحة بالدّكتاتوريات الجديدة عبر انقلابات وتدخلات أجنبيّة لم تؤدّ إلاّ إلى الفوضى ووضع اللاّدولة أو إلى أشكال أخرى من الدّكتاتوريّة حتّى وإن سُمّيت الانقلابات عمليّات إنقاذ وصيغُ الحكم الدكتاتوريّة المسقطة عمليّة سياسيّة. فانتخابات أفغانستان والعراق بإملاءات المحتلّ الأميركي والأطلسي وبضرورات واقع ما بعد الغزو ليست بناء للدّيمقراطيّة ولا حتّى خطوة في طريقها طالما أنّها لا تقوم على مبدأ عدم إقصاء أيّ طرف ومكوّن سياسي وطائفي وقومي وطالما أنّها تعطي أولويّة لأمن الغزاة على حريّة الشعوب، فهي عوض أن تكون البوّابة العريضة لدخول العصر، ولم لا العصر الديمقراطي، جُعلت منفذا للخروج «المشرّف» من «الوحلة» التاريخيّة المقترفة وجسرا للهروب الآمن أو تمهيدا لطور جديد من الاحتلال المفضوح أو المقنّع.
يقدّم المفكّر الجزائري مالك بن نبيّ تفسيرا لإخفاق الديمقراطيّة في بيئتنا الحضاريّة رغم وجود دساتير وبرلمانات، إذ إنّ الحالة الديمقراطيّة لا تكون حالة مصطنعة ولا بضاعة مستوردة وهي عنده منزلة بين منزلتين هما الوجهان الصّارخان لحقيقة واحدة هي الإقصاء الذي اعتبرناه نقيض الديمقراطيّة. ورغم أنّ مالك بن نبيّ لا يستخدم لفظ الإقصاء فإنّه يستفيض في شرح معانيه، فوضعُ العبوديّة ومستوى ما دون المواطنة كما وُجدا في أشكال وأنماط من النُّظم الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة هما تكريس للإقصاء الذي يفرضه الطّغاة والمستبدّون والمستغلّون ويمارسونه بشتّى الحيل والمبرّرات والأساليب والوسائل في حقّ الغريب والضّعيف والمخالف والمختلف من الرّجال والنساء والولدان، فكلّ إقصاء للأقليّة وللمغاير الدّيني والمذهبي والإيديولوجي دليل على غياب الديمقراطيّة أو عدم اكتمال بنيانها، كذلك الشّأن بالنسبة إلى المرأة المحرومة من حقوقها السياسيّة، وإلى الفئات الاجتماعيّة المنتجة المحرومة من مكاسبها ومن ثمار التّنمية، وإلى الشباب الممنوع من التّعبير والإبداع والمشاركة واختيار صياغة مستقبله وفق طموحاته، فالمصادرة حقوقهم والممنوعون من التعبير لا يمكن أن يكون شعورهم بالتّكريم كاملا وإحساسهم بالرّضا وبفُرص أداء الواجب تامّا.
ويدعو مالك بن نبيّ في هذا الإطار إلى اعتبار الدّيمقراطيّة من ثلاثة وجوه: باعتبارها شعور الأنا تجاه نفسه وباعتبارها شعورا نحو الآخرين وباعتبارها مجموعة الشروط الاجتماعيّة السياسيّة اللاّزمة لتكوين وتنمية هذا الشّعور في الفرد، فلا معنى للدّيمقراطيّة مع العبوديّة لأنّ العبد لا يُنظَر إليه ولا يشعر بأنّه حرّ، فمشاعر الدّونيّة عند المرأة وعند العبد وعند الملوّن.. هي الصّورة السلبيّة للشّعور الدّيمقراطي، كما أنّ مشاعر الاستعلاء والعنصريّة والتّفوّق العرقي والحضاري هي الأخرى صورة سلبيّة على الطّرف الآخر من واقع غياب الدّيمقراطيّة التي تقع بين نافيتين تنفيان الشعور الديمقراطي؛ نافية العبوديّة ونافية الاستعباد. يقول مالك بن نبيّ: «فالإنسان الحرّ أي الإنسان الجديد الذي تتمثّل فيه قيم الديمقراطيّة والتزاماتها، هو الحدّ الإيجابي بين نافيتين تنفي كلّ واحدة منهما هذه القيم وتلك الالتزامات: نافية العبوديّة، ونافية الاستعباد». فالانتقال الديمقراطي لا يكفي لتحقيقه وجود دستور أو الإعلان في أحد بنوده بأنّ النّظام القائم نظام ديمقراطي طالما أنّ النّاس يقيّمون أنفسهم بأنّهم في مرتبة العبيد منقوصي المواطنة أو مواطنين من درجة ثانية منقوصي الحريّة والإنسانيّة. وإذا كانت المعارضة في البلاد الدّيمقراطيّة تسعى في الوقت نفسه عبر الانتخاب إلى الوصول إلى السّلطة والحصول على الأغلبيّة وإلى ضمان حقّ الأقليّة في الوجود والتعبير والتداول.. فإنّ الأحزاب الحاكمة وقادة الدّول في البلدان غير الدّيمقراطيّة تعتبر البقاء في السلطة حكرا عليها والإقصاء سبيلها الوحيد للمحافظة عليها. وإذا كانت الأغلبيّة والأقليّة في ظلّ الدّيمقراطيّة كلتاهما ممثّلتان في الهيئات المنتخبة فإنّ إحداهما وعلى الأرجح الأغلبيّة تكون خارج المنظومة وخارج «اللّعبة» والعمليّة السياسيّة. وبما أنّ المعيار في قيام الحالة الديمقراطيّة هو نفي النّافيتين اللتين أشار إليهما مالك بن نبيّ فإنّ مأسسة رفض الإقصاء وفتح الفضاء العمومي لكلّ المكوّنات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وهو الوجه الثالث من مقتضيات الديمقراطيّة، هي الشّرط اللاّزم لإحداث المنعرج الدّيمقراطي وعلى دعاة الإصلاح وقُوى التّغيير أن تطالب بصوت مسموع بإنهاء واقع الإقصاء لاعتبار سياسي أو أيديولوجي.
لقد سعى مالك بن نبيّ إلى رفع التّطابق الاصطلاحي والتّناقض المفهومي والواقعي بين الإسلام والدّيمقراطيّة من خلال تأكيده على أنّ المسار الديمقراطي ورسالة الإسلام يؤدّيان إلى نفس المقصد ويقتضيان نفس الشروط وهي تكريم الإنسان وتعديل نظرته إلى ذاته وإلى الآخر بإرساء رابطة الأخوّة والمواطنة وإحياء الشّعور الدّيمقراطي الذي بلغ أوجه في العهد الإسلامي الأوّل وترسّخ في المجتمعات الغربيّة منذ قيام الثّورة الفرنسيّة. بقي أن نلاحظ أنّ إخفاق مشروع النهضة العربيّة وفشل مخطّطات التّنمية في ظلّ الواقع الاستبدادي التّبعي وتعثّر عمليّات التحديث الفوقي والمسقطة.. أعادت إلى صدارة الاهتمام قضيّة الهويّة ما جعل مطاع الصّفدي يرى أنّنا بعد ما يقرب من جيلين منذ الحصول على الاستقلال نكتشف مجدّدا تحت ركام الهزائم الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة.. ضرورة طرح سؤال الكينونة. ورغم أنّ هشام جعيّط يحذّرنا من إقحام كلّ همومنا المعاصرة في مفهوم الهويّة فإنّ مقالة مالك بن نبيّ عن الإسلام والديمقراطيّة تلفت انتباهنا إلى أنّ ترسيخ الدّيمقراطيّة في واقعنا المعاصر ليس مفصولا عن تفعيل القيم الإسلاميّة الإنسانيّة الخالدة في حياتنا الفرديّة والجماعيّة بل هو يستلزمها مثلما أنّ ترسيخها في التّاريخ الأوروبي صاحب حركتيْ الإصلاح والنّهضة. يقول بن نبيّ: «بل إن هاتين الحركتين هما أوّل تصريح بقيمة الإنسان الأوروبي في مجال الرّوح وفي مجال العقل». لكنّ المفارقة أنّ تيّار الهويّة الذي يحمل أمل إحداث التّحوّل الدّيمقراطي هو اليوم ضحيّة للمحاصرة والإقصاء في أكثر من قُطر عربي.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©