نصوص

دعوة للتفاعل: الكتابة والتعليقات والأسماء المستعارة على النت؟

الحوار نت - لا شك أنّ الشبكة العنكبوتيّة شكّلت منذ انتشارها متنفّسا هائلا لشريحة كبيرة وواسعة من الأقلام المصادرة والمطاردة والمُضيّق عليها، كما أتاحت الفرصة لكثير من المترددين و أولئك الذين غابت عنهم موهبتهم، وعندما جرّبوا الكتابة عرضا أقنعوا وأبدعوا واكتشفوا في أنفسهم ملكات كبيرة ذهبت بكتاباتهم بعيدا فانتزعوا الاحترام وأحدثوا الإضافة. لكن وككل المحاور النشطة

0
26 أبريل 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الحوار نت - لا شك أنّ الشبكة العنكبوتيّة شكّلت منذ انتشارها متنفّسا هائلا لشريحة كبيرة وواسعة من الأقلام المصادرة والمطاردة والمُضيّق عليها، كما أتاحت الفرصة لكثير من المترددين وأولئك الذين غابت عنهم موهبتهم، وعندما جرّبوا الكتابة عرضا أقنعوا وأبدعوا واكتشفوا في أنفسهم ملكات كبيرة ذهبت بكتاباتهم بعيدا فانتزعوا الاحترام وأحدثوا الإضافة.

  لكن وككل المحاور النشطة ترافقت ثورة التفاعل والكتابة على النت مع احتجاجات وتحفّظات وتجاذب تباينت حدّته وتداعياته، وإذا كانت المواد من نصوص ومقالات وحوارات وغيرها قد تقلّص اللغط حولها فإنّ التعليقات على المادّة المنشورة آخذة في إحداث الخلافات، بل أصبحت تستأثر حيّزا هاماّ من الاحتجاجات المسجلة.   يعتبر التعليق في مجمله فعلا منشّطا للخبر أو للمادّة المستهدفة، واعتُمد أساسا لكي يحرك المادة المعنيّة ويشكّل لها رافدا ينعشها ويفكك معانيها شرحا وتثمينا ونقدا وتفنيدا، غير أنّه وفي كثير من المناسبات يصبح هذا الرافد عبئا ثقيلا يشوش على الخبر ويربك المواقع الحاضنة، ذلك حين تُعتمد سياسة التسفيه والتجريح والتلويحات اللاأخلاقية، ويتخلى بعض المعلّقين على ضبط النفس وينساقوا نحو التشنج جارفين الحكمة والتحكم والتعقل مستسلمين لعصبيّة القلم وشراهة التشفي.   لسنا بصدد تصنيف الصح من الخطأ والمعقول من غيره، إنّما المقام مقام طرح مشكلة طالت أغلب تلك المواقع التي فتحت مساحات التعليق ورغم إيجابيّه هذه التعليقات الكبيرة والإثراء والحراك الذي تحدثه على النصّ إلا أنّ بعضها المتنصل من الذوق العام بات يؤرق أصحاب المواقع وأصحاب النصوص على حدّ السواء، وجلبت هذه النوعيّة من التعليقات التذمر لما تحتويه من تجريح وصل إلى حدّ التشخيص واقتحام الخصوصيّات.   هناك مواقع دفعت إلى الأمام وتجاهلت كل الاحتجاجات وكرّست كافة أنواع التعليقات كأمر واقع بحجة أنّ هذه المساحة أفردت أصلا للتفاعل المفتوح غير المقيّد وبُعثت لتكون متنفّسا لكل الأصوات المخنوقة حتى وإن كانت هذه الأصوات ترسل في تعليقاتها كلمات تحتوي على مفردات جنسيّة صارخة وتشهير بائن إلى حدّ الإسفاف، كما أنّ عدّة مواقع أخرى اعتمدت الغربلة والتنقية والاحتراز، وفي كلتا الحالتين فإنّ الاحتجاج ماض في تصاعد لأنّ حالة الإطلاق تثير حفيظة صاحب المادّة المعلّق عليها وحالة التقيّيد والمراقبة تثير حفيظة صاحب التعليق، ولم تسلم من هذا الصداع إلى تلك المواقع التي آثرت "السلامة "وألغت خاصيّة التعليق متجاهلة لفوائده ضاربة بعرض الحائط رغبة القراء في التفاعل وحاجة النصّ للإنعاش والحراك.   ومن المفارقات ورغم أنّ الأمر لا يخرج عن هذه الخيارات الثلاث فإنّ بعض المنابر الإعلاميّة التونسيّة الرسميّة ابتدعت مساحة أخرى رابعة وهي منتوج إعلامي تونسي خالص،  حين ذيلّت صفحاتها بركن للتعليقات ثم أفردت فقرة تقليديّة تحمِّل تداعيات التعليق لصاحبه، لكنّها منذ تأسّست لم تنشر تعليقا واحدا، فقد اتخذتها ديكورا كالكثير من الديكورات التي تزخر بها الحياة السياسيّة والإعلاميّة والثقافيّة في البلاد.   مشكلة أخرى أثارت جدلا في عالم النت وإن كانت بشكل أقل حدّة من التعليقات وهي الأسماء المستعارة، نعم إنّ الاسم المستعار مكوّنا أساسيّا من مكوّنات التفاعل عبر الشبكة العنكبوتيّة طُبعت به ويعتبر من خصائصها، لكن هناك روابط أدبيّة وأخلاقيّة تلحّ على الكتابة الجادّة والبنّاءة ومن أجل أن تعطي المصداقيّة لنتاجها أن تخرج بأسماء أصحابها ما لم تكن هناك محاذير أمنيّة تعرّض هؤلاء إلى سياط الأنظمة الشموليّة المتسلّطة، وإن كان هؤلاء معذورين فإنّ الذين يريدون الخوض في مسائل حسّاسة ومحفوفة بالمدّ والجزر عليهم متطلبات أخلاقيّة أقلّها أن يفصحوا عن أنفسهم من خلال التصريح بأسمائهم الصحيحة حتى يرفعوا كثيرا من اللبس والشك ويتحمّلوا مسؤليّات كتاباتهم ويواجهون تداعياتها بوجوه مجردة من الأقنعة.    هذه بعض المشاكل التي تعيق الاستثمار الجيّد والناجع لخاصيّة الشبكة العنكبوتيّة وتلحّ على روّاد هذا الفضاء الزاخر كي يتكاتفوا من أجل تحسين أدء الكلمة وترشيد فاعليتها وتغذيتها بالمزيد من جرعات الحريّة وتنقيتها من الشوائب والتنغيص.
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©