نصوص

دعوا الأفواه تتحدث... فتاريخ القمع طويل بقلم الدكتور محجوب احمد قاهري

جاء قطار الثورة بدون سابق إنذار, فاسقط من كان يعطل قصرا سكة سيره وجرح من جرح وبترت أطراف بعض ممن كانوا يقمعون كل حركة ايجابية حتى السلبية منها. ومضى القطار في سيره بدون توقف بالرغم من قوى الردة التي تشد العربات المحملة بأطياف الشعب المطحون الصامت على مدار سنوات خلت, وركب القاطرة من كانوا خارج الثورة ومساندين للنظام السابق في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة, وهم يحاولون توجيه المسار على حسب ما يريدون. وأصبح جميعهم من منظري الواقع الجديد, الواقع الثوري الذي حتم على الجميع من مطحونين وانتهازيين من الم

0
15 فبراير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

جاء قطار الثورة بدون سابق إنذار, فاسقط من كان يعطل قصرا سكة سيره وجرح من جرح وبترت أطراف بعض ممن كانوا يقمعون كل حركة ايجابية حتى السلبية منها. ومضى القطار في سيره بدون توقف بالرغم من قوى الردة التي تشد العربات المحملة بأطياف الشعب المطحون الصامت على مدار سنوات خلت, وركب القاطرة من كانوا خارج الثورة ومساندين للنظام السابق في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة, وهم يحاولون توجيه المسار على حسب ما يريدون. وأصبح جميعهم من منظري الواقع الجديد, الواقع الثوري الذي حتم على الجميع من مطحونين وانتهازيين من المضي معا في شعاراتها, وكان الأعلام المسموع والمكتوب هو البوابة التي يطل من خلالها كل من ساهم في تكريس الاستبداد والفساد أما مشاركة أو صمتا, وبعد أكثر من شهر من رحيل الدكتاتور, أصبح هؤلاء من دعاة إخماد وإسكات صوت المقهورين, والجائعين والمظلومين, فالثورة تحتاج إلى الصمت ليعمل وزراء الحكومة الصامتون في أمان. ولعلي أذكر تلك المزحة التي تقول بان أحد المسافرين قد انتقلت به قدماه إلى صحراء طويلة عريضة وأرهقه العطش إرهاقا كاد يودي بحياته, فما وجد بدا من الصياح بأنفاس متقطعة, إنني عطشان فأغيثوني, ومن حسن حظه عثرت عليه قافلة, فأسرع أهلها بمده من الماء بما يروي ظمأه, ولكنه من كثرة ما عانى من ألم العطش وبعدما ارتوى واصل صياحه إنني كدت أموت من العطش, فاقلق أصحاب القافلة منه, فلما الصياح وقد ارتوى, لكنهم كانوا لا يعلمون شدة ما عانى منه ومن موت كاد يودي بحياته. ولكن هؤلاء الذين يدعون الشعب التونسي المطحون بعدم الكلام والتعبير عن مخزون سنوات من القمع والإرهاب والترهيب, كانوا يعلمون علم اليقين ما كان يحصل في الوطن, ومنهم من شارك فيه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فجأة وبدون مقدمات يسقط كل شئ وتنكسر الأغلال, فالمنطقي بان تطفو كل الإرهاصات والمطالب والآلام على السطح, ويحاول كل فرد من المجتمع بان يقول كل شئ وربما في وقت واحد, كالمريض الذي يشكو من كل عضو في جسده وأتيحت له رؤية الطبيب, فلا يكاد يصمت حتى يقول كل وجعه, وربما هذا الكلام الكثير ليس لفرض مطالب آنية ولكن للشكوى, احتياج لمن يسمعه يواسيه وربما يعده بحلول في آجال محددة. فكيف نلوم عاطلا عن العمل لسنوات من الصراخ ن شدة الألم والحاجة وقد أتيحت له فرصة التعبير عن مكنوناته, كيف نلوم من يعمل لسنوات في الحظائر بأجر زهيد ولا يقع ترسيمه, كيف نلوم من سلطت عليه عقوبة أو طرد من عمله بدون موجب, كيف نلوم من أودع الشجن بهتانا وزورا أو لمجرد رأي, كيف نلوم من أفتكت ممتلكاته قهرا وطغيانا, كيف نلوم خريج جامعة من الشكوى من رشاو وظلم قتل حلمه بالحصول على عمل, كيف نلوم قرية أو عمادة تشكو من عدم تمتعها بالماء الصالح للشراب أو بالتنوير العمومي, كيف وكيف وكيف؟ كيف نلوم هؤلاء المصابون في حياتهم وأجسادهم وحرياتهم بان يصرخوا من شدة الألم. حتى الذين يطالبون بزيادة أجورهم, لماذا لا نسمع منهم, أليسوا أبناء تونس وأبناء الثورة, لماذا لا نحاورهم ونسمع شكواهم نقنعهم أو يقنعوننا بوجاهة رأيهم, أليس من أفضال هذه الثورة هي الحرية, أليس علينا أن نؤسس لمبدأ الحوار وسماع وجهة النظر الأخرى, ولماذا أصبحت بعض لجان حماية الثورة تستعمل العصي لقمع هذه الأصوات وإجبارها على عدم الصراخ من شدة الألم كما يرونه هم, أهل أصبح الصمت وفرضه هو مصلحة الثورة, ومن حدد هذا ومن قاله ومن شرع له؟. أليس من مهمة الأعلام المرئي والمسموع الانحياز إلى صوت الشعب, ليس لأن ذلك فرض عليها لأنها تآمرت عليه على مدى ثلاث وعشرون سنة, ولكن لبلورة المشهد والحراك الشعبي ومن ثمة توجيهه من خلال الشعب نفسه, ثم أليس على هذا الحكومة, والتي نأى الأعلام عن التعرض إليها وعن ذكر خيباتها, بان تظهر للشعب وتتحدث له وبلغته عن محدودية إمكانيات الدولة وعن رؤاها وتصوراتها للحلول المقترحة, أم إن مهمة هذه الحكومة أصبحت توجيه الأعلام إلى غايتها, والمؤلم بان العديد من رجال الأعلام سايروا نسقها مرة أخرى وكأنه العهد السابق. إن الشعب بجميع أطيافها يتحدث ويحتج من شدة ألمه ليقول هاهو ألمي وجرحي فانتبهوا إليه, وليس لفرض واقع معين.. إن الشعب يئن من شدة ماعاناه فلا تكمموا أفواهه مرة أخرى فتاريخ القمع الذي عاشه طويل وطويل... الدكتور محجوب احمد قاهري

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©