نصوص

دروس من الحياة

من دروس الحياة حدّثني من تعوّدت على الصدق من لسانه أنّ ابنه البالغ قد تعرّض إلى بعض المصاعب التقليديّة لمّا خطا أولى خطواته باتّجاه التفكير في الزواج... وقد واجه تلكم المصاعب بالقبول والتسليم الكامل لله سبحانه وتعالى مردّدا بلسان الحال والمقال "الخير فيما اختاره الله، وما من شيء يحدث إلاّ لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى"، ثمّ سرعان ما حاول مداواة الجرح الغائر الذي خلّفه في نفسه هذا "الإخفاق" بتغيير وجهة بحثه عن شريكة حياته التي ظلّ يرى ضرورة استعجال حضورها ومصاحبتها، وذلك للأمن ممّا يمرّ به كلّ

0
12 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

من دروس الحياة   حدّثني من تعوّدت على الصدق من لسانه أنّ ابنه البالغ قد تعرّض إلى بعض المصاعب التقليديّة لمّا خطا أولى خطواته باتّجاه التفكير في الزواج... وقد واجه تلكم المصاعب بالقبول والتسليم الكامل لله سبحانه وتعالى مردّدا بلسان الحال والمقال "الخير فيما اختاره الله، وما من شيء يحدث إلاّ لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى"، ثمّ سرعان ما حاول مداواة الجرح الغائر الذي خلّفه في نفسه هذا "الإخفاق" بتغيير وجهة بحثه عن شريكة حياته التي ظلّ يرى ضرورة استعجال حضورها ومصاحبتها، وذلك للأمن ممّا يمرّ به كلّ شاب مثله في مضمار فتنة البلاد المعيشة، أو بلاد الفتنة المُعاشة... كان الابن دمث الأخلاق هادئ المزاج إلاّ من بعض ردود الفعل التي تقتضيها المحافظة على المزاج، وكان ناجحا في دراسته وفي عمله ومصاحبته للنّاس.. وكان محبّا للخير جوادا – كما يصفه أبوه المتحدّث – وكان على جانب من الخلق الطيّب الذي تطمع البنت المسلمة في رؤيتها في قرينها أو زوجها أو رجل مستقبلها، ولذلك فقد فوجئ برفض كان أوّله موافقة وبصدّ كان أوّله رغبة وبعزوف كان أوّله ميلا، فأحدث كلّ ذلك في نفسه - كما أسلفنا - جرحا أفلح بشخصيته في تضميده!..   ولكنّ نجاحه ذلك لم يَطل أباه لا سيّما بعدما سمع قولا عظيما - لم يقف على صحّته - مفاده أنّ بعض النّاس قد علّق أو هو نسب أمر الرّفض أو التراجع في القبول (إذ كان في البداية قبولا) إلى مزاجه هو (مزاج الأب)!... فقد زعم الذي زعم أنّ الزيجة لا تتعلّق فقط بخلق الشاب المتقدّم للخطبة ودينه وقدرته على الباءة كما علّم الأمّةَ سيّدُها وسيّدُ ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم، بل يتعلّق الأمر عنده بالأصل (هكذا حُكِيَ) كذلك... ولعلّ الأب - وهو الذي لا يتوقّف طويلا عند هذه المعاني المنظور إليها بمنظار الزّاعم - يعرف أنّ الأصل أو النسب مهمّ في النّبوءات والزعامات؛ إذ يُبعث الأنبياء من وسط القوم وأشرفهم، ويُرجى أن يخلو نسب القائد من المسقطات والسقطات المحصورة أساسا في الأمراض الاجتماعية النّاخرة؛ فليس من الهيّن أو من المنتظر أن يكون القائد مثلا ابن زنا أو قاطع رحم أو ظالم بن ظالم!.. ولكنّ الأب يعرف أيضا أنّ نسبه وأصله وفصله لم يقترب أبدا من هذه المنطقة التي قد تُزهّد النّساء في أبنائه إلى درجة أنّهنّ لا ينظرن إليهم بقدر نظرهنّ إليه!... ويتوقّف الأب طويلا أمام الآي القرآني الذي بيّن في أكثر من حالة أنّ الأب الكافر قد يخلّف أنبياء وأنّ الأب النّبيّ قد يخلّف كفرة طواغيت، فيزداد قناعة أن لا وراثة في السلوك إلاّ استثناء!.. ثمّ يتساءل بحسرة وأسى عن مردّ هذا الفقه الجديد الذي ألبس الأبناء سيرة آبائهم وأجدادهم فأوقفهم عاجزين عن الاقتراب من منابر "أهل الأصل"، بل ويتساءل عن هذا العمى الذي طال الأعين فلم يمكّنها من مشاهدة مروءة فيه لم تخدش ورجولة فيه لم تثلم بشهادة الأسوياء أجمعين!.. فما بال القيم تُحرّف وتنحرف حتّى تحرم الأبناء من اختياراتهم وخياراتهم؟!.. وهل يجوز اللوم – إزاء هذا التصرّف غير ذي الأصل الميّال إلى "الأصل" – على بعض أهل الكنانة وقد مجّدوا فراعينهم أو على أهل المغرب وقد تشيّعوا إلى بربريتهم؟!.. أيجوز اللوم على "المحافظة على الأصل"؟!...   يتحدّث الأب لكلّ النّاس عن عائلته وأصله وفصله بصراحة لا تخطئها البصيرة، ومع ذلك فإنّه لم يعبّر يوما عمّا يجعله يتململ أو يخجل من نسبه!.. بل لقد كان كثير التشبّث بنسبه وهو يرى فيه ما يجعله يرنو إلى الارتباط بسيرة حكت عنها السيرة المطهّرة بداية السيرة الشريفة!... فلمَ الحديث عن الأصل والنّاس قد لا تعرف الأصل!؟..   لقد تألّم الأب كثيرا من جرّاء هذا السلوك غير الإسلامي، فقد كان حريّا بمن أعجب بابنه أن ينبّهه إلى الثلمات – إن وجدت – في سيرة أبيه كي ينصحه بجبرها أو ينصح الابن بعدم اقترافها... ولكن أن يُقبل الابن ثمّ يقع الاستدراك عليه من أجل سيرة أب لم تتجلّ نواقصه إلاّ بعد العزم على الخطوبة الرسميّة، فهذا ما لا يليق بمسلم حفظ عن نبيّه "الدّين النّصيحة"، وفقه معنى من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه!.. بالإضافة إلى ما قد يترتّب عن ذلك من إحساس لدى الابن (وحاشاه) قد يجعل لديه أباه رمز منع سعادة كان يراها في الاقتراب من أناس يحسبون أنّ أصل أبيه من غير أصلهم!..   قال لي هذا الوالد أنّه إنّما أراد الشكوى لأحباب نفسه ممّا تشكو منه نفسه!.. غير أنّه عاد وقال: أنّه يحتقر جدّا زعم هذا الزّاعم ويراه قليل معروف ومنعدم جرأة، إذ كان أولى به أن يواجهه ولا يرزئه فيه وإن بدا منه ما يخالف ذلك... ويختم بالقول: عسى الله أن يغفر للجميع ويؤت كلّا من فضله وسعته وبركته، والخير فيما اختاره الله سبحان وتعالى هو خير المولى وخير النّصير ويذكّر في النّهاية بقول عمر رضي الله عنه: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزّة في غيره أذلّنا الله" ويختم بحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله!...                      

 

 

عبدالحميد الدّاسي

الدّانمارك في 12 مارس 2010

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©