خوفٌ على تونس: وائل محي الدين
تابعت باهتمامٍ كما تابع غيري الأحداث الأخيرة لبلد الإسلام "تونس"، ولا أخفيكم فقد فرحت كثيرًا بزوال طاغية جثم على قلوب الشعب المسلم طوال أكثر من عشرين عاماً، متمماً بهذه العشرين عقداً من الزمن، ساد فيه الظلم والطغيان وضياع الحقوق، كان قد بدأ بالهالك "الحبيب بورقيبة" عليه من الله ما يستحق . وقد قرأت منذ زمنٍ كتابَ شيخنا القرضاوي –حفظه الله- "التطرف العلماني"، وهو يتكلم عن نموذجين من العالم الإسلامي، أطلت العلمانية برأسها منهما، والغرابة تكمن في أن هذين البلدين قد وقع فيهما تغيرٌ لم يكن متوقعاً على
- 24 يناير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تابعت باهتمامٍ كما تابع غيري الأحداث الأخيرة لبلد الإسلام "تونس"، ولا أخفيكم فقد فرحت كثيرًا بزوال طاغية جثم على قلوب الشعب المسلم طوال أكثر من عشرين عاماً، متمماً بهذه العشرين عقداً من الزمن، ساد فيه الظلم والطغيان وضياع الحقوق، كان قد بدأ بالهالك "الحبيب بورقيبة" عليه من الله ما يستحق .
وقد قرأت منذ زمنٍ كتابَ شيخنا القرضاوي –حفظه الله- "التطرف العلماني"، وهو يتكلم عن نموذجين من العالم الإسلامي، أطلت العلمانية برأسها منهما، والغرابة تكمن في أن هذين البلدين قد وقع فيهما تغيرٌ لم يكن متوقعاً على كل الأصعدة، وهما :
· تركيـا
· تونـس
وقد رأينا الذي حدث في تركيا مؤخراً، على يد القيادة الجديدة لتركيا، وشاهدنا المواقف الكريمة لدى رئيس وزرائها تجاه قضايا الأمة وفلسطين وغزة خاصةً، بل إن الإخوة الذين يزورون تركيا يبشروننا بالخير الكثير، وهو قادم لا محالة وعلى كل الأصعدة بإذن الله رب العالمين . انظر مقالي الذي كتبته "عودة تركيا" .
وأما تونس فمن خلال متابعاتي القليلة لها كبلدٍ إسلاميٍ، فقد والله سمعت العجب وقرأت الأعجب، عن بلد إسلامي يمنع فيه الحجاب ويحرم ويجرم تعدد الزوجات، ويمنع الأذان، ويباح البغاء، وتفتتح للزنا والخمر البارات، ويجد الشواذُ والعراةُ لهم مكانًا على الشواطئ، ويمنع غيرهم من أهل العفة والطهارة والفضيلة، هذا إلى جانب التجريم على المحافظة على الصلاة في المسجد، مع إغلاق الجامعة العريقة "الزيتونة" ومسجدها الكبير، إلى غير ذلك مما يندى له جبين كل مسلم، وحسبي الله ونعم الوكيل .
وها هي الأيام كما دارت على تركيا تدور على تونس، فيضحي بنفسه ليموت حرقًا من أجل أن يحرق الخنوع والخوف العالق في قلوب التوانسة مدةً طويلة من الزمن، وبلا شكٍّ فقد أقدم "محمد بوعزيزي" على أمرٍ لا يقرُّ شرعاً، ولكنا نسأل اللهَ ولغيرهِ الرحمةَ والمغفرةَ، ونسأل اللهَ ألا يجمعَ عليه نارَين.
دارت الأيامُ على تركيا وعلى تونس، وحقت على أنظمتهما الجاهلية كلمةُ الله التي لا تردُّ عن القوم الظالمين، وذهبَ إلى الهاويةِ أتاتورك وها هو ابنُ علي يلحقُ به غير مأسوفٍ عليهما، وأُتبعوا في الدنيا بلعناتِ الشعوبِ المقهورةِ المظلومةِ، ويومَ القيامةِ ينتظرهُم حسابٌ عسيرٌ وسؤالٌ غيرُ يسير، وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيد .
وإنه -والله- لمشهدٌ أبكى كلَّ من رآه، أو سمع به، يومَ أن اكتظت مساجدُ تونس ولأولِ مرة، منذُ عشراتِ السنين، ليُرفعَ فيها الأذانُ، فتُذْرَفُ الدموعُ، وتَخْشَعُ القلوبُ، لأولِ صلاةٍ يصليها التونسيون دونَ رقابةٍ أو بطاقاتِ أمنٍ للصلاة .
ولمَ لا نبكي وقد مَنَعَ الظالمون مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمُهُ وسَعَوا في خرابها، واليومَ ما كان لهم أن يبقوا في تونس إلا خائفين قلقين، متهمين بجرائم يندى له جبينُ البشرية، ولمَ لا نبكي والرجالُ يفرحون بطاعةِ اللهِ في بيوتٍ أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيها اسمُه، ولمَ لا نبكي والنساءُ فرحاتٌ بلباسِ العفةِ وحجابِ الطهارة، دونَ خسيسٍ يدنسُ شرفاً أو ناقصاً ينتهكُ عرضاً ...
خوفٌ على تونس : وبرغم كل ما حدث فنحن في تَخَوُّفٍ على تونس، فالظالمون السابقون فرَّغوا البلادَ من القياداتِ المحترمة، فمئاتُ الآلافِ من أهلِ تونس الشرفاء شُرِّدُوا ونُفوا خارجَ البلاد، والساحةُ اليومَ خاليةٌ لِمَنْ رُبِّيَ في ظلامِ النظامِ الظالمِ السابق، وها هم اليومَ يلتفون على ثورةِ الشعب، فيخرجوا للناس بثوبٍ جديد، على رأسهِ بعضُ أزلامِ النظام السابق، منادينَ بالديمقراطيةِ والوطنيةِ والحرياتِ الشعبية، ولو كانوا صادقينَ لسبقتْ أفعالُهم أقوالَهم، فالسجونُ مليئةٌ بأسرى حريةِ الكلمة، وأموالُ الشعبِ منهوبةٌ لَدَى الطغمةِ الحاكمةِ السابقة، وأصحابُ الأيدي الملطخةِ بالدماءِ يسرحونَ ويمرحون، وما ثَمَّ أحدٌ يَخرج لواجهةِ الإعلام أمام الشعب التونسي –يمثل صفةً رسميةً- إلا من دارَ في فلكِ النظام السابق.
وها هم اليوم يشكلون حكومةً وهميةً –بسرعة-، وما أن يُعلنَ عنها حتى تُرغمَ على الاستقالة، فالناس يخشون من ضياعِ ثمرات الثورة الشعبية المُعَبَّدةِ بالدم، وَيخشون أن يدخلَ العلمانيون المتطرفون من بابٍ أوسع من الذي طُرِدوا منه، والعفو العام عن الأسرى والمهجرين لا زال قيد المشاورة، لأنَّ متطرفي العلمانية يعلمون من هم الأسرى والمهجرين، والأمرُ لا يُعرف له نهايةٌ إلى الآن .
وإن كان هناك من نصائح تقدم لأهلنا في بلدِ الإسلام تونس، فهو ما يلي:
· الاستمرار بالانتفاضة الشعبية والثورة السلمية حتى إزاحة كل بقايا النظام السابق، المعروفين بالظلم والفساد .
· الإصرار على فورية إطلاق الأسرى والمعتقلين من سجون الظلم والقهر .
· عدم إيقاف المسيرات والمظاهرات والإضراب، حتى يُفتحَ المجالُ لعودة كل المهجرين من البلاد سالمين غانمين.
· ضرورة إشراك مفكري الأمة في توجيه الحركة الشعبية التونسية، لما فيه الخير للبلاد والعباد.
· الصبر على مرارة الثورة وتبعاتها، فإنها –والله- خير من حياةٍ ملؤها الذل والهوان.
وستعود تونس خضراء بإذن الله، لأهلها وللمسلمين جميعاً.
وائل محي الدين سيد الزرد / غزة/ فلسطين