نصوص

خواطر عائد من الحج! :فتحي عبدالستار

ثمانية أعوام فاصلة بين حجتي الأولى والثانية، خلال تلك السنوات حدثت تغيرات وتطورات كثيرة على مستوى التنظيم والاستعداد، وعلى مستوى المشاريع التي تخدم الحجيج وتعمل على تيسير أدائهم للمناسك، كمشروع جسر الجمرات وقطار المشاعر، وتوسعة المسعى، وغيرها من المشروعات التي ولا شك يسَّرت على الحجيج حجهم. ولكن ما لم ألحظ تغييره وما لم ألحظ تطوره إلا للأسوأ، هو ما يتعلق بالجانب البشري، بحجاج بيت الله أنفسهم، بسلوكياتهم، بتفاعلهم مع ما يؤدونه من مناسك، بفهمهم لروح هذه العبادة ومغزاها والهدف من ورائها، بعلاقتهم ك

0
29 نوفمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ثمانية أعوام فاصلة بين حجتي الأولى والثانية، خلال تلك السنوات حدثت تغيرات وتطورات كثيرة على مستوى التنظيم والاستعداد، وعلى مستوى المشاريع التي تخدم الحجيج وتعمل على تيسير أدائهم للمناسك، كمشروع جسر الجمرات وقطار المشاعر، وتوسعة المسعى، وغيرها من المشروعات التي ولا شك يسَّرت على الحجيج حجهم.

 

ولكن ما لم ألحظ تغييره وما لم ألحظ تطوره إلا للأسوأ، هو ما يتعلق بالجانب البشري، بحجاج بيت الله أنفسهم، بسلوكياتهم، بتفاعلهم مع ما يؤدونه من مناسك، بفهمهم لروح هذه العبادة ومغزاها والهدف من ورائها، بعلاقتهم كأفراد مع من حولهم من حجاج، بأسلوب تعاطيهم مع كل شيء مما حولهم.

 

إن الله عز وجل قد شرع الحج كعبادة جماعية، تتجلى فيها روح الأخوة الإيمانية، ممتزجة بتعظيم شعائر الله وتقوى القلوب، ففي أثنائه يتعارف المسلمون بعضهم ببعض، على غير أرحام وأنساب بينهم، يتوادون يتراحمون، ويتعاونون على البر والتقوى، يقفون على صعيد واحد، بلباس واحد، ومقام واحد، يرددون نداء واحدًا، مهما تعددت ألسنتهم، وتفاوتت درجاتهم الدنيوية، ففي هذه الشعيرة تتوارى ألقاب الدنيا، وتستبدل جميعها بلقب واحد (الحاج)، لا يُعرَف غنيهم من فقيرهم، ولا عظيمهم من حقيرهم، ولا عوامهم من خاصتهم.

 

ولكن بدا جليًّا أن الحج الآن قد صار في معظمه مفرغًا من تلك الروح، فأصبحت مناسكه أعمالاً فردية، يؤديها الناس سويًّا في مكان واحد نعم، ولكن قلوبهم شتى، تجمعهم الوحدة الشكلية التي لا تتم ترجمتها في النفوس والسلوك إلا مَن رحم ربي.

 

الحج الصامت!

 

ما بال الحج الآن صار صامتًا بما تعنيه الكلمة!! فأصبحتَ لا تسمع التلبية التي هي شعار الحج إلا نادرًا ينطق بها بعض الحجاج على استحياء، لا يُسمعون بها إلا أنفسهم، ويمر بك ركب الحجاج يتلوه ركب آخر، فلا تكاد تسمع لهم صوتًا، فهم صامتون من محل إحرامهم إلى منى، وصامتون من منى إلى عرفات، وصامتون من عرفات إلى مزدلفة، وصامتون من مزدلفة إلى منى، وهكذا، حتى صارت منى هادئة صامتة ساكنة إلا من لغط المفترشين، وأحاديث السمر والتفكه في المخيمات!! وهي التي كانت ترتج تكبيرًا أيام التشريق في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

والمضحك (وشر البلية ما يضحك) أنك تجد هؤلاء الحجاج الصامتين في الموضع الذي ينبغي فيه الجهر ويُسَن، تجدهم يرفعون أصواتهم ويصرخون في الموضع الذي ينبغي فيه الإسرار والهدوء، وذلك في طوافهم حول الكعبة المشرفة وفي سعيهم بين الصفا والمروة، حيث تسمع منهم ما يذهب بتركيزك، ويشوش عليك خشوعك في هذين الموطنين، إما فرادى، وإما جماعات يرددون خلف أحدهم بعض الأذكار والأدعية في صوت جهوري يُسمع المطاف كله!.

 

الحاج الدكتور..!

 

ومما يسيء النفس ويملؤها بالأسى هؤلاء الحجاج الذي لم يستوعبوا المغزى من وراء هذه الفريضة، فجاءوا إلى الحج وهم يحملون على ظهورهم شاراتهم الدنيوية، يباهون الناس بها، حريصون أشد الحرص على إظهارها وإعلانها، ويطلبون من الناس أن يعاملوهم على أساسها ووفقها بالتصريح تارة والتلميح تارة أخرى، ويأنفون من مَخالطة من يرونه أقل منهم مكانة وقدرًا، فهذا يحرص على أن ينادى بالدكتور فلان، وألا يكتب اسمه في قوائم الحجيج إلا مسبوقًا بحرف الدال!! وتلك تعنف مشرفي حملتها لأنهم ألجئوها لكي تأكل على الأرض مع أربعة غيرها في وعاء واحد!! وغير ذلك كثير من مظاهر الأنفة والاستعلاء والكبر، التي ما فرض الحج إلا لأجل القضاء عليها ومحاربتها في النفوس.

 

ومن أكثر ما يؤلمك جهل كثير من الحجاج بفقه المناسك، وكيفية أداء هذه الفريضة الكبرى، فتجد هؤلاء يأتون مع الناس ويسيرون في الركب، لا يدرون شيئًا عن الحج إلا لمامًا من هنا وهناك، فيفعلون كما تفعل رفقتهم صوابًا كان أو خطأ، وإن رأيتَ أحدهم على خطأ فحاولت أن ترشده للصواب أدار لك ظهره، وأغلق سمعه دونك، مشيعًا إياك بنظرات اللوم واتهامات بالتشدد والتزمت أو الجهل أحيانًا!!.

 

وبجوار هؤلاء وفي صفهم يقف من عندهم العلم بفقه المناسك، لكنك تراهم دائمًا حريصين على كل رخصة، مائلين عن كل عزيمة، مفتشين عن كل راحة، مستهينين بالسنن، ناظرين للحج على أنه نزهة خلوية، يجب أن يحوزوا فيها كل ما يستطيعون من المتع!!

 

الحج المنشود

 

ما أشد شوقنا لعودة هذه الشعيرة الكبرى في الإسلام لسابق عهدها في نفوس الحجيج، لتكون بحق علامة على وحدة المسلمين، ومظهرًا من مظاهر انصهارهم سويًّا في بوتقة واحدة، هي الإيمان بالله والسعي لمرضاته ونصرة دينه، ودليلاً على أخوتهم الصادقة التي تجعلهم كأسنان المشط، فلا فرق بين مسلم وآخر ولا فضل لأحدهم على غيره إلا بالتقوى والعمل الصالح، وتأكيدًا على فهمهم العالي لمعاني هذه الفريضة، وإتقان مناسكها قولاً وعملاً، وتعظيمهم لشعائر الله عز وجل، وفقًا لسنة معلمنا صلى الله عليه وسلم، وصدق جل وعلا حيث قال: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ).

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©