خلل في المنهج الأصولي لدى بعض الإسلاميين يقودهم إلى خلل في الفكر وفهم الواقع
عندما يكون المنهج الأصولي فيه خلل, يكون الفهم كذلك مختلا, وقد ينتج عن ذلك الفهم أفكار متطرفة ومختلة, وقد تترجم إلى أفعال وأعمال تتسم بالاختلال والتطرف, وحين يكون المنهج الأصولي وسطيا ومعتدلا, عندها يكون الفهم معتدلا, وما ينتج عنه من أفكار وتصورات وبرامج يميل إلى الوسطية والاعتدال, ويجد له تجاوبا كبيرا وعليه إقبالا عريضا. وهذه الصفات"الوسطية والاعتدال": هي من الصفات التي تتميز بها أمتنا الإسلامية عن بقية الأمم الأخرى سابقا وحاضرا ومستقبلا قال الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
- 27 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عندما يكون المنهج الأصولي فيه خلل, يكون الفهم كذلك مختلا, وقد ينتج عن ذلك الفهم أفكار متطرفة ومختلة, وقد تترجم إلى أفعال وأعمال تتسم بالاختلال والتطرف, وحين يكون المنهج الأصولي وسطيا ومعتدلا, عندها يكون الفهم معتدلا, وما ينتج عنه من أفكار وتصورات وبرامج يميل إلى الوسطية والاعتدال, ويجد له تجاوبا كبيرا وعليه إقبالا عريضا. وهذه الصفات"الوسطية والاعتدال": هي من الصفات التي تتميز بها أمتنا الإسلامية عن بقية الأمم الأخرى سابقا وحاضرا ومستقبلا قال الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿2/143﴾ سورة البقرة " وفي قراءتي للواقع الفكري للحركة الإسلامية بكل حساسياتها ومدارسها, لاح لي في أفقها منهجان مختلفان يكادان يكونان متناقضين, على مستوى الرؤية للأشياء, وعلى مستوى قراءة كل منهما للنص وللواقع, ولكل منهج من هذين المنهجين جذور تاريخية تستندان إليها, بل لكل منهما مدارسهما في المنهج الأصولي, وفي الإنتاج الفقهي على مدى قرون عديدة, وقد كان الصراع في كثير من الأحيان بينهما محتدما ومحتدا في معاركهما الفكرية, قد ينسحب أحدهما ويتوارى في فترات ليترك الساحة للطرف الآخر تحت الضغوط الثقافية أو الضغوط السياسية بأشكالهما المتعددة والمتنوعة, وينحصر الاختلاف الأصولي بينهما في مسألتين هامتين, ترتبطان ببعضهما وثيق الارتباط, وتؤثر كل واحدة منهما في الأخرى تأثيرا متبادلا, فأصحاب المنهج الأصولي الأول ينطلقون من القاعدة الأصولية الأساسية "الأصل في الأشياء والأفعال والمعاملات كلها الإباحة" وهي قاعدة شرعية تجد لها أدلة وشواهد قوية من القران الكريم والسنة النبوية, بينما الطرف المقابل لهم يرى عكس ذلك أي يرى "أن الأصل في الأشياء والأفعال والمعاملات كلها التحريم", ويرى الطرف الأول أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تحدث فيه عن البدعة باعتبارها ضلالة وكل ضلالة في النار مقتصرة على المجال التعبدي و المجال الاعتقادي, ويستند في ذلك إلى القاعدة الأصولية الكلية "لا يعبد الله إلا بما شرع " المدعمة بأدلة من القران الكريم والسنة النبوية, بينما الطرف المقابل يرى أن كل الأفعال التي يأتيها الإنسان, والتي ليس لها دليل شرعي هي بدعة وضلالة وكل ضلالة صاحبها في النار, وهنا ندرك مدى الاختلاف بين هذين الطرفين أو المذهبين في المنهجين, وما ينتج عنهما من اختلاف في الرؤى, فالمنهج الأول يضع العقل في دائرة أوسع وأرحب, ويعطيه مجال الحركة أكثر, وبالتالي يمكن أصحابه من الانفتاح على الرأي الآخر, سواء كان هذا الآخر ينتمي إلى الدائرة الإسلامية أوغيرها, ويمكنه من التفاعل مع هذه الدوائر كلها وفقا لما تمليه عليه المصلحة العامة, وفي إطار المقصد العام للشريعة, وفي اطارما قرره علماء الأصول من مقاصد كلية, و أساسية, و حاجيه, و تحسينية, وتبعا لذلك فهو يمكن أصحابه من الاستفادة من خبرات الآخرين, ومن تراثهم وتجاربهم, فيؤسس لفكر جديد من خلال عملية استقراء للنصوص الشرعية (نصوص الكتاب ونصوص السنة) يهتدي بها للسنن الجامعة, ويقوم في الأخير بعملية استنطاق لتلك النصوص بسننها الجامعة تفاعلا مع تلك الأفكار والآراء التي تمت صياغتها في الموضوع موضع البحث, ليصيغ نظريات عامة وينتج فكرا جديدا, ويساعد من موقعه على تطوير الفكر الإسلامي خصوصا, والفكر العالمي عموما, وهذا ما عرفته حضارتنا من ريادة في عصور ازدهارها وانفتاحها على العالم الخارجي, بينما المنهج الآخر لايتيح لأصحابه الحركة إلا داخل دائرة النص المغلقة في التراث الإسلامي, وخصوصا النص المحرم, فهو منغلق على نفسه لا يرى الحقيقة إلا في ذاته وبالتالي لا نرى له غير إعادة إنتاج للفكر التراثي التحريمى و التكفيري, الذي عرفته أمتنا في عهود انحطاطها, فمنهج التحريم هو منهج خارج دائرة الضوء, لايمكن له أن ينتج فكرا نهضويا ورائدا ولا يساهم في نمو حضارة, وهو أقرب إلى العدمية منه إلى الحياة, ونحن اليوم أكثر من أي وقت مضى أحوج إلى فكر إسلامي إنساني مبدع, يتفاعل ايجابيا مع واقعه والواقع العالمي, فينتج للأمة برامج وخطط إنمائية سياسية واجتماعية واقتصادية رائدة تستوعب مشاغلها ومشاغل عصرها, وتطلعاتها لغد أفضل نحو الحرية, والعيش الكريم في ظل دولة القانون والعدل والمساواة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان.