نصوص

خطاب الهويّة في مجلس النّواب

بقلم : بحري العرفاوي ربما لاحظ المتابعون للشأن الوطني ما أبداهُ بعض النواب من حرص على إثارة موضوع الهوية وما تتطلبه من جهد ووسائل لترسيخها ولتطوير الخطاب الديني خاصة وقاية للمجتمع من تسلل الفكر المتشدد والتأويلات غير المناسبة. إنه من الطبيعي أن يُدافع نواب الشعب التونسي على مقومات شعبهم الحضارية وعلى خصوصياته الثقافية ضمن تصور فلسفي فعال وخلاق لا ينطوي ولا يتعصب. لقد شهدت مداولات مجلس النواب ليوم الثلاثاء 30 نوفمبر ـ وعند مناقشة ميزانية وزارة الشؤون الدينية ـ دعوة بعض نواب التجمع بالخصوص إلى تحد

0
11 ديسمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

بقلم : بحري العرفاوي ربما لاحظ المتابعون للشأن الوطني ما أبداهُ بعض النواب من حرص على إثارة موضوع الهوية وما تتطلبه من جهد ووسائل لترسيخها ولتطوير الخطاب الديني خاصة وقاية للمجتمع من تسلل الفكر المتشدد والتأويلات غير المناسبة. إنه من الطبيعي أن يُدافع نواب الشعب التونسي على مقومات شعبهم الحضارية وعلى خصوصياته الثقافية ضمن تصور فلسفي فعال وخلاق لا ينطوي ولا يتعصب. لقد شهدت مداولات مجلس النواب ليوم الثلاثاء 30 نوفمبر ـ وعند مناقشة ميزانية وزارة الشؤون الدينية ـ دعوة بعض نواب التجمع بالخصوص إلى تحديث الخطاب الديني وإلى بعث قناة تلفزية تجيب عن أسئلة الناس وتعرفهم أمور عقيدتهم. من ذلك ما ورد على لسان النائب عبد الجواد مغيث من أنه "بقدر استبشار المواطن بإذاعة الزيتونة التي ساهمت ببرامجها الروحية في إنارة المستمعين فإن المواطن يتطلع إلى قناة الزيتونة" وقد عاضده آخر بالقول " إن إذاعة الزيتونة ساهمت مساهمة فعالة في تنوير المستمع... وأقترح بعث قناة تلفزية دينية موازية لإذاعة الزيتونة للقرآن الكريم" النائب التجمعي السيد التهامي الهاني طالب بأن تكون القناة الدينية تابعة للدولة... النائب التجمعي السيد محمود بن رمضان الحجري طالب بتكثيف الإعلام الديني ومنابر الحوار وترجمة الإصدارات المميزة للغات الأجنبية والعناية بالخطاب الديني الموجه للتونسيين خارج حدود الوطن. السيدة نوال هميسي النائبة عن الإتحاد الديمقراطي الوحدوي كانت أكثر استمساكا بعنوان الهوية وبعقيدة الشعب "إننا معتزون ومتمسكون شديد التمسك بالدين الإسلامي ونسعى بكل ما نملكه من جهد أن نحافظ على إشعاع الدين الإسلامي في صلب قيادة جعلت من الإسلام عقيدة ومنهج عمل وفق ما جاء به القرآن الكريم..." تشير النائبة الهميسي إلى كون "التطرف الذي يريد أن يجعل من الإسلام لغة إرهاب ووعيد" إنما هو نتاج غياب خطاب ديني يؤسس للتوافق والتسامح مُطالبة بمزيد دعم الحصص الدينية في المشهد السمعي البصري حتى لا يلجأ البعض إلى فضائيات أخرى بحثا عن فتاوى مؤكدة على "إن بلادنا كانت ولا تزال تزخر بالشيوخ والعلماء القادرين والمتمكنين" من المهم التنبيه إلى كون هذا الخطاب يؤسس لمنهج هادئ عاقل في التعامل ما ظاهرتين سلبيتين : "التطرف" و " التحرّف" كلاهما ناتج عن خواء معرفي وتوتر نفسي ولا يمكن التعاطي معهما إلا بطرائق عميقة ومُجدية تتأسس على الحوار وحسن الإستماع ولطف القول ولين النصح والصبر على التوعية والإفهام.  لقد نبه هذا القلم مذ سنوات إلى كون خلايا النحل لا تذهب بعيدا إلا إذا لم تجد الرحيق بمقربة منها وإلى أن الريح لا تستأذن أحدا حين تعصف في الأوعية الفارغة. من المهم جدا أن يكون نواب الشعب على درجة من سعة المعرفة والإحاطة بما يعتمل في أعماق المجتمع من تحولات ذهنية ونفسية وعقائدية وبما يطرأ من مظاهر سلوكية وعلائقية هي في الواقع انعكاس لتصورات وأفهام وطبائع بل ومطلوبٌ أن يكون فيهم منظرون يتجاوزون الأداء السياسي إلى رسم مناهج الأداء ضمن رؤية تحاولُ أن تكون عميقة وعارفة... لقد أفلح نوابٌ عديدون ـ ضمن هذا الملف ـ في الإشارة إلى حيث تجب الإشارة فلم يكتفوا بمهمة مناقشة ميزانية وزارة إنما ذهبوا إلى أبعد من ذلك خارج الأرقام والتجهيزات والنسب ليتكلموا في الأفكار والمعاني والظواهر الإجتماعية وفي مقومات الهوية وتنقية العقيدة مما شابها ويشوبها. كيف يمكن أن ينجذب شبابٌ في القرن الواحد والعشرين ـ بما يتوفر عليه من معارف وتقنيات ووسائل ترفيه ـ إلى خطاب ديني يُحرض على الإيذاء ـ إيذاء النفس والآخرين ـ ؟ كيف يُساءُ إلى الإسلام من قبل بعض شبابه حين يتوهمون أنهم قد استخرجوا منه أوامر بالإنطواء على الذات أو بالإنصراف عن الدنيا أو بتكفير المختلفين وإيلامهم في أفكارهم ومعتقداتهم وأهلهم وأمتعتهم؟ وهو إسلام الفكرة الواعية والإرادة الحرة والنصيحة المتلطفة والكدح في صنع مقتضيات الحياة وفي منافسة الآخرين على مواقع الريادة الحضارية.  فالتطرف بكل تمظهراته الدينية والرياضية والسياسية والجنسية والثقافية إنما هو نتاجُ ضيق في الفكر وضيق في النفس وضيق في الآفاق... ذاك الضيق يدفعُ بأصحابه إلى محاولة توسيع ما حولهم بأساليب إكراهية أو بإسقاطات خارجية يستقوون بها على واقعهم يجدون أنّه قد غلبهم... ولا يمكن معالجة ذاك الضيق واستتباعاته إلا بفتح مجالاتٍ للإستفراغ الذاتي من خلال التعبير

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©